تمضي تونس بخُطىً حثيثة نحو ما يمكن تسميته بالمنعرج الأخير في مسارها الانتقالي وهي تستعدّ للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها التي باتت قاب قوسين أو أدنى، وسط توجُّس كبير من عموم التونسيين من العملية الانتخابية برمتها.

يمشي الناس أمام  جدار من ملصقات الحملات الانتخابية في تونس العاصمة، الأربعاء 4 سبتمبر 2019.
يمشي الناس أمام  جدار من ملصقات الحملات الانتخابية في تونس العاصمة، الأربعاء 4 سبتمبر 2019. (AP)

هذا بالإضافة إلى التحفظ على جل الأسماء المرشحة لأعلى منصب في البلاد، وعلى الوعود التي تنثرها هنا وهناك دون تقديم ضمانات لتحقيقها على أرض الواقع في حالة الظفر بمنصب الرئيس.

يحدث هذا في سياق مرتبك تعيشه البلاد التي عصفت بها أزمة مجتمعية، وانهيار اقتصادي غير مسبوق مما خلق حالة من التوتر والغضب والاستياء من الفاعلين السياسيين برمتهم، وتراجع منسوب الثقة في إمكانية التغيير. وهو ما قد ينبئ بعزوف محتمل عن الانتخابات المرتقبة لا سيما إذا ما تأملنا نسب الإحباط واليأس المرتفعة في صفوف التونسيين.

وعلى هذا الأساس تبدو إمكانية أن تؤسس الانتخابات المقبلة لديمقراطية مستقرة احتمالاً قائماً ولكنه ليس الوحيد، فإمكانية النكوص والردة واردة أيضاً بنسب كبرى كذلك.

واستلهاماً من مقولة عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران "المتفائلون غالباً ما يكونون عرضة للمفاجآت السيئة، في حين أن المتشائمين قد ينتظرهم ما هو أفضل من انتظاراتهم" يمكن أن نقارب اللحظة التونسية الآنية الفائرة التي يتابعها الجميع بترقُّب وحذر.

تبدو إمكانية أن تؤسس الانتخابات المقبلة لديمقراطية مستقرة احتمالاً قائماً ولكنه ليس الوحيد، فإمكانية النكوص والردة واردة أيضاً بنسب كبرى كذلك.

منيرة رزقي

ومن الملاحظ أن المشهد التونسي يبدو اليوم غائماً ومفتوحاً على كل الاحتمالات، فإمكانية الرِّدَّة على الديمقراطية واردة جدّاً، ولا يخفي قسم كبير من التونسيين مخاوفهم في هذا الخصوص. 

كما أن ملامح الحملة الانتخابية التي اتسمت بالركض المحموم نحو قرطاج مع استخدام كل الوسائل بشكل ميكيافليي، تتعارض جذرياً مع روح الديمقراطية، وتهدد بنسف المسار من أساسه وتقويض مرتكزاته.

واتسمت بكثير من المفارقات العجيبة على غرار وجود مرشحين ملاحقين بشبهات فساد أحدهم يقبع في السجن والآخر فار خارج حدود الوطن.

ومن التجليات اللافتة أيضاً انسياب المال المشبوه في تمويل الحملات الانتخابية والقادم من آفاق مختلفة، منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول المصدر .

وقد تجاوز البعض حتى اللحظة السقف المسموح به بالنسبة إلى تمويل حملات وفق ما يتهامس به البعض. وتجلت في هذه الحملة الانتخابية ظاهرة مواقع النفوذ الجديدة من مافيا الفساد، والتهرب الضريبي، والتهريب، التي باتت لاعباً محورياً في المشهد السياسي التونسي.

وهذه الظاهرة الخطيرة قد تقلب موازين القوى في هذه الانتخابات المفصلية التي ستكون حاسمة في المسار الانتقالي التونسي في اتجاه إرساء الديمقراطية أو "الصعود إلى الهاوية" لا سمح الله.

فلا شك أن مخاطر كبرى تحدق بهذه الانتخابات المرتقبة وتهديدات من قبيل إمكانية شراء الذمم والأصوات خصوصاً بالنسبة إلى الفئات المحرومة، والجهات المهمشة التي سعى عديد الأطراف السياسية إلى التغلغل فيها وتوظيف هشاشتها من أجل مراودتها على الاقتراع لفائدة مرشحين بعينهم.

ومن الواضح أن لفرض مقاييس معينة على الناخبين مساعٍ حثيثة من خلال وسائل دعائية تقوم على التضليل والتمويه تحفر عميقاً في وعي المتلقي للتأثير على سلوكه الانتخابي عندما يلج الخلوة منفرداً ليصوّت لشخصية بعينها معتقداً بشكل لا واعٍ أن إرادته حرة، ولكنها في الحقيقة خضعت للتزييف والتوجيه دون إدراك منه.

وهنا ينبغي أن نشير إلى أن وسائل الإعلام وتحديداً القنوات التليفزيونية الخاصة قد لعبت دوراً مركزياً في هذا الصدد، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً بعض الصفحات التابعة لأطراف سياسية بعينها والتي يُعهَد إليها تشويه الخصوم السياسيين. وتغيب هنا المصداقية والموضوعية والمهنية.

من التجليات اللافتة انسياب المال المشبوه في تمويل الحملات الانتخابية والقادم من آفاق مختلفة منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول المصدر.

منيرة رزقي

وقد بدأ التأثير على الناخبين مبكراً وقبل الإعلان الرسمي عن الحملة الانتخابية، وذلك عبر شركات سبر الآراء التي كانت لاعباً محوريّاً في هذه الانتخابات، إذ ساهمت بشكل لافت في توجيه الرأي عبر نشر نتائج أثارت سجالاً كبيراً، وتم التشكيك في صدقيتها وكانت موجَّهة إلى الناخب لدعم حظوظ مرشحين مخصوصين. 

والآن تبدو المعركة الانتخابية حامية الوطيس بعد أن استُغلّت في الحملات كل الوسائل المتاحة ووُظّف ما يجوز وما لا يجوز من أجل النيل من المنافسين السياسيين.

وكانت الدعاية لصالح المرشَّحين في أغلب الحالات دونما مراعاة للأخلاق والقيم معتمدة على تشويه الخصوم بدل لفت الانتباه إلى تميز البرنامج.

وإذا كانت تونس قطعت منذ الثورة مع مرحلة تزوير الانتخابات بشكل سافر عبر الصناديق، فإن من المهم الإقرار بأن تزييف إرادة الناخبين لا يزال ممكناً اليوم، ولا يخفى على أحد أن بعض الأطراف يسعى إلى ذلك معتمداً أدوات المال والإعلام لتحقيق أهدافه.

فتُدار في غرف مظلمة سيناريوهات تهدف إلى تزييف إرادة الناخب التونسي عبر الاشتغال على وعيه وتعمل جاهدة على توجيهه.

وفي هذا الخضمّ يبدو الاستثناء التونسي مترنحاً اليوم، وهو الذي طالما أثار إعجاب الطامحين إلى الديمقراطية في العالم العربي، وجلب احترام الآخر الغربي، وكان منبع فخر للتونسيين الحالمين بتونس جديدة مغايرة تقطع مع إرث الاستبداد، ويطرح تساؤلاً عن فرص اكتمال الديمقراطية التونسية التي يواجهها كثير من التحديات وتحدق بها مخاطر النكوص والرِّدَّة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي