تحل ذكرى "ثورة 23 يوليو" في مصر، ويتجدد معها الدور الذي لعبته النخب العربية مع العسكر في وأد الديمقراطية وتجذير الحكم التسلطي.

تحل ذكرى 23 يوليو/تموز بلا حماس. وهي ذكرى ما يسمى بثورة الضباط الأحرار في مصر التي قامت ضد الملك فاروق. تحمل الذكرى قدراً من الخيبة التي تغطي كل إنجاز ادعاه الضباط الأحرار أو من لف لفهم. لقد كانت حركة الضباط الأحرار بداية استبداداً عسكرياً مهّد لقدوم السيسي الذي أجهض احتمال الديمقراطية الوحيد في تاريخ مصر، وقطع الأمل في إعادة بناء دولة لكل مواطنيها.

الذكرى تحيلنا أيضاً إلى نماذج من الصراع الأيديولوجي الذي خرب نمو أطروحة سياسية ديمقراطية منغرسة في الهوية العربية الإسلامية التي طالما تغنت بها الطغمة العسكرية، وخانتها في كل حركة وفعل.

فبعد عقود من انقلاب (الثورة) 23 يوليو/تموز لا يزال أنصارها يعيشون من خرافة "حادثة المنصة" بينما يعيش خصومها من أثر المذابح التي تلتها.

لقد تحالف على الديمقراطية العربية العسكر العربي، وأنظمة الخليج المتخلفة، والمعادية في جوهرها ووجودها لكل نفس ديمقراطي.

نور الدين العلوي

ولا أفق لمصالحةٍ ما بين من يزعمان أنهما تيارا الهوية العربية الإسلامية، وبعض علامات ذلك تتمثل بالنهاية التعيسة والبائسة لحمدين صباحي وريث الناصرية؛ فقد ظن خيراً بالعسكر (وهو عاشق العسكر) فانحاز ضد الإخوان حتى قُضي عليه كما قُضي عليهم.

الذكرى تحيلنا بالقوة إلى الحديث عن هذه الديمقراطية العربية التي تأبي أن تخرج من الخطاب إلى المؤسسة لكي تنهي عقوداً من عبث العسكر بالشعب ومستقبله.

الربيع العربي بين الأمل والخيبة.

أكثر من نصف قرن من الانتظار لبدء الديمقراطية المؤجلة باسم بناء الدولة وترسيخ المؤسسات وتحرير فلسطين وتوحيد الأمة العربية لم ينجز من ذلك شيء، بل حصل تخريب منهجي للمواطن فتحول إلى متسوّل على عتبات السلطة السياسية تمن عليه وجوده، وتوشك أن تبيعه الأكسجين لو وجدت إلى ذلك سبيلاً.

فالفساد المالي طبيعة ملازمة للدول العربية والاقتصادات العربية بسبب سياسة العسكري؛ فهي الأضعف نمواً من بين كل الدول التي استقلت في الخمسينيات. أما الاستقواء بالصهاينة فصار منهج حياة لدى كل نظام عربي يريد البقاء.

لما انطلق الشارع العربي المفقر يعلن ربيعه في 2011 انتعش أمل الخروج من القهر والفقر المجتمعين على هذه الشعوب. وكانت الديمقراطية السياسية هي العنوان، وهي الهدف، وهي الوسيلة المبتغاة. لذلك سارعت الشعوب إلى صناديق الاقتراع بنسب مشاركة حقيقية (بعيدة عن 99% الكاذبة) وكبر الأمل سريعاً، ولكنه سرعان ما انكسر بحركة العسكر المصري المدعوم من أعداء الديمقراطية.

لقد تحالف على الديمقراطية العربية العسكر العربي، وأنظمة الخليج المتخلفة، والمعادية في جوهرها ووجودها لكل نفس ديمقراطي.

وزاد الأمر بؤساً ومهانة أن نخباً عربية كثيرة كانت تدّعي طويلاً تغنيها بالديمقراطية وضعت يدها في يد هذه الأنظمة العسكرية، وانتصرت بها على شعوبها، ولا تزال تخوض معاركها ضد الديمقراطية مستنصرة بأعداء الديمقراطية، بل تتبجح بصحبتها معها، وتتمول منها على الرغم من أنها تراها تعقد صفقة القرن لتبيع فلسطين للصهاينة.

العسكر العربي، بدءاً من مصر وانتهاء بالسودان، خان الديمقراطية، وحارب الشعب، وأجّل كل أمل جاء به الربيع العربي لشعوب منكوبة من حكامها ونخبها.

النخب العربية غير ديمقراطية

لا يلام عسكري تربي على الطاعة العمياء على عمله الانقلابي. لكن هذا العسكري العربي يستقوي بنخب تبرر له وتشجعه على محاربة الديمقراطية. وهذه النخب هي الملامة بالدرجة الأولى، والحالة المصرية دوماً هي النموذج المثالي لقراءة دور النخب التي تعلن الإيمان بالديمقراطية، ولكنها تكفر بها في الواقع. فما كان للسيسي أن ينقلب لولا يسار عربي وقومي حالف أو انصاع لخيار العسكر، ودفع في اتجاه الانقلاب.

العسكر العربي بدءاً من مصر وانتهاء بالسودان خان الديمقراطية وحارب الشعب وأجّل كل أمل جاء به الربيع العربي لشعوب منكوبة من حكامها ونخبها.

نور الدين العلوي

الحجة كانت دوماً هي محاربة أحزاب الإسلام السياسي ولو بإلغاء كل احتمال ديمقراطي في حده الأدنى. كان واضحاً منذ زمن أن الصندوق الانتخابي يميل إلى تكتلات الإسلام السياسي سواء في الأحزاب أو في المنظمات، وكان يقصى بلا هوادة جماعات اليسار، والقوميين ورثة الناصرية والبعثية.

وقد تأكد ذلك بعد الربيع العربي. فتجربة الانتخابات جاءت بالإسلاميين إلى الحكم في جزائر التسعينيات، وفي تونس ومصر بعد ثورات الربيع العربي عام 2011.

من أجل إسقاط الإسلاميين قامت النخبة بإسقاط الديمقراطية. وأعانت العسكر في حربه عليها، وانحطت بها السبل والفكر حتى وقفت مع عسكري وخائن ومرتزق اسمه حفتر يخرب طرابلس بمساعدة أشد الأنظمة السياسية بؤساً في العالم.

هل يمكن كسر تحالف النخب مع العسكر، وبناء مصالحة مع الإسلام السياسي العربي، وبدء طريق الديمقراطية الطويل؟

كل مؤشرات ما بعد الربيع العربي تشير إلى أن هذا الاحتمال غير وارد بالمرة، بل إن الحرب بين تيارات اليسار والقوميين أقرب إلى التحقق من أية مصالحة محتملة أو مرغوبة ديمقراطياً.

هل يمكن إفناء جماعات الإسلام السياسي من الوجود لكي تقوم الديمقراطية. على الرغم من أن هذا سؤال جدلي فالإسلام السياسي لم يخن الديمقراطية، ولا ذنب له في ميل الناس إليه في الصناديق الانتخابية، فإن احتمال غيبة الإسلاميين قد جرب ولم ينتج ما ترغب فيه النخب.

ربع قرن بدون إسلاميين في تونس خرب تونس ولم يصلحها، ونصف قرن في مصر بدون إسلاميين انتهى إلى حكم عائلة مبارك وفن شعبولا. ويمكن أن نوسع الأمثلة إلى الجزائر وليبيا وسوريا والعراق.

النخب المعادية للإسلاميين عاجزة عن بناء الديمقراطية وحدها، وهي أعجز من أن تبني الديمقراطية معهم، بل هي أميل إلى مهادنة الأنظمة والعيش من فضلاتها.

وهي أعجز من أن تقدم نقدها الذاتي لعقود الحرب الأهلية التي ساعدت فيها الأنظمة على الإسلاميين، لذلك نرجح أن يستمر الوضع غير الديمقراطي العربي لمدة طويلة حتى تفعل الطبيعة فعلها في النخب وتتلاشي قدرتها على مناصرة العسكر ضد الإسلاميين.

مع الحذر الشديد أن يظن البعض أن الإسلاميين يحملون وصفة جاهزة في حقائبهم لديمقراطية عربية كاملة. فتجربتهم في السودان ضحلة بل مخيبة للأمل؛ لكن يبقى لهم الحق أن يجادلوا بأنهم لم يحظوا بفترات حكم كالتي حظيت بها نخب قومية قادت أقطارها لمدة نصف قرن فخربتها تخريباً.

عندما تحل ذكرى الانقلابات نتذكر حال الديمقراطية ونتساءل إلى متى يبقى العرب خارج الديمقراطية يتغنون بعساكر فشلوا في الحرب، وفشلوا في السلم، ونجحوا فقط في تخريب أوطانهم حتى انتهوا عملاء للصهاينة يحمون كيانهم من ثورة شعوب مقهورة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي