بوسع الرقمنة أن تسهم في تحسين شروط إنتاج الفن وتشكيل الخبرة الجمالية، من خلال الممارسة والتعلم الجماهيري، ومن ثمّ تحديد معايير جديدة توفّق بين المتناقضات، ممَّا يترتب عليه جعل الفن جزءاً من الحياة العامة بدلاً من بقائه رهين الأرشيفات وجلسات المثقفين.

يعكس الفن المعاصر على نحو جليٍّ، مفهوم القرية الكونية الصغيرة، حتى يمكن وسمه بـ"الكرنفالية" العشوائية التي يتجاور ويتمازج ويتنافس فيها كل العناصر باختلاف هُوياتها المفكَّكة، فيض تبادُليٌّ للمضامين (الموسيقية والتصويرية والتمثيلية والأدبية)، في فضاء إلكتروني مفتوح يتسع كل مدىً، لثقافات العالم كافة بتنوعُّها المفاهيمي والتراثي. 

ولأنّ الفن، على مدار تاريخه، كان انعكاساً للتحولات (الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية) التي مرّ بها المجتمع البشري، فتغيرت بالتبعية الدلالات الرمزية والخبرة الجمالية المُدرَكة على المستويين الفردي والجمعي، وكذلك المعيار الشكلاني أو الوظيفي، وإذا طبقنا قاعدة مارشال ماكلوهان "الوسيلة هي الرسالة"، تبقى وسائط الإنتاج والعرض على قدر من الأهمية، قد يفوق المضمون الفني نفسه.

وإذا كان بيير بورديو قد اهتم بالنشوء الاجتماعي للفن وحلّل كيفية تعاطيه جماهيريّاً، وفق النقدية التاريخية، أي بحسب السياق الاجتماعي والمؤسساتي والنخب التي أنتجته وروّجت مفاهيمه، إلى أن وصل إلى نتائج مفادها أنّ الفن -شأنه شأن الحقيقة- ما هو إلا صراع بين قوى نخبوية في سياق لا يخلو من الطابع الميتافيزيقي.

إنّ الفن المعاصر وفاعلية تقييمه عبر الرقمنة تبدو شعبوية وفوضوية ولا تخلو من التمرد ضدّ التقليد الاجتماعي وسلطتي الدين والسياسة.

إيمان النمر

فالثورة الرقمية، اليوم، وعلى الرغم من استمرارية السياق الاجتماعي كإطار، فإنّ الفن المعاصر وفاعلية تقييمه عبر الرقمنة، تبدو شعبوية، وفوضوية، ولا تخلو من التمرد ضدّ التقليد الاجتماعي، وسلطتي الدين والسياسة، فلا هالة ولا قداسة لشيء أو كيان أو فكرة، ولا شيء جميل في حد ذاته، وإنما نحن من نسبغ عليه صفة الجمال، ومن ثمّ فكل شيء قابل لأن يكون جميلاً، لكن للمفارقة، وعلى نحو مناقض، يُعاد إنتاج مفهوم "فن الزمن الجميل".

من خلال منصات الفيديو والموسيقى والتصوير الفوتوغرافي، ومواقع التواصل الاجتماعي، أمكن كلَّ فرد التعبيرُ عن ذاته بالكتابة أو عرض مواهبه ومهاراته في فن التصوير والموسيقى والتمثيل، وكذلك الاندماج في مجموعات، تُعَدّ بمثابة ورش تدريبية مرقمنة، ساهمت على نحو فعَّال في تنمية المهارات الإبداعية الفردية، والحسّ الفني، وتسويق المنتج، دون اشتراط مبدئي لأهمية التخصص أو الاحترافية، إنما الجميع بوسعه أن يساهم ويتفاعل بمجرد امتلاكه حاسوب أو هاتف وشبكة إنترنت، وموضوع فني ورغبة تشاركية، أما عملية الانتقاء والانتخاب الثقافي لتحديد إبداعية المنتج، فتتوقف على تعداد الإعجاب والمتابعين، ومضمون تعليقاتهم المتروكة على محتوى المنشور.

وقياساً على منظور ماكلوهان، وقوله إنّ كل وسيلة تنطوي بذاتها على خصوصية ميكانزمية، تساهم في انتشارها جماهيرياً أكثر من أخرى، فيمكن القول إنّ الوسائل الرقمية ذات ديناميات محفّزة تستحوذ على ارتباط وانتماء الفرد إليها، حيث السرعة، والتنوع، وحركية التنقل، والخصوصية، مع الاحتفاظ بحق الاندماج أو الخروج أو الحذف من مجموعاته المختارة. لذا فالأجيال التي شهدت سيادة الرقمنة، غالباً ما تكون ذات مزاج وتَعاطٍ مختلف مع المضامين المبثوثة، عن الأجيال التي نشأت في ظل الإعلام التقليدي (الراديو والتليفزيون والصحافة المطبوعة)، التي لم تكُن تسمح إلا بمساحات محدودة جدّاً من التفاعل والاختيار والتقييم والعرض.

من خلال منصات الفيديو والموسيقى والتصوير الفوتوغرافي ومواقع التواصل الاجتماعي أمكن كلَّ فرد من الاندماج في ورش تدريبية مرقمنة ساهمت على نحو فعَّال في تنمية المهارات الإبداعية الفردية.

إيمان النمر

وتزامناً مع المد الثوري، وبالنسبة إلى المنطقة العربية، فقد ساهمت الرقمنة وفي حدود مساحة الحرية المتاحة في أن تعبِّر الأجيال الجديدة عن سخطها وسخريتها وإحباطاتها المتوالية، من خلال الفن، وتعددت وتمازجت كل الأشكال الفنية من تصوير فوتوغرافي، ورسم كاريكاتيري، ورسوم سريالية واقعية تعكس الحياة اليومية المعيشة، وبكاميرا الهاتف أصبح بوسع كثير من الشباب تكوين فرق مسرحية تطوف بالشوارع والمناطق المهمشة، كي تعكس مآلات يد الإهمال التي طالتها، وتفتح مسارات جديدة للوعي والالتحام بقضايا العوام، بعيداً عن إكراهات السلطة والإعلام التقليدي الموجَّه.

في نقد والتر بنيامين "للفن الميكانيكي"، أي حين اندرج الفن في آليات الصناعة، وانتقل التمثيل من خشبة المسرح إلى الفيلم السينمائي، رأى أنه على عكس اللوحة الزيتية والتمثيل المسرحي، لا يسمح الفيلم بمساحة للتأمُّل الواعي، إذ إنّ تداعي المشاهد وحركتها الفجائية والصادمة والأضواء الخادعة تمتصّ الطاقة العقلانية وتلعب بالغرائز فقط، وهو منطق الاقتصاد المرئي، لكن، الرقمنة اليوم، فضلاً عن مساهمتها في إعادة تشكيل وإحياء "فنون الأداة الحية"، كمسرح الشارع وأفلام الموبايل، قد عالجت مسألة التفاعل مع المادة الفيلمية من خلال آليات التخزين والإعادة والتقطيع وخلافه، غير أنّ إحدى المنصات الرقمية الشهيرة، أتاحت أخيراً للمشاهد أن يتدخل في تحديد مسار سردية السيناريو وحبكته الختامية، فلم تعُد النهايات مفتوحة للخيال المطلق، ولا مغلقة على معنى شمولي، وإنما أمكن للتخييل الذاتي الجماهيري أن يُفعَّل.

هذا، وقد خضع الأدب لديناميات الرقمنة، وخرج عن حيز التابوه اللغوي والإطار المعياري من حيث الشكل والمضمون والغاية، إذ غالباً ما أصبح النص النثري والنص الشعري متداخلين في قالب واحد، ولَمَّا لم يعُد -بحسب المنظور الفلسفي المعاصر- تاريخ اللغة مبرَّأً من العنف والسلطوية، وبدوافع هوياتية وتحررية، تنامى التعبير الأدبي باللغة العامية المحكية، والمصطلحات الدارجة، المنعوتة بالسوقية، والمعيبة بالنسبة إلى النسق الاجتماعي والديني المحافظ.

كذلك قد أتاحت الوسائط الرقمية، وعلى غرار مبدأ مارسيل دوشامب الشهير "الاستخفاف، ولِمَ لا؟"، أن يُسقِط الشباب المعاصر الهالة الفنية عن بعض اللوحات الكلاسيكية الشهيرة، بتوظيفها في إنتاج الكوميكس الساخرة، وكذلك توجهت سهام الاستهزاء إلى بعض الفنانين التمثيليين والرسامين والأدباء، لانحيازاتهم وعلاقاتهم المعلنة بالسلطة، كما أُعيدَ الاحتفاء بفنانين آخرين، كَرَدّ اعتبار شعبيّ لفنهم المهمَّش قسراً، لاعتبارات دينية وسياسية.

لقد خضع الأدب لديناميات الرقمنة، وخرج عن حيز التابوه اللغوي والإطار المعياري من حيث الشكل والمضمون والغاية.

إيمان النمر

يعني ذلك أن الوسائط الرقمية لم تعُد قاصرة على إنتاج الفن وصياغة مفهومه وطبيعته، ومجرَّد مكان عرض يسمح بتدفُّق الإبداع الفردي وتكوين رأس المال الثقافي وحسب، بل أصبحت وسيلة نقد وردع شعبي للفنان وتقييم عمله، وكذلك نمط سلوكه وفكره، إذ بامتلاك الفنان لصفحة خاصة على منصات العرض والتواصل، أمكن للجمهور أن يتفاعل مباشرة مع فنانه المفضل وجودة إنتاجه، أو توبيخه، والمساهمة في تعديل شروط إنتاجه، هذا التعديل والتنميط والتدخل، لم يعُد محلّ نقد أو موضع استهجان باسم الحفاظ على خصوصية الفنان والمعايير الفنية الخبيرة التي يحتكر البتَّ فيها النقاد المتخصصون، هذا لأنّ تلك المنصات المرقمنة باتت أهم وسائل الدعاية وتدوير رأس المال، لذا يُحبَّذ تحفيز مشاركة روادها لا تحجيمهم.

هذه العلاقة المرقمنة، بين الجمهور والفن، على قدر إسقاطها السمة النخبوية المتعالية، وعلى قدر أهميتها في تحفيز الإدراك الجمالي الجمعي، وخلخلة المعرفة التقليدية، سواء بوفرة العرض الفني أو إتاحة المواد الثقافية عبر مئات من منصات ومدوَّنات وتطبيقات مجانية تقدِّم محتوى ثريّاً وغزيراً، يهتمّ بشرح نظريات فلسفة الجمال، والتعريف بالأعمال الفنية التأسيسية من لوحات زيتية وموسيقى وأدب روائي وشعري، فإنها من جهة أخرى تُحفِّز غريزة الاستهلاك اللا محدود، وتنساق إلى الكم الشعبوي، حيث انتشرت ظاهرة "Best Seller"، وأصبح التشبع الفج بالإثارة واللذة البصرية هو مقياس نجاح الفن التصويري، وهو ما حذّر منه عديد من الفلاسفة والاجتماعيين، خشية أن يتحول الفن تحت وطأة الآلة، إلى محض سلعة، فيندثر مفهوم الجمال الخالص لصالح فن اللا معنى، شأن الدادائية العدمية والسريالية التي ظهرت في عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم، مما ساهم في رغبة التدمير الذاتي.

في كتاب "رسام الحياة الحديثة" للشاعر شارل بودلير، يرى الحياة بطبيعتها، زمناً متحولاً وعابراً، وعبقرية الفن هي استخلاص السرمدي الثابت من هذا العابر، تناقضه فلسفة ما بعد الحداثة، وترى ضرورة خلوّ الفن من اليقين والمرجعية، والغائية، بحيث يصير قابلاً للإضافة والتأويلات اللا منتهية.

وإذا ما نحّينا مآخذ الرقمنة المذكور بعض منها، وآمنَّا بقدرة البشر على تجاوز تخوفات التحولات الاجتماعية الناشئة من تغيُّر وسائط الإنتاج ودينامياتها الانعكاسية، فبوسع الرقمنة أن تسهم في تحسين شروط إنتاج الفن وتشكيل الخبرة الجمالية، من خلال الممارسة والتعلم الجماهيري، ومن ثمّ تحديد معايير جديدة توفّق بين المتناقضات، ممَّا يترتب عليه جعل الفن جزءاً من الحياة العامة، بدلاً من بقائه رهين الأرشيفات التاريخية وجلسات المثقفين، وقاعات الدرس الأكاديمي الضيقة.

المصدر: TRT عربي