في غمرة انشغال العالم بجائحة كورونا، تتسابق الرياض وأبو ظبي في السيطرة على محافظات يمنية، حيث أحكمت المملكة الأسبوع الماضي السيطرة على ميناء نشطون في محافظة المهرة، وبعدها استولى المجلس الانتقالي على مؤسسات الدولة بسقطرى وحديبو عاصمة الأرخبيل.

في غضون الأسبوع المنصرم عرف الوضع في اليمن تطوراً دراماتيكياً، بعد أن أحكمت المملكة العربية السعودية السيطرة على ميناء نشطون في محافظة المهرة، وبعدها استولى المجلس الانتقالي على مؤسسات الدولة بسقطرى، وأحكم السيطرة على حديبو عاصمة الأرخبيل.

هو تطور خطير للغاية، ولا ينبغي أن يمر مرور الكرام في غمرة انشغال العالم بجائحة كورونا، والوضع في ليبيا، ونُذر الحرب الباردة والانتخابات الأمريكية المقبلة.

سبق للقوات السعودية أن احتلت عدة نقاط برية بمحافظة المهرة باليمن، بإقامة ثكنات، ووحدات عسكرية متحركة، مع بداية ترسيم أماكن لأشغال مد أنبوب بترولي، وإحكام السيطرة على ميناء نشطون.

بعدها مباشرة استولى ما يسمى بالمجلس الانتقالي، المدعوم من قِبل الإمارات العربية المتحدة، على مؤسسات الدولة التابعة للحكومة الشرعية، بحجة التصدي لما يسميه المجلس الانتقالي بسيطرة الإخوان على مفاصل إدارة الجزر، وهي حجة لا تستند إلى أساس، وتسعى لتبرير الأمر الواقع. تكمن الخطورة في المرامي الانفصالية للمجلس فيما يعبر عنه بالإدارة الذاتية، ممَّا يشي بمرامٍ انفصالية.

أما فيما يخص محافظة المهرة فتسيطر السعودية عملياً على نقاط برية بداخلها، وتراقب ميناء نشطون بالكامل، وهو المنفذ الوحيد لليمن بعد إحكام المراقبة على مواني الحديدة بالبحر الأحمر، وعلى ميناء عدن.

أضحى ميناء نشطون عملياً تحت الإدارة الفعلية للقوات السعودية التي تتحكم فيه وفي إدارته، وهو ما يخنق اقتصاد اليمن، ويعطل نشاط فئات عديدة من الساكنة ممَّن يعيشون من الصيد البحري.

حجة السعودية هي مراقبة تهريب السلاح نحو الحوثيين، وهي حجة واهية لأن السلاح، باعتراف الأصوات القريبة من السعودية، يأتي من القرن الإفريقي، وفي جميع الحالات لا شيء يبرر الحلول محل السلطات المحلية للمحافظة. العلة الحربية ليست إلا ذريعة، وللسعودية مرامٍ وأطماع استراتيجية من أجل النفاذ إلى بحر العرب.

نذكّر بخصوصية الإقليم التي تذهب حتى المغرب، ذلك أن له خصوصية ثقافية تتمثل في اللغة المستعملة وهي تمتد في ربوع محافظة المهرة، وظُفار بسلطنة عمان حتى جزر سقطرى.

وبحسب الجغرافي البريطاني فيلرد تسغير صاحب كتاب "الصحراء العربية" الذي زار الإقليم في بداية القرن الماضي، فإن اللغة المستعملة في المهرة قريبة من الأمازيغية، وهي امتداد للغة اليمنية القديمة، وأصولها من القرن الإفريقي.

 وقد أتيح لي أن أقف على تقارب بعض كلمات اللغة الشحرية المستعملة في المهرة وظفار مع الأمازيغية، مع تماثل واضح في النقوش الصخرية بالمهرة وظفار مع النقوش الصخرية الأمازيغية في تاسيلي بالهغار، أو تشابه حروف اللغة الشحرية مع حروف تيفيناغ الأمازيغية.

هذه الخلفية الثقافية هي من دون شك ما جعل التعايش ممكناً، والوشائج قوية ما بين القيسيين أي "عرب اليمن" والأمازيغ في الأندلس.

 ولعل هذا العمق الثقافي الضارب في التاريخ ما يفسر التعاطف الكبير ما بين اليمنيين والمغاربة، في معناه العام، أي بلاد المغرب عموماً، وهو ما يتم التعبير عنه بشجرات أنساب تمتد إلى اليمن.

الراوبط التاريخية ما بين اليمن والشعوب المغاربية تحتم على بلدانها إيلاء الأهمية لما يجري باليمن، والاصطفاف إلى جانب الشعب اليمني في حقه في احترام وحدته الترابية وضمانها، بعيداً عن أي تدخلات من أي طرف كان. سياسة الأمر الواقع، والاحتلال المبطن أو الفعلي، هو ما قد يعطي أطرافاً أخرى حق التدخل، ويؤجج من ثمة الصراع.

وبحسب تقارير موضوعية منها دراسة لمعهد كارنيجي الأمريكي، فإن أطماع السعودية في الحصول على مرفأ ببحر العرب قديمة، تعود إلى أيام الرئيس اليمني السابق علي عبد الله الصالح، من أجل مد أنبوب بترولي يمكّن من تصدير البترول عبر بحر العرب، دون المرور بالخليج، ومَعبر مضيق هرمز، ومحاذير الاصطدام بإيران.

تعطلَّ المشروع لأن ما كانت تعرضه السعودية على الطرف اليمني حينها كان انتهاكاً صريحاً لسيادة اليمن، أي طريق سعودي خالص للسعودية، مع قناطر تعلو الطريق مخصصة لليمنيين، ومع نقاط حراسة تسهر عليها القوات السعودية في قلب التراب اليمني.

 وإلى جانب ذلك كانت السعودية ترعى مشروع قناة مائية، في مشروع أضخم من قناة السويس، تمتد من بحر العرب مروراً باليمن إلى السعودية، حتى الربع الخالي، مع مشاريع اقتصادية ضخمة، منها مشاتل للسمك، ومنتجعات سياحية، ومدن على شط القناة.

لا جدال في الأهمية الاستراتيجية للمشروع بالنسبة للسعودية، والانعكاسات الإيجابية على اليمن، ولكن في ظل احترام مقتضيات السيادة ومصالح اليمن وحرمته.

الوضع الحالي لليمن، وفي غياب حكومة لها نفوذ وتحظى بالإجماع، لا يتيح إسماع صوت اليمن والدفاع عن حقوقه ومصالحه الاستراتيجية، وهو ما تنتهزه السعودية لفرض الأمر الواقع، من خلال وجود وحدات عسكرية بالإقليم، مع تحريك أدواتها لاستقطاب ولاء القبائل، ولكنها إلى الآن لم تفلح.

القبائل هي من تعبر عن اعتراضها على الأمر الواقع واستنكارها لما يقع على الأرض، باستثناء شخصيات محدودة تم إغراؤها بالمال. لكن ما تستطيع أن تقول به القبائل محدود يقتصر على الاستنكار اللفظي، وإقامة التجمعات، وهي لم تفلح إلى حد الآن في ثني القوات العسكرية السعودية من الوجود والتحرك.

بذات الوقت بدت أطماع الإمارات بجزيرة سقطرى قبل بداية الحرب على اليمن، بالنظر إلى موقع أرخبيل جزر سقطرى الاستراتيجي، وطبيعتها الجغرافية ومؤهلاتها السياحية، وخصوصيتها البيئية. وقد انسحبت القوات الإماراتية من محافظة المهرة ممَّا يشي بأن هناك تنسيقاً بين قوتي التحالف لتوزيع الأدوار وتقسيم الكعكة.

إن ما يجري عملياً هو محاولة لتقسيم اليمن لوضع اليد عليه، وضرب بالسيادة اليمنية عرض الحائط. تزامنُ الاحتلال الفعلي لمحافظة المهرة مع استيلاء قوات المجلس الانتقالي على سقطرى ليس من قبيل الصدفة، فقوات "التحالف" الموجودة بسقطرى لم تتدخل لصد المجلس الانتقالي عن فرض الأمر الواقع ممَّا يفضح تواطؤها. ما يجري في المهرة كما في سقطرى هو عملياً التحضير لتقسيم "الكعكة اليمنية".

ليس للحكومة "الشرعية" أي شرعية منذ الآن، ولذلك يتحتم عاجلاً طرح الموضوع على أنظار مجلس الأمن، لأن من شأن استمرار الوضع على ما هو عليه تهديد الأمن في منطقة حساسة، ودعوة أطراف أخرى للتدخل ممَّا يفضي إلى التصعيد.

الوضع لا يقبل التأجيل، وأي تجاهل هو ضرب في مصداقية الأمم المتحدة، ويذكر بسابقة احتلال إيطاليا للحبشة، ومانشوريا في الصين من قِبل اليابان، وضم إقليم السوديت في جمهورية التشيك من قِبل القوات النازية، مع تقاعس عصبة الأمم حينها، ممَّا أضفى الشرعية على منطق القوة، وهيأ للحرب العالمية الثانية. لا ينبغي للخطأ أن يتكرر لأن مضاعفاته سوف تكون وخيمة على المنطقة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي