فعلتها إسرائيل أخيراً، واستأنفت سياسة الاغتيالات التي استخدمتها آخر مرة في العدوان الأخير على غزة خلال حرب 2014، مما يعني أنها أرادت القيام بقفزة نوعية في مواجهتها مع الفلسطينيين، من خلال اغتيال القائد العسكري في حركة الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا.

هذا يفتح الباب واسعاً لجولة تصعيد جديدة، ربما تختلف عن سابقاتها التي شهدها قطاع غزة منذ انتهاء تلك الحرب.

السؤال المطروح هو لماذا أقدمت إسرائيل على الشروع في هذا العدوان بهذا المستوى العالي من الدموية، وكيف يمكن قراءة رد فعل المقاومة، وإلى أي حد ستلقي بظلالها على المشهد الإسرائيلي الداخلي، لاسيما والحراك الانتخابي وتشكيل الحكومة في ذروته؟

لعل الفرق الأول في هذه المواجهة أنها بدأت في الاغتيال المباشر في قلب غزة، وفي ساعات الفجر الأولى، والأخطر أن إسرائيل أعلنت مسئوليتها عنه.

لقد بدا واضحا أن المنظومة الأمنية والعسكرية والسياسية أظهرت في الأيام الأخيرة حالة من التضخيم والمبالغة في الدور الذي يقوم به أبو العطا، حول دوره في المبادرة إلى إطلاق عشرات القذائف الصاروخية باتجاه المستوطنات الإسرائيلية، وقد ترافق ذلك مع تحذيرات بإمكانيه اغتياله.

وصلت التقارير الإسرائيلية اليومية عن أبو العطا وصفته بأنه "محمد ضيف 2"، في إشارة للقائد العسكري العام لكتائب عز الدين القسام، الجناح المسلح لحماس، وأخرى اعتبرته "أخطر الشخصيات على إسرائيل، بجانب حسن نصر الله أمين عام حزب الله اللبناني، وقاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

وتداولت الأوساط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية أنباء مفادها أن أبو العطا شارك في التخطيط لهجمات ضد إسرائيل، وأشرف على صنع الأسلحة، وتحسين قدرات إطلاق الصواريخ بعيدة المدى، وينظر له في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية كعنصر تصعيد، لأنه صاحب القرار في إطلاق الصواريخ على المستوطنات الجنوبية، وأن الإدارة الأمريكية أصدرت مجموعة من العقوبات بحقه.

صحيح أن المخابرات الإسرائيلية أرسلت جملة تهديدات ضد أبو العطا، وأن الفصائل الفلسطينية تعلم أنه على قائمة الاستهداف والاغتيال، لكن معرفة هذا الأمر شيء، والإقدام الإسرائيلي على تنفيذ الاغتيال شيء آخر، ذلك أنه كما يسميه الفلسطينيون "كسر لقواعد الاشتباك" مع الاحتلال التي تم التوافق عليها منذ انتهاء الحرب الأخيرة في 2014، ومع انطلاق مسيرات العودة على حدود غزة في مارس 2018.

لا شك أن الاغتيال الإسرائيلي في وضح النهار لأبو العطا، يعيد إلى الأذهان السلوك الإسرائيلي القديم الجديد الذي انتهجته في تصفية قادة المقاومة الفلسطينية، وشهد ذروته في انتفاضة الأقصى، باغتيال الصف الأول من القيادات السياسية والعسكرية، دون استثناء.

الفرق الثاني في هذه الجولة أنها تتم في وقت تشتعل فيه المنطقة بتهديدات أمنية وتحديات عسكرية متلاحقة، وإسرائيل تعلم ذلك جيدا، فهي تتحدث صباح مساء عن تشكل محور إقليمي تقوده إيران، ويتكون من سوريا ولبنان ومجموعاتها العسكرية المنتشرة في العراق واليمن، إضافة للمقاومة الفلسطينية، وقد توافقت هذه الأطراف مجتمعة على ما عرف بـ"توحيد الجبهات".

هذه الاستراتيجية التي باتت معلنة تفيد بأنه في حال تعرض أي من هذه الجهات لعدوان إسرائيلي، فإن باقي الحلفاء سينهضون للدفاع عنه، وصد هذا العدوان، ولعل اغتيال أبو العطا في هذا التوقيت بالذات يأتي اختباراً إسرائيلياً لمدى نضج هذا التحالف، وحقيقة هذه الاستراتيجية، التي دار حولها نقاش وجدل فلسطيني واسع، حتى داخل أطر المقاومة الفلسطينية، بين مؤيد ومعارض.

أكثر من ذلك، فإن هذا الاغتيال يترافق مع تسخين إسرائيلي لا تخطئه العين بإمكانية اندلاع مواجهة عسكرية شاملة في الجبهة الشمالية مع حزب الله اللبناني، وهنا الخطورة التي يحملها قرار الاغتيال، فهل أن إسرائيل مطمئنة إلى أنه سيمر، وكأنه لم يكن، ويبقى التفرغ الإسرائيلي الحقيقي للجبهة الشمالية، على أنها الأكثر كلفة والأخطر حجما وثقلا، وهذا السؤال مرهونة إجابته بالتطورات التي تشهدها غزة في الساعات القادمة.

الفرق الثالث يتعلق بالمشهد الإسرائيلي الداخلي، فالكل يعلم أن الإسرائيليين منشغلون حتى أعناقهم في مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، بعد أن أعلن بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الحالي عن فشله في أن يحصل على 61 مقعدا يعلن بهم حكومته، وتبقى على خصمه بيني غانتس 6 أيام فقط على المهلة الزمنية الممنوحة له لإعلان نجاحه أو فشله في ذات المهمة.

جاء الاغتيال الإسرائيلي لأبو العطا في الدقيقة تسعين، فالرد الفلسطيني على هذا العدوان، والرد الإسرائيلي على الرد الفلسطيني قد يستغرق هذه الأيام الستة، مما يعني انقضاء هذه المهلة، وإعلان غانتس عن إخفاقه في تشكيل الحكومة، مع العلم أن غانتس أعلن فور تنفيذ هذا الاغتيال عن تجميد مشاوراته الحزبية والائتلافية، ومباركته للاغتيال، وفي هذه اللحظات يكون نتنياهو قد حقق أول أهدافه.

في هذه الحالة، وإن قدر للتصعيد الإسرائيلي في غزة أن يستمر أياما أخرى، سيكون من صلاحية رئيس الدولة الإعلان عن انتخابات ثالثة في فبراير القادم، أو إجبار نتنياهو وغانتس على تقديم تنازلات قاسية لبعضهما للنجاة من هذا السيناريو المرفوض من كل الإسرائيليين.

هنا يحق لكاتب السطور أن يتحدث بملء الفم أن هذا الاغتيال أمني عسكري ولكن بطعم ومذاق انتخابي إسرائيلي، على اعتبار ما كشفه وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان قبل ساعات عن طلبه من نتنياهو العام الماضي اغتيال أبو العطا، لكنه رفض وتمنع، متسائلا: ماذا جد من ظروف حتى يوافق نتنياهو ذاته على اغتيال أبو العطا؟ وكأنه يغمز بقناة المصالح الحزبية والشخصية للأخير للبقاء رئيسا للحكومة.

هذا الاتهام لم يقتصر على ليبرمان ذاته، بل إن أوساطا عديدة في المنظومة الحزبية الإسرائيلية وصلت لقناعات في هذا الاتجاه، لأنه كان واضحا منذ البداية ان نتنياهو الذي ينتظر تقديم لائحة اتهام ضده بالفساد، ويقضي ما تبقى من عمره في السجن، مستعد لأن يهدم المعبد فوق رؤوس الجميع، كي ينجو من ذلك، فجاء اغتيال أبو العطا، والتصعيد في غزة، هدية من السماء له على طبق من ذهب.

الفرق الرابع في هذا التصعيد عن سابقه يتمثل في الرد الفلسطيني عليه، فقد تبع إعلان الاغتيال إطلاق رشقات وصليات صاروخية فلسطينية زادت عن مائتي قذيفة خلال 24 ساعة فقط، شملت معظم المدن الإسرائيلية في الجنوب والوسط ومشارف القدس وتل أبيب، وأصابت حياة الإسرائيليين بالشلل الكامل، وعطلت الدراسة فيها للمرة الأولى منذ حرب الخليج 1991.

البيت الذي استهدفته إسرائيل في عملية اغتيال القيادي العسكري في حركة الجهاد بهاء أبو العطا
البيت الذي استهدفته إسرائيل في عملية اغتيال القيادي العسكري في حركة الجهاد بهاء أبو العطا (AA)

لكن السؤال يبقى: إلى أي حد تضع المقاومة الفلسطينية لنفسها سقفا في الرد على هذا الاغتيال، بمعنى هل نصل إلى مواجهة شاملة شبيهة بالحروب الثلاثة السابقة، ونشرع في حرب رابعة جديدة، أم يقتصر الأمر على القذائف الصاروخية، ثم يتدخل الوسطاء الإقليميون والدوليون لوقف إطلاق النار؟

الحقيقة أن هناك توافقا هذه المرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، على غير العادة، بعدم الذهاب إلى حرب مفتوحة، ولكل أسبابه وظروفه الخاصة، ولكن يبقى الأمر مرهونا بالسلوك العدواني الإسرائيلي الذي زادت شراسته في الساعات الأخيرة من خلال استهداف مركز للمقاتلين الفلسطينيين، وقتلهم بصورة متعمدة في وسط وأنحاء قطاع غزة.

لقد بدأ العدوان الإسرائيلي في استهداف مطلقي القذائف الصاروخية، مرورا بضرب المقار العسكرية للفصائل الفلسطينية المنتشرة على طول القطاع، وصولا إلى قصف المنازل للمرة الأولى منذ 2014، مما قد يجبر المقاومة الفلسطينية على رفع وتيرة ردها على هذا العدوان، وفي هذه الحالة لا أحد يضمن مآلات هذا التصعيد، وإلى أين قد يصل، فالحروب بالعادة تندلع رغم أنف الجميع، وبعكس توجهاتهم ومصالحهم.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي