تشير تطورات الأحداث الأخيرة في العراق إلى بلوغ مستوى الأزمات في البلاد مرحلة الانفجار الفوضوي غير المسيطر عليه. إن هذا الانفجار قد يهدد استقرار الدولة العراقية ككيان مستقل موحد، كما قد يؤثر بشدة على شكل العملية السياسية بعد العام 2003.

اتسمت بنية العملية السياسية العراقية التي أسستها أمريكا بعد العام 2003، بأنها عملية تعتمد على مبدأ التقاسم الطائفي والعرقي، لذلك برزت مجموعة هائلة من الأزمات ومظاهر الخلل التي عصفت بالحياة السياسية العراقية بعد عام 2003، بدءاً بالدستور وطبيعة النظام السياسي الذي أفرز مسار المحاصصة، والتنافس على استحواذ السلطة وإقصاء الآخر، وغياب المعارضة الحزبية الحقيقية.

ولم تستطع مختلف القوى السياسية الاتفاق على إطار مفاهيمي يضمن عملية استقرار النظام السياسي في البلد. ولذلك تعاقبت حكومات طائفية أنتجت دولة هشة ضعيفة غير مستقرة تعاني أزمات معقدة متكررة.

المشهد السياسي العراقي كعادته مليء بالأزمات، ويبدو أن النخبة السياسية تعيش على هذه الأزمات؛ حيث كانت سياسة الإدارة بالأزمات هي السائدة في البلاد خلال السنوات الماضية، وكانت الحلول في أكثر الاحيان تأتي من خلق أزمة جديدة وأكبر لتحل محل الأزمة القائمة، حتى تُنسى الأزمة الأولى لتتجه الأنظار نحو الأزمة الجديدة.

هناك توجس وترقب لما قد تحمله تداعيات هذه المظاهرات. كما أن التحديات القادمة من جراء ما قد يحدث في المنطقة برمتها وخصوصا ما يتعلق بتطورات الصراع الأمريكي – الإيراني. إضافة إلى مواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة والتدهور الاقتصادي.

إن بداية مؤشرات الفوضى السياسية تمثلت في نتائج الانتخابات في مايو/أيار 2018 التي شكلت طفرة تغيير في موازين القوى السياسية العراقية، حيث أبرزت النتائج صعود كتلة سائرون بقيادة مقتدى الصدر الذي يمثل تياراً شعبياً واسعاً، وكتلة الفتح بقيادة هادي العامري القيادي في مليشيات الحشد الشعبي القريبة من إيران. وقد مثّل صعود هذين التيارين الشيعيين تحدياً جديداً في مسار الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي في العراق.

جاءت أحداث البصرة في تموز 2018، والتظاهرات الاحتجاجية بسبب سوء الخدمات وغضب الجماهير كتهديد لوجود وشرعية الأحزاب، واتفق التحالفان الرئيسيان (سائرون، والفتح) على ما يسمى بـ(مرشح توافقي) هو "عادل عبد المهدي" لاحتواء الأزمة.

لقد خسرت الأطراف التي راهنت في البداية على كون "عادل عبد المهدي" مرشحاً مستقلاً يمتلك خبرة سياسية يمكن أن تقود العراق للخروج من أزمته الحالية، وأنه يستطيع إدارة الخلافات بين القوى السياسية، وخيب معظم التوقعات الإيجابية بُعيد تكليفه.

إذ بدت الأطراف السياسية القوية ذات تأثير واضح على قرارات "عبد المهدي"، من خلال شكل حكومته التي استنسخت تجربة المحاصصة الطائفية والحزبية في توزيع المناصب. كذلك فشله في كسب ثقة أي من القوى السياسية التي لا تزال متصارعة على المناصب السيادية، في جو من عدم الاستقرار الأمني والتهديدات الإرهابية المتزايدة على الأراضي العراقية.

اعتمد "عادل عبد المهدي" في إدارته البلاد على استراتيجية تحويل الأزمات، أو تصديرها إلى أطراف الصراع ذات العلاقة، مبعداً نفسه عن دائرة المسؤولية المباشرة. أما على الصعيد الإقليمي يبدو أنه يتبع استراتيجية الحيادية الهشة، إذ إن الولايات المتحدة تتوقع من بغداد أن تقف ضد إيران، بينما إيران تتوقع من بغداد أن تقف ضد الولايات المتحدة. وكلا الطرفين غير راضٍ عن أداء عادل عبد المهدي. لذلك كلما زادت حدة الخصومة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، أصبحت الحكومة العراقية أضعف.

إن الفوضى الأمنية الحالية التي يمر بها المشهد العراقي هي نتاج تراكم أزمات النظام السياسي المفروض على العراق بعد عام 2003. الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت من بغداد في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2019، تُظهر وصول الغضب الشعبي الى حالة ما يشبه البركان المتفجر الذي يكتسح منظومات الفساد المالي والإداري وهيمنة الأحزاب على موارد البلد.

إن مواجهة حكومة "عادل عبد المهدي" المتظاهرين بالقوة والقمع سوف يصعد من الاحتجاجات ويمكن أن يقود إلى عصيان مدني وثورة كبيرة ضد النظام السياسي. 

لكن التهديد في هذه المرحلة هو عشوائية التظاهرات، ما يولّد حالة من التكهنات في فهم تفاعلاتها ومساراتها ونتائجها، وخطورة تحول مسار التظاهرات وتحريف مطالبها وخطف نتائجها، وبالتالي الانتقال إلى مستوى أعلى في حالة الفوضى.

ويبقى السؤال المُهم الذي يطرح نفسه، هو في توقيت أزمة المشهد السياسي العراقي، التي ترجمتها الصعوبات التي تواجه الحكومة مع تصاعد حدة الصراع الأمريكي ـ الإيراني وتأثيره المباشر على مستقبل العملية السياسية في العراق.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي