لإنجازات الرياضة أيضاً نصيبٌ في توليد قوةٍ ناعمةٍ مُشعةٍّ لهذا البلد أو ذاك إذا ما أُحسن الاستثمار في هذه الإنجازات.

تتوجّه أنظار عُشّاق كرة القدم عبر العالم إلى الحدث الإفريقي الأكبر الذّي تحتضنه مصر هذه الأيّام، إذ تتنافس منتخبات القارة السمراء على اللقب القاري بقوّة، أمّا مُفاجأة هذا الحدث فتصنعها الأقدام الذهبية لمحاربي الصحراء الجزائريين، التي لا تزال تصنع الفرجة والفرحة في الجزائر والعالم العربي كافة يوماً بعد يوم، وها هي ذي الآن تصل إلى النهائي عن جدارةٍ واستحقاقٍ في وقت تصنع فيه الجزائر استثناءً سياسياً موازياً منذ فبراير الماضي بحراكها السلمي الذّي يُعَدُّ منعطفاً تاريخياً حاسماً لهذا البلد وجواره الإقليمي، إنّها اللحظة الجزائرية بامتياز.

بعد مقالنا السابق هنا عن لحظتنا السياسية التي تصنعها القوة الناعمة لحراكنا الحضاري، نطرحُ هنا سؤالاً مُكمّلاً لمضمون ذلك المقال: كيف يُمكِن للجزائر أن تستثمر في لحظتها التاريخية الرياضية أيضاً فتُولّد منها قوةً ناعمةً تُشعّ بها في الآفاق؟

في حديثه عن مصادر القوّة الناعمة يُوضّح جوزيف ناي أنّ الأخيرة "لا تعود ملكيتُها للحكومة بنفس الطريقة التي تحتكر بها القوة الصلبة. فكثيرٌ من موارد القوّة الناعمة منفصلةٌ عن الحكومة، فالكثير من القوة الناعمة الأمريكية مثلاً أنتجتها هوليوود وهارفارد وبرمجيات المايكروسوفت ومايكل جوردون".

لذلك فلإنجازات الرياضة أيضاً نصيبٌ في توليد قوةٍ ناعمةٍ مُشعةٍّ لهذا البلد أو ذاك إذا ما أُحسن الاستثمار في هذه الإنجازات. قياساً على ذلك، بإمكاننا أن نقول بأنّ كثيراً من القوة الناعمة الكامنة للجزائر مختزنةٌ أيضاً في أيقوناتها الكروية، في محاربي الصحراء.

بإمكاننا أن نقول بأنّ كثيراً من القوة الناعمة الكامنة للجزائر مختزنةٌ أيضاً في أيقوناتها الكروية في محاربي الصحراء.

جلال خشيب

لا ينبغي النظر إلى كرة القدم باعتبارها مُجرّد لعبةٍ شعبيةٍ خصوصاً في العالم العربي، وهو المكان الذي تختلط فيه الرياضة والسياسة بشدّة. فتُعبّر الأولى عن هموم الثانية وتحاول الثانية استخدام الأولى لصالح رجل السياسة أو الوطن.

كما أنّ لكرة القدم جاذبيةً عالميةً مكَّنتها "من غزو العالم دون حروبٍ ولا حملاتٍ عسكرية" على حدّ تعبير البروفيسور باسكال بونيفاس في كتاباته عن جيوبوليتيك كرة القدم. لقد صارت الأخيرة بمثابة الإمبراطورية الوحيدة التي لا تغيب عنها الشمس.

الآن، يتوحّد الجزائريون جميعاً في ملاعب القاهرة وشوارع الجزائر والمهجر تحت علمٍ واحدٍ بعدما أرادت المصالح الضيقة للسياسة أن تفرّقهم بأعلامٍ تُعبّر عن هُويّاتٍ فئويةٍ ضيّقةٍ، يضرب المشجّعون الجزائريون عموماً والفريق الوطني على وجهٍ أخصّ للعالم العربي الآن نموذجاً جذّاباً عن التمسُّك بالوحدة، وتظافر الجهود، وتناغم الغايات بين العربي والأمازيغي، الأبيض والأسود، بل حتّى بين المسلم والمسيحي حينما يتعلّق الأمر برفع علم البلاد عالياً بين الأمم. كما يُثيرون فضول العالم أجمع عن الثراء الثقافي الذّي يزخر به هذا البلد غير المُكتشَف بعد. هنا تكمن قوتّنا الناعمة حقّاً.

لقد صنعت كرة القدم الاستثناء الأكبر في عصر العولمة، فهي الوحيدة التي لا تزال قادرةً على صهر الهُويّات الوطنية الصغيرة في بُوتقةٍ واحدةٍ اسمها الدولة، خلافاً لمظاهر العولمة الأخرى التي تدفع دفعاً نحو الانسلاخ عن الدولة، بل وتغتال الهُويّات، هذا ما جعل الكوريين الشماليين مثلاً "يحتفلون بالنصر الذّي حقّقه منتخب كوريا الجنوبية في كأس العالم"، على حدّ تعبير بونيفاس، وهذا ما جعل الجزائريين أيضاً يضعون كلّ خلافاتهم السياسية القائمة جانباً ليهتفوا لصالح منخبٍ وطنيٍّ واحد.

تمّ استخدام شعبية كرة القدم في الجزائر سابقاً لأجل أغراضٍ سياسيةٍ ضيّقة تستهدف تخدير الجماهير وصرفها عن شؤون الحكم والدولة والمُساءَلة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للشعب.

جلال خشيب

للأسف، فقد تمّ استخدام شعبية كرة القدم في الجزائر سابقاً لأجل أغراضٍ سياسيةٍ ضيّقة تستهدف تخدير الجماهير وصرفها عن شؤون الحكم والدولة والمُساءَلة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للشعب، ولم يُطوّر النظام السياسي السابق أيّ رؤيةٍ شاملةٍ يُحسن عبرها الاستثمار في الإنجازات الرياضية لأبنائه -فضلاً عن إنجازاتهم الأخرى- لأجل المصلحة العليا للبلاد، فلهذه الرياضة في الجزائر خصوصاً قوةُ جذبٍ وتأثيرٍ ناعمةٌ ضخمةٌ، لكنّها مُعطَّلةُ الاستخدام.

لقد عرفت الجزائر في تاريخها أيقوناتٍ كرويةً عالميةَ المستوى على غرار لخضر بلومي، ورابح ماجير، وجمال بلماضي، ورياض محرز، وغيرهم كثير، بل وحتّى زين الدين زيدان الجزائري الأصل، رغم لعبه لفرنسا فقد ساهم إلى حدٍّ كبيرٍ في توليد قوّةٍ ناعمةٍ للبلد في الخارج وتعريف شعوب العالم بالجزائر.

كما تمكّنت كرة القدم الجزائرية من تحصيل شعبيةٍ عربيةٍ وإفريقيةٍ كبيرةً، سيما خلال العقد الأخير منذ تأهُّل الجزائر لكأس العالم سنة 2009 بعد غيابٍ طويلٍ، وصار لاعبوها من أكثر النجوم الرياضية شعبيةً، وقد ساهم هؤلاء في إعادة بعث سُمعة الجزائر الحسنة في العالم العربي، خصوصاً بعدما تضرّرت بسبب الإرهاب ومشكلات السياسة.

لا نكاد ننسى ما حدث سنة 2016 حينما شاهدت جماهير الكرة العربية مباراةً جرت بين الجزائر وفلسطين بأحد أكبر ملاعب الجزائر، حينها انبهرت الجماهير بهتافات أكثر من 100 ألف مناصر جزائري بالملعب تتعالى حينما سجّل الفريق الوطني الفلسطيني هدفاً ضدّ مرمى الفريق الجزائري في سابقةٍ لا يعرف تاريخ كرة القدم أمثلةً عليها إلاّ حينما يتعلّق الأمر بالجزائر وفلسطين.

الجماهير الجزائرية التي تهتف وتفرح لهدفٍ فلسطينيٍّ ضدّ مرماها من شأنها أن تولّد قوّةً ناعمةً للبلد أكثر ممّا تولّده خطابات جميع الأحزاب الإسلامية والوطنية الحماسية مجتمعةً.

جلال خشيب

فالجماهير الجزائرية التي تهتف وتفرح لهدفٍ فلسطينيٍّ ضدّ مرماها من شأنها أن تولّد قوّةً ناعمةً للبلد أكثر ممّا تولّده خطابات جميع الأحزاب الإسلامية والوطنية الحماسية مجتمعةً لأجل إظهار مواقف البلد الداعمة للقضية الفلسطينية.

ما نريد تأكيده في هذه النقطة، هو ضرورة انتباه صُنَّاع القرار في البلد لأهميّة الاستثمار في مثل هذه المصادر الكامنة لقوّتنا الناعمة في إطار رؤيةٍ واضحةٍ تستهدف استكشاف ثمّ استثمار هذه المصادر لإحداث الانجذاب والتأثير الخارجي المطلوب، بدلاً من مجرّد استخدامها لأغراضٍ سياسيةٍ ضيّقةِ الأفق تستهدف تخدير الجماهير عن قضاياهم المصيرية، فللجزائر مصادرُ قوّةٍ ناعمةٍ عديدةٌ ومتنوّعةٌ تُمكّنها من أن "تضرب بقوةٍ في السياسة الدولية" على حدّ تعبير ناي، المشكلة هي اعتماد الجزائر المُفرِط على القوّة الصلبة وأدواتها وعلى النظام السياسي ومؤسّساته وحَسْب، وهي آلياتٌ تقليديةٌ جدّاً تُحدِثُ تأثيراً تقليديّاً محدوداً في عالمٍ جديدٍ تتغيّرُ فيه مفاهيم القوة والتأثير.

دعونا هنا نختم بطرح بونيفاس المتميّز الذّي يعبّر عن مكانة كرة القدم في جيوبوليتيكا العالم الجديد، فإذا كان التعريف الكلاسيكي للدولة قد قام على ثلاثة أركانٍ أساسية في الماضي، هي وجود أرضٍ وشعبٍ وسلطة، فإنّ بونيفاس يضيف إليها ركناً رابعاً هو "امتلاك فريقٍ وطنيٍّ لكرة القدم"، ذلك أن كرة القدم تعبّر بشكلٍّ جليٍّ عن الهُوِيَّة الوطنية للدولة والشعب.

أخيراً، وبغضّ النظر عن تتويج الجزائر باللقب القارِّيّ من عدمه، فإن فريقها الوطني قد أدّى ما عليه رياضيّاً في تعريف العالم بهذا البلد ومعدن أبنائه، أمّا الآن فقد آن دور رجل السياسة في الاستثمار الذكي في هذا المنجز الرياضي ليولِّد منه قوةً ناعمةً تُشِعّ بها الجزائر عبر الآفاق.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي