حين نقول بضرورة خلق مجال حيوي عربي تركي مشترك، فإننا ننتبه لمشاريع أخرى، تريد ملْ الفراغ التنموي العربي لمصلحة أجنداتها التي تمنع النهوض بتنمية مفيدة للشعوب العربية.

مصطلح "المجال الحيوي" بصورته السياسية الحالية، يعبر عن تبادل المنافع بين دولتين، أو بين مجموعتين سياسيتين اقتصاديتين. وحين نقول "المجال الحيوي العربي التركي المشترك"، فنحن نعني جملة المنافع والمصالح الاقتصادية والاجتماعية المتبادلة والممكنة التحقيق بين المجموعة العربية من جهة والدولة التركية من جهة أخرى. هذه المنافع المتبادلة، ترتكز على مبادئ استراتيجية، لتطوير اقتصادهما، وتلبية حاجات التنمية الشاملة في هذا المجال الحيوي.

وإذا أردنا تلمس حدود المجال الحيوي للدولة التركية، سنكتشف أن هذا المجال هو ذاته المجال الحيوي، الذي كانت تنشط فيه، وتغطيه الأنشطة الاقتصادية والسياسية للدولة العثمانية. ولكن طبيعة هذا المجال اختلفت بعد الحربين العالميتين، وبعد انتهاء الحرب الباردة. الاختلاف هنا كان بنيوياً، إذ كان المجال الحيوي للدولة العثمانية، يتحدد عموماً بالمساحة الجغرافية الواسعة، التي كانت تخضع لسلطة الباب العالي.

دوائر المجال الحيوي التركي والعربي

هذه المساحة هي مجال جيو سياسي وجيو اقتصادي، ولكن يمكن تقسيمها إلى ثلاثة دوائر رئيسية هي: "الدائرة الأوربية، والدائرة العربية الاسلامية، والدائرة الآسيوية الوسطى". لكن هذا المجال الحيوي السابق، تغيرت طبيعته الجيو سياسية والجيو اقتصادية، التي كانت تنظمه ضمن دولة الخلافة العثمانية.

ولكن لا تزال هذه الدوائر الثلاث،" تمثل فضاءات لحركة تركيا الإقليمية، ونموها الدولي، وقدرتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، ولرغبتها في أداء دور مربع الأبعاد أوربياً وشرق أوسطياً واسلامياً وعربياً".

أما إذا أردنا تلمس حدود المجال الحيوي للمجموعة العربية، فهو مجال أفريقي إيراني هندي وباكستاني، ويمكن التأكيد أن التقاطع بين المجالين العربي والتركي هو تقاطع واسع، يرتكز على عوامل متعددة، منها العلاقة التاريخية بين العرب والأتراك خلال عهد الخلافة العثمانية، ومنها العلاقات الدينية، التي ينظمها الدين الاسلامي، إضافة إلى العلاقات الاقتصادية، وتشابه العادات والتقاليد بينهما.

أهمية المجال الحيوي المشترك

إن أهمية البحث في تحقيق مجال حيوي مشترك، عربي تركي، لا يتعلق برغبة سياسية ذات طابع أيديولوجي، ولا ينبغي لهذا المجال أن يكون أداة في خدمة مشروع أيديولوجي لأيٍ من الطرفين، التركي، أو المجموعة العربية، فالتقاطعات الممكنة هي تقاطعات كبرى ذات قيمة إستراتيجية في ضوء نظام العولمة.

فلو أردنا تلمس التقاطعات، سنجد أن المنطقة العربية في الشرق الأوسط، لا تمتلك مشروع تنمية عربية شاملة، مما يبقي دول هذه المجموعة في نطاق اقتصادي سياسي واجتماعي هش وضعيف، ويبقيها دون القدرة والإمكانات الجادة على النهوض بهذه التنمية.

إن المجموعة العربية تمتلك وفق حسابات منظمة أوبك عام 2015م احتياطياً من الغاز الطبيعي، يقدر بنحو 54.3 تريليون متر مكعب. وتنتج الدول العربية ما مقداره 22.9 مليون برميل من النفط يومياً، حيث تشكل كمية الانتاج هذه ما نسبته 30,30 % من الانتاج النفطي العالمي، مع حجم احتياطي نفطي يقدر بنسبة 55.8 % من حجم الاحتياطي النفطي العالمي.

إن المجموعة العربية التي تشكل مساحة تقدر بـ13.3 مليون كم2، أي 9.6 % من إجمالي مساحة العالم، يبلغ عدد السكان فيها 370 مليون نسمة، منهم 130 مليون عامل.

ولكن حجم هذه الثروات النفطية، إضافة إلى ثروات أخرى كالحديد والمنغنيز والفوسفات والزراعة وغيرها، لم يستطع أن يخلق تنمية عربية حقيقية، رغم أن حجم الناتج المحلي الاجمالي لهذه المجموعة يبلغ 2.7 تريليون دولار أمريكي، وهو رقم محرج، يدل على تخلف اقتصادي واجتماعي، إذ أن هذا الناتج (2.7) تريليون دولار يشكل ما يساوي 16% من الناتج المحلي للولايات المتحدة، و 55% من الناتج المحلي لليابان.

أما تركيا، فاقتصادها الوطني احتل المرتبة السادسة عشرة بين اقتصادات العالم، وفق معدل النمو الحقيقي في الناتج المحلي، والذي بلغ نحو 7.4 % عام 2017م.

إن تركيا التي تشغل مساحة تقدر 783.562 كم2، وعدد سكان يبلغ 80.81 مليون نسمة، يبلغ قيمة ناتجها المحلي أكثر من 835 مليار دولار أمريكي، حيث تقدم الزراعة ما قيمته 12 % من الناتج المحلي، ويعمل في القطاع الزراعي 40 % من القوى العاملة التركية.

أما الصناعة فتقدم ما نسبته 29.5 % من الناتج المحلي، ويعمل في قطاعها 20.5 % من حجم القوى العاملة. أما قطاع الخدمات فيقدم للناتج المحلي التركي 58.5 % من قيمة هذا الناتج، ويعمل به 33.7% من القوى العاملة في البلاد.

إن حجم الأراضي الصالحة للزراعة في تركيا تبلغ نسبة 31.1 % من مساحة تركيا، وتعتبر تركيا من البلدان الغنية بمصادر المياه، إضافة إلى مناخها المناسب لطيف واسع من المزروعات المختلفة والمتنوعة.

المشاريع البديلة: الإسرائيلي والإيراني

إن نظرة موضوعية للأرقام، التي تمثل الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمجموعة العربية من جهة، ولتركيا من جهة أخرى، ضمن الصراعات المحتدمة في المنطقة العربية، تتطلب إعادة النظر بالسياسات العربية والتركية لجهة إيجاد تقاطعات حقيقية، تخدم العرب والأتراك معاً.

فحين نقول بضرورة خلق مجال حيوي عربي تركي مشترك، فإننا ننتبه لمشاريع أخرى، تريد ملْ الفراغ التنموي العربي لمصلحة أجنداتها التي تمنع النهوض بتنمية مفيدة للشعوب العربية، وهذه المشاريع تتمثل بالمشروع الإيراني، والمشروع الإسرائيلي.

إن مجالاً حيوياً عربياً تركياً، يعني بالضرورة قراءة جديدة للإمكانات البشرية والاقتصادية والثروات، لدى كلٍ من طرفي المجال الحيوي، وهذا يتطلب علاقة تبادل منفعة اقتصادية واجتماعية وعلمية وثقافية متوازنة بينهما، وتذليل كل العقبات والمعوقات السياسية أو الايديولوجية التي تقف في وجه هذا المجال.

إن غياب مشروع تنمية عربية شاملة، هو من سمح لإيران بتصدير ما يسمى "ثورتها الاسلامية" باتجاه محيطها العربي. معتمدة على التفاوتات في درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي للسكان في هذه البلدان. ومعتمدة على أيديولوجيا دينية، تحاول من خلالها السيطرة السياسية على الدول العربية، خدمة لمشروع إمبراطوريتها الفارسية الجديد.

أما المشروع الإسرائيلي، فهو مشروع يريد تحويل العرب إلى جزر تابعة للمركز الاسرائيلي، حيث تكون إسرائيل في موقع الرأس القائد والعقل المفكر، ويكون العرب سيولات مالية وأياد عاملة رخيصة.

المشروع الإسرائيلي يستند في نجاحه على تغذية النزاعات بين أنظمة الحكم العربية، وكذلك يشجع على النزاعات بين العرب ودول الإقليم، ليتسنى لإسرائيل فرض هيمنتها السياسية والعسكرية على المنطقة. هذا المشروع لا يريد قيام أنظمة حكم متصالحة مع شعوبها وذات منحى ديمقراطي، لأنه يعرف تماماً أن يقظة الشعوب العربية ستطيح بمشروعه في السيطرة على مقدرات المنطقة وشعوبها.

المجال الحيوي التركي-العربي كضرورة

إن خلق مجال حيوي عربي تركي مشترك، يعني بالضرورة رسم ملامح جديدة للمنطقة برمتها، تشكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه المجموعة البشرية رافعة لشعوبها، مما يضعف التدخلات الأجنبية في شؤونها، ويصد المطامع الخارجية حيال ثرواتها. إن خلق هذا المجال الحيوي يمكن صياغته وفق مبدأ الندية والتفاعل وتبادل المنفعة المتوازنة بين الترك والعرب.

إن تركيا معنية بالعمل لتوفير شروط عادلة لخلق هذا المجال الحيوي، فعدم خلقه يعني تربص الخارج المغتاظ بتجربتها التنموية الصاعدة، وهو ما تعمل عليه مجموعات دولية سواء في الغرب أو في المحيط الإقليمي.

إن تنحية وتذويب الحساسيات القومية أو الايديولوجيا، سيلعب دوراً حاسماً في تقارب اقتصادي اجتماعي ثقافي عربي تركي، تحتاجه شعوبهما، هذا التذويب للحساسيات يحتاج إلى مبادرات تقوم بها النخب الاقتصادية والسياسية في المجموعتين العربية والتركية، من أجل اتحاد إقليمي جديد متطور اقتصادياً واجتماعياً وعلمياً، تكون شعوبه ذات مقدرة على العيش بكرامة وحرية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي.  

المصدر: TRT عربي