تشارك المرأة العربية بشكل كبير في التظاهرات، بل أصبحت صورتها وهي تتحدى آلة القمع أيقونة في غالبية الدول من السودان إلى الجزائر إلى العراق.

من قال إن المرأة العربية مجرد "دمية جميلة " تؤثّث منابر التليفزيون وتردّد ما يصاغ لها في غرف التحرير دون تدبر أو تفكير؟

ولماذا يصر البعض على التمترس خلف عقلية التقسيم التقليدي للعمل الاجتماعي على أساس أن النساء تم نذرهن للأمومة والزواج وأعمال البيت، بينما تتم تربية الرجال للمهمات الكبرى؟

وهل يمكن الحديث عن صمود هذه المسلمات اليوم في ظل تحولات عميقة عصفت بالمجتمعات العربية منذ انطلاقة أولى ملامح الربيع العربي الذي بدأ من تونس، وتداعى ككرة ثلج ما فتئت تكبر يوما بعد يوما حتى تحولت إلى كرة من نار أتت على عروش الاستبداد وقوضت بنيان الفساد في الكثير من الدول.

وكيف نجيب اليوم عن ظاهرة "الثورة الأنثى"؟ 

اليوم وفي المشهد الراهن الذي يتسم بحراك لا يهدأ في مختلف أرجاء العالم العربي نرصد "صحوة" شعبية لا تبقي و لا تذر مرددة صيحة واحدة انطلقت ذات شتاء من تونس: "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر".

ولعل أبرز ملمح اليوم لهذا الحراك العربي الذي انطلق من تونس ونشهد ارتداداته اليوم في العراق ولبنان مروراً بالسودان والجزائر هو الصورة المتوهجة للنساء العربيات اللواتي سفّهْن الكثير من المسلمات وهن يخضن معركة صناعة المصير، ويقمن بحياكة ملامح تغيير سياسي واجتماعي بات حتمياً في المنطقة العربية.

الناشطة السودانية التي أصبحت أيقونة الثورة آلاء صلاح
الناشطة السودانية التي أصبحت أيقونة الثورة آلاء صلاح ()

وإذا كانت الذاكرة الجماعية لا تزال تحتفظ بصورة المرأة التونسية محمولة على الأعناق وهي تصرخ مطالبة برحيل النظام السابق من أمام وزارة الداخلية، وهي صورة جالت وكالات الأنباء في العالم، فإن الوجه الناعم اليوم للحراك اللبناني لا يمكن تجاهله ونحن نتابع سطوة الحضور النسائي في مظاهرات لبنان، هذا البلد الذي يستبطن مجمل العرب عنه صورة نمطية وتحديداً عن نسائه اللواتي تنحسر اهتمامات مجملهن في عوالم الجمال والأناقة، وفق التمثل السائد في المخيال الجمعي العربي.

لكن ما حدث خلال الفترة الأخيرة ومن خلال المشاركة اللافتة للبنانيات اللواتي كان حضورهن الناعم سمة مميزة للحراك اللبناني الذي أظهر رغبة هذا المجتمع في رفض الطبقة السياسية الحاكمة والمناداة برحيلها نظراً إلى عجزها وضعفها أمام الأزمة الاقتصادية الخانقة.

وعلى غرار المرأة اللبنانية ظهرت النساء باسلات وشامخات كنخل العراق وهن يتوسطن المظاهرات التي تسود هذا البلد العربي بمشاركة نسائية لافتة أيضاً عكست الدور المركزي الذي تلعبه المرأة في هذا الحراك الذي يتخذ من مقاومة الفساد عنواناً أساسيّاً له.

وهذه الصورة تقطع في الحقيقة مع كل مظاهر النمطية التي يتوارثها العرب جيلاً بعد جيل عن المرأة الخانعة المستكينة أو "الست أمينة" كما كرستها روايات نجيب محفوظ، والكثير من السرديات العربية التي تجعل أدوار النساء تنحسر بعيداً عن الشأن العامّ والمشاركة الفعالة في المشهد السياسي، وليتجاوز دورها مجرد صورة مكملة للديكور في بعض الحكومات أو البرلمانات.

عراقيات يشاركن في مظاهرة مناهضة للحكومة في مدينة النجف، العراق، 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2019
عراقيات يشاركن في مظاهرة مناهضة للحكومة في مدينة النجف، العراق، 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 (Reuters)

لكن الحراك العربي العفوي أظهر صورة مغايرة لنساء يتحلّين بقدر كبير من الشجاعة ورباطة الجأش وهن يواجهن آلات القمع التي تحتكرها السلطة، ويطالبن بتغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولا يبدو الوضع مختلفاً في المشهد الجزائري الذي كان حضور النساء فيه لافتاً ومهمّاً من خلال مشاركتهن في التظاهر على امتداد أشهر دون كلل أو ملل، وسعيهن إلى نحت ملامح وطن جديد يليق بنضال بناته وأبنائهن. 

وفي سياق متصل لا يمكن أن نغفل عن الدور المركزي الذي لعبته المرأة السودانية حتى لُقبت إحدى السيدات التي ظهرت بشكل لافت تتوسط المتظاهرين وتهتف فيهم بأنها تمثال الحرية. وقد بدت بثوبها الأبيض كملاك حارس للثورة السودانية متحلية بالثقة والشجاعة وهي تخطب وسط الحشود، وهذا ما حدا ببعض المتابعين إلى جعل هذه السيدة إختصاراً للثورة السودانية وعنواناً لها.

وتكتظ الذاكرة بصور نساء في مختلف البلاد العربية بدءاً من تونس التي كانت منطلَقاً للشرارة الأولى للثورة منها، وصولاً إلى السودان والجزائر ولبنان والعراق حيث تتكرس صورة النساء كفاعلات ومشاركات في الشأن العامّ، وصوتاً رافضاً لكل مظاهر الفساد والاستبداد، وصرخة منادية بصياغة مستقبل مغاير للأجيال القادمة.

وليس هذا فحسب، فهذه الصرخة هي رفض أيضاً للصورة النمطية التي هيمنت طويلا على الفكر العربي وعلى مقارباته للأدوار الموكولة إلى النساء والتي تتأسس على هيمنة ذكورية مقيتة جعلت الرجل يتبوأ المكانة المحورية في السياسة والاجتماع مع تهميش واضح لأدوار النساء وتبخيس مكانتهن في ظل سياق عربي لا يزال محكوماً ببنية ذهنية تقليدية لم تقطع مع الموروث رغم التحولات الكبرى التي عصفت بالمجتمعات العربية حضاريّاً وثقافيّاً، إلا أن هذه الرواسب ما زلت صامدة.

ولعل المشهدية التي تجسدت من خلالها صورة المرأة العربية كأيقونة للنضال والرفض والرغبة في التغيير والتوق الحارق إلى الحرية والكرامة هي كسر للصورة النمطية التي كرسها العقل الذكوري العربي الذي آن الأوان ليقطع معها بشكل نهائي في سياقات متغيرة، ومتحولة لم يعُد من الممكن أن تكون من المسلمات والبديهيات.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي