واس (واس)

لم يكن قرار عقد القمة الخليجية في مدينة العلا السعودية لإنهاء الحصار وتطبيع العلاقات مع قطر يعبر عن قناعة جماعية لاستعادة روح الأخوة والوحدة الخليجية مع تزايد المهددات الإقليمية، ولكنه جاء استجابة لتغير مقاليد السلطة في الولايات المتحدة ووصول بايدن إلى سدة الرئاسة في البيت الأبيض، وهو يحمل أجندة راديكالية في السياسة الخارجية، والعودة إلى دعم المنظومة القيمية والأخلاقية وهي حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي، رغم تصدع المثال الأمريكي بعد هجوم أنصار ترمب على الكونغرس لوقف اعتماد نتيجة الانتخابات.

ودعمت إدارة ترمب عقد المصالحة رغم قرب انتهاء ولايته، وانتدبت لذلك جارد كوشنير صهر الرئيس ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط، هذا رغم موافقة ترامب على حصار قطر عام 2017.

ولعل أهم أهداف هذا التحول هو تسريع وتيرة التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، وكذلك خلق توافق سياسي وسط دول الخليج وبقية الدول العربية لاحتواء إيران.

لكن يثور السؤال عن مدى تأثير هذه المصالحة على تطورات الأوضاع وفض النزاعات في القرن الإفريقي؟

رغم أن التطبيع الخليجي مع قطر تقوم دوافعه السياسية على احتواء إيران وتخفيف الضغوط المتوقعة من وصول بايدن إلى سدة البيت الأبيض، فإن آثار هذه الخطوة تمتد إلى منطقة القرن الإفريقي نسبة إلى المنافسة على النفوذ الاستراتيجي في المنطقة بين دول الخليج، خاصة بين السعودية والإمارات من جانب وقطر وتركيا من جانب آخر.

لم يعد سراً أن الحلف الاستراتيجي التركي والقطري في المنطقة، مقابل تحالف دول الحصار الذي يضم السعودية والإمارات والبحرين ومصر، قد دخل في منافسة لكسب مزيد من النفوذ الجيوستراتيجي في منطقة القرن الإفريقي.

لعل أبرز الشواهد على الاستثمار السياسي الخليجي في المنطقة هو الوساطة الناجحة التي قادتها الإمارات والسعودية لتطبيع العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، حيث شهدت مدينة جدة الساحلية في المملكة العربية السعودية توقيع اتفاق السلام في سبتمبر/أيلول 2018.

ويعود اهتمام الدول الخليجية بالمنطقة إلى أسباب جيوستراتيجية خاصة بعد اشتعال حرب اليمن في 2015 واستيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء، إضافة إلى تأمين مسار التجارة الإقليمية الدولية في خليج عدن والبحر الأحمر، خاصة بعد ازدياد التنافس الدولي من دول كبيرة مثل الولايات المتحدة والصين وفرنسا وغيرها من الدول. لكن الهدف الأهم هو احتواء تمدد ظاهرة الإسلام السياسي ومحاربة الإرهاب التي تعتبرها الإمارات مهدداً وجودياً للأنظمة التقليدية في منطقة الخليج.

وتوسعت الاستثمارات الخليجية خاصة في إدارة المواني عن طريق شركات موانئ دبي في جيبوتي قبل إنهاء التعاقد من طرف واحد، إضافة إلى تقديم مساعدات مالية وتنموية وإنسانية واستثمارات كبيرة في السلع والخدمات والإنشاءات. كما تدخلت دول الخليج وقامت بتأجير قواعد عسكرية خاصة في الجزر الإرترية والصومال لدعم مجهودها الحربي في اليمن ومراقبة البحر الأحمر.

ربما يكون الصومال أبرز الأمثلة على التنافس الجيوستراتيجي بين دولتي السعودية والإمارات من جانب وتركيا وقطر من جانب آخر. إذ حاولت دول الخليج ربط مصالحها مع الحكومة الصومالية ومعاداة الأقاليم الأخرى ومحاولة كسر شوكة حركة الشباب، وهي صيغة لم تنجح كثيراً إذ إن تحولات القوة الداخلية في الصومال عززت من نفوذ تركيا وقطر رغم المقاومة وحدة الاستقطاب ومهاجمة المصالح التركية في المنطقة. إذ إنه يصعب الفصل بين العامل السياسي والديني والإثني في الصومال.

وهنا يثور السؤال هل يعتبر الوجود والتأثير الخليجي عامل استقرار أم تمزق واستقطاب في المنطقة؟

في اعتقادنا أن خطط الاستثمارات الخليجية وتقوية اقتصاديات المنطقة تعتبران عامل استقرار، لكن في المقابل استخدام دول المنطقة كحديقة خلفية وقاعدة تدريب عسكري وقواعد عسكرية للحرب في اليمن وفرض النفوذ السياسي يؤدي إلى تصدعات كبيرة، ويجر كل المنطقة إلى أجندة خارج سيطرتها.

لعل تصاعد أزمة سد النهضة بين الدول الثلاث مصر وإثيوبيا والسودان يوضح بجلاء حدود تأثير الدبلوماسية الخليجية في نزع فتيل الأزمة التي نشط فيها الاتحاد الإفريقي. في السياق ذاته فإن انحياز المجموعات المتصارعة في الصومال إلى بعض الدول في الجانبين أدى إلى زيادة حدة الاستقطاب بين الفاعلين في السياسة الصومالية ممَّا يعني إطالة أمد الصراع.

فى السياق ذاته نلاحظ الاختلافات الكبيرة بين رؤية دول الخليج وعلى رأسها السعودية لموضوع أمن البحر الأحمر مقارنة برؤية الدول الإفريقية. ولا شك أن دخول روسيا كلاعب دولي جديد في البحر الأحمر بعد توقيع الاتفاقية مع السودان سيصعد من حدة التنافس بين القوى الكبرى في البحر الأحمر خاصة الولايات المتحدة والصين وفرنسا، إضافة إلى تركيا والإمارات والسعودية.

لا نتوقع أن تخفض قمة العلا الخليجية والتطبيع مع قطر حدة التنافس الجيوستراتيجي بين هذه الدول في منطقة القرن الإفريقي، إذ ما تزال الإمارات ومصر تنظر بعين الريب والشكوك إلى التحالف القطري والتركي، والعلاقة مع إيران واحتواء الإسلام السياسي. لذا فليس من المتوقع أن ينتج التطبيع أثراً على سياسات هذه الدول في منطقة القرن الإفريقي بل ربما تزيد حدة التنافس.

صفوة القول أن اتفاق المصالحة مع قطر في القمة الخليجية غالباً لن يغير كثيراً من سياسات التدخل الخليجي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، إذ إن اتفاق التطبيع نجح في إزالة الحصار على قطر لكن لم يعالج عمق الأزمة، وهو التوجهات المتعارضة والمصالح المتضاربة بين هذه الدول.

العامل الوحيد الذي سبب هذه الانشقاقات بين دول الخليج وأعاد توحيدها من جديد هو العامل الأمريكي.

يستطيع بايدن أن يمنح المصالحة الخليجية قاعدة للانطلاق إذا حافظ على التحالف الاستراتيجي مع دول المنطقة لاحتواء إيران. لكن في المقابل بعد أن أحرزت قطر انتصاراً معنوياً بعد مرحلة الحصار المتطاولة، هل تستطيع أن تقدم تنازلات جوهرية لإرضاء دول الخليج ومصر خاصة من ناحية العلاقة مع تركيا وإيران ومعاداة الإسلام السياسي، أم ستواصل سياسة المحاور واستراتيجية الاستثمار في القوة الناعمة كدولة صغيرة الحجم وقليلة السكان وسط دول تملك القوة والطموح ونزعة الهيمنة وتوسيع القوة والنفوذ الإقليمي؟ بيد أنه من المؤكد أن قطر اكتسبت خبرة للمناورة في المياه المضطربة خلال السنوات الماضية بعد تجربة الحصار.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي