تشهد العلاقات بين الجزائر والمغرب توتراً غير مسبوق في تاريخهما الحديث (Others)
تابعنا

وزادت الجزائر فاتهمت من خلال مجلسها الأعلى للأمن، المغرب بوقوفه وراء الحرائق التي اندلعت في مناطق عدة بالجزائر، ثم نظمت مناورات بحرية في القاعدة البحرية المرس الكبير على الحدود، وبعدها اتخذت قرار منع تحليق الطائرات المغربية، مدنياً وعسكرياً، في مجالها الجوي.

ولم يَردّ المغرب على هاته التصريحات والإجراءات، عدا بياناً للخارجية المغربية عقب صدور بلاغ الخارجية الجزائرية الذي يعلن قطع العلاقات الدبلوماسية، يأسف فيه للقرار، ويعتبر الذرائع المقدمة وهمية وعبثية.

ويسود البلدين، إلى جانب ذلك، هجمات إعلامية ، وتراشق دبلوماسي.

سبق للعاهل المغربي الملك محمد السادس، في خطاب الجلوس 31 يوليو/تموز، أن خصّصه للعلاقات المغربية الجزائرية، واعتبر المغرب والجزائر أكبر من شقيقين، بل توأمان، ونادى بفتح صفحة جديدة مبنية على حسن الجوار والثقة والاحترام المتبادل، إلا أن عرض المغرب لم يلقَ أي تجاوُب من السلطات الجزائرية، وحينما اندلعت الحرائق وضع المغرب طائرات كنادير لإطفاء الحرائق رهن السلطات الجزائرية، وهو العرض الذي لم يلقَ تجاوباً منها، كما أن الجزائر رفضت في إطار اجتماعات الجامعة العربية، أي وساطة بين البلدين، واعتبرت قطع علاقاتها عملاً سيادياً.

ازدادت حدة التوتر على مدار يومين، مرة أخرى بين الرباط والجزائر، في خطاب الملك محمد السادس الذي أشار في خطاب افتتاح البرلمان إلى "التحديات الخارجية"، بتاريخ 8 أكتوبر/تشرين الأول، وهي تورية للتهديدات، وفي حوار للرئيس الجزائري مع القناة الجزائرية الرسمية (10 أكتوبر/تشرين الأول) السيد عبد المجيد تبون، استنكر ما اعتبره أعمالاً عدائية متواصلة من المغرب، مهدداً في حال أي عدوان بِردّ لا يُبقي ولا يذر.

يمكن أن نقرأ هذين التصريحين قراءة أخرى، وهي رسالة طمأنة، ذلك أن الملك حرص على استعمال كلمة "تحديات" عوض "تهديدات"، وكذا الرئيس الجزائري، حين قال إن بلاده مسالمة لا تجنح إلى الحرب.

لكن حقيقة الأمر هي أن العلاقة بين البلدين خرجت من حالة توتر تحت السيطرة، أو من حرب باردة، مع ما تعرفه الحرب الباردة من سباق تسلُّح وارتياب، إلى حالة الحرب state of belligerence، مع حملات إعلامية، وتعبئة عسكرية، ومناورات، وتجييش دبلوماسي.

بدأ تحول مقاربة الجزائر حيال المغرب، منذ انضمامه إلى اتفاق إبراهام (10 ديسمبر/كانون الأول 2020)، ولا تعتبر الجزائر قرار المغرب سيادياً، بل موجهاً ضدها. منذ ذلك الحين تَغيَّرَت طبيعة المشكل بين البلدين، من نزاع ذي توتر صغير تحت السيطرة، إلى توتر مرتفع يمكن أن يخرج عنها.

موقف المغرب حيال الجزائر تطور كذلك، إذ كان في دائرة الدفاع، من خلال الدعوة إلى حوار مع الجزائر، الطرف المعني بنزاع الصحراء، من منظوره، إلى وضع جديد من خلال تغيير دائرة أحلافه، ومنها ربط علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ومنها ردّ السفير المغربي في الأمم المتحدة لحقّ الشعب القبائلي في تقرير المصير (يوليو/تموز 2021). والملف يكتسي حساسية مفرطة في الجزائر، رغم المضاعفات المحتملة على المغرب، على اعتبار ملفّ الأمازيغية عابراً للدولتين.

على مدار أكثر من خمسين سنة، لم يستطع البلدان تجاوز ما يسمّيه الصحافي من أصل موريتاني المرحوم محمد باهي، عقدتيهما، إذ يشكوان، كل واحد على حِدة، من ملازمة لم يستطِع أن يتجاوزها؛ الجزائر تشكو من متلازمة التطويق، والمغرب من متلازمة التمزيق.

منذ الاستقلال ترى الجزائر أنها مهدَّدة لإجهاض تجربتها، ويزداد هذا الشعور بالتطويق، في الآونة الأخيرة، ويسود الاعتقاد في الأوساط الجزائرية أن بلدهم مستهدف، ويعتبرون المغرب الظاهر من الجبل الثلجي.

أما المغرب فيشكو من متلازمة التمزيق، إذ قسمته القوى الاستعمارية إلى مناطق نفوذ، منطقة شمالية وجنوبية وجيوب تحت الاحتلال الإسباني، ووسط تحت الاستعمار الفرنسي، ومنطقة دولية في طنجة واقتطاعات ترابية. جوهر المشكل هو طبيعة العقدة التي يشعر بها كل من البلدين، التطويق من الجزائر، ومتلازمة التمزيق من المغرب، لذلك تكتسي الوحدة الترابية والبشرية بالنسبة إلى المغرب طابعاً وجودياً.

يمكن أن يُنظر إلى قضية الصحراء باعتبارها سبب المشكل على أساس تضارب موقفَي البلدين، لكن مشكل الصحراء هو الشماعة، إذ ظلت المشكلات بين البلدين قبل اندلاع مشكل الصحراء، ويحيل بلاغ وزارة الخارجية الجزائرية المعلن لقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، إلى أن المشكل يعود إلى فجر استقلال الجزائر، في ما يعرف بحرب الرمال سنة 1963.

وظاهر المشكل نزاع حدودي، بعد اعتداء قوات جزائرية على عناصر من القوات المساعدة في كل من مركزَي تنجوب وحاسي بيضا. بيد أن حقيقة الأمر، أن جوهر المشكل سياسي، يعود إلى احتضان الجزائر حينها للمعارضة المغربية التي كانت تريد قلب النظام، وسبق للرئيس بن بلا أن اعتبر أن الحدود بين البلدين آيديولوجية، وليست ترابية.

لقد ظل البلدان في حالة لا حرب ولا سلم، ولكنهما اليوم انتقلا إلى حالة الحرب، إذ يعرف البلدان حالة استنفار غير مسبوقة، عسكرية ودبلوماسية وإعلامية، مع سعي حثيث لكسب حلفاء دوليين، ويمكن لـ"حالة الحرب" أن تنتقل إلى "الحرب".

قيادتا البلدين تدركان خطورة المغامرة، إذ سينفلت الأمر في حالة المواجهة كي يصبحا مجال صراع قوى دولية. الحرب ستكون مدمرة، وستكون أسوأ من الحرب العراقية-الإيرانية، لأن الحرب العراقية-الإيرانية، أبقت على النظامين، وعلى البلدين، باعتبارهما شعبين لهما هويتان مختلفتان، والحال أن المغرب والجزائر شعب واحد، وأسوأُ الحروبِ الحروبُ الأهلية. وهذا أمر تعيه القيادتان، وليس من الحكمة العبث بالنار في وضع قابل للاحتراق، وكما يقول المثل الشعبي المشترك بين المغرب والجزائر: اللي يحسب بوحدو يشيط له، (من يَعُدّ وحده يجدِ الحساب بالفائض).

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي