مع اقترب موعد دخول "قانون قيصر" حيّز التنفيذ، يتدحرج النظام السوري نحو أزمة اقتصادية غير مسبوقة الأمر الذي من شأنه أن يثير الكثير من القلاقل داخل المناطق التي يسيطر عليها كما يحدث في السويداء هذه الأيام، ويضع علامات استفهام على مستقبله السياسي.

في وقت كتابة هذه الكلمات كانت قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي قد تجاوزت حاجز 3 آلاف ليرة، في تدهور غير مسبوق للاقتصاد السوري. وبالتوازي مع تدهور سعر الليرة المتسارع تتعالى أصوات المتظاهرين بمدينة السويداء، مستغلين المساحة النسبية من القدرة على التعبير في المدينة، مع ارتفاع أصوات التذمر في مناطق انتشار موالي النظام السوري، هذا مع توارد الأنباء عن إغلاق العديد من التجار محلاتهم في مختلف المدن الرئيسية الخاضعة لسيطرة النظام السوري، وحالة ترقب وهلع يعيشها المواطن السوري الذي أصبح راتبه الشهري لا يتعدى مبلغ 15 دولاراً أمريكياً فقط.

وفي الوقت الذي يحاول النظام السوري تجديد شرعيته السياسية والترويج للانتصار في الحرب، يواجه انتكاسة اقتصادية من العيار الثقيل سوف تؤثر على تماسكه من خلال احتمالية عودة الاحتجاجات إلى الشارع من جديد. هذا في ظل عجز داعميه السياسيين سواء إيران أو روسيا عن إنقاذه اقتصادياً، الأمر الذي قد يفتح الباب على مصراعيه لحدوث تسويات ربما تطيح أخيراً بالأسد أو على تقديم تنازلات سياسية على أقل تقدير. 

ألقت الحرب المستمرة في سوريا منذ قرابة عشر سنوات بظلالها القاتمة على الاقتصاد السوري. إذ تقدر قيمة الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة في سوريا بـ530 مليار دولار، كما انكمش الناتج المحلي الإجمالي في سوريا من 60 مليار دولار عام 2010إلى 12.4 مليار في عام 2016، فيما أصبح أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر. لكن النظام السوري استطاع تسيير عجلة الاقتصاد بثقل، واستمر في عملياته العسكرية وفي دفع رواتب موظفيه، حتى في بعض المناطق التي خرجت عن سيطرته، معتمداً على القروض والمساعدات المقدمة من داعميه، وعلى ديناميكيات اقتصاد الحرب كأساليب التعفيش والترفيق التي ساهمت في تغذية المليشيات المقاتلة في صفوفه بشكلٍ رئيسي.

لكن في الوقت الذي بدا فيه أن النظام السوري استلم زمام المبادرة ميدانياً، وبدأ التحضير لإعادة تجديد شرعيته السياسية من جديد من خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية المرتقبة، جاءت الأزمة الاقتصادية الأخيرة لتضع النظام أمام تحدٍّ جديد مفتوح الجبهات. تاركة النظام أمام استحقاق إثبات كفاءته في الحكم، ليس أمام معارضيه فقط بل أمام مواليه على حدٍّ سواء.

ضربات متلاحقة

على الرغم من أن بوادر انهيار الليرة السورية الأخير بدأت مع نهاية 2019، فإن تفجُّر الأزمة بلبنان الذي شكل متنفساً لرجال الأعمال المقربين من النظام السوري، وتبعات أزمة كورونا على الاقتصاد السوري المتهالك واقتصادات داعميه الذين يتعرضون للعقوبات الأمريكية، واقتراب موعد تطبيق قانون قيصر الأمريكي في منتصف حزيران/يونيو الجاري، سرّعت من التدهور الحاد للاقتصاد السوري، دافعةً الليرة السورية إلى حافة الهاوية. هذا في الوقت الذي كانت فيه أزمة رامي مخلوف وتصفية أصوله الموجودة في سوريا أحد مظاهر هذه الأزمة وتداعياتها معاً.

وقد تجاوز سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار قبيل إجراءات الحكومة في مواجهة جائحة كورونا في منتصف شهر آذار/مارس الماضي قرابة 1000 ليرة. وكنتيجة مباشرة للإغلاقات الحكومية فقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي بين شهرَي مارس/آذار ومايو/أيار، بما يقارب 40% وفق بعض التقديرات. هذا بالتوازي مع بدء ظهور أزمة رامي مخلوف الذي بشر في فيديوهاته بانهيار الليرة السورية.

وبالتوازي مع بدء العد التنازلي لتطبيق قانون قيصر الأمريكي بدأ سعر الليرة السورية التدهور، آخذاً معه القدرة الشرائية للمواطن السوري في سقوطٍ حر. إذ يتوقع أن يكبل القانون الذي سيدخل حيز التطبيق في 17 يونيو/حزيران الحالي، النظام المصرفي السوري بما في ذلك البنوك الخاصة، ويردع كل الجهات التي تتعامل مع النظام السوري، بما فيها الموجودة بدول داعمة مثل روسيا. التداعيات المحتملة للقانون بدت واضحة من خلال اتخاذ عدد من البنوك اللبنانية الخاصة العاملة بسوريا قراراً بإغلاق فروعها هناك.

تحديات أمام النظام السوري

تشكِّل الأزمة الاقتصادية الحالية تحدياً حقيقاً أمام النظام السوري، قد يتطور ليشكل أزمة وجودية وشرعية للنظام. ويكمن التحدي بداية في أن الأزمة تضع النظام السوري أمام استحقاق القدرة على الحكم وتسيير البلاد وعلى رأس ذلك تأمين لقمة العيش للمواطنين المقيمين في مناطق سيطرته.

وفي سياقٍ متصل، تمثل الأزمة تحدياً حقيقياً كونها ستكون شاملة، ليس فقط لكل مرافق الحياة الاقتصادية والاجتماعية بسوريا، بل أيضاً لكون تداعياتها مفتوحة الجبهات وتمس الموالين والمعارضين للنظام. وفي هذا السياق فقد سُجل في الفترة الأخيرة ارتفاع لهجة التذمر والانتقاد بين الحواضن المجتمعية للنظام السوري.

كذلك فإن الأزمة ستمثل تحدياً لشرعية النظام الذي استمدها بالأزمة من قدرته على توفير مستلزمات الحياة في مناطق سيطرته. إذ ستفتح الأزمة للمناطق الخارجة عن سيطرة النظام باب البحث عن الاستقلال المالي.

وقد بدا هذا التوجه واضحاً وسريعاً من قرار حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام بإدلب بالتعامل بالليرة التركية بدل الليرة السورية، وتسريع خطوات مماثلة بمناطق النفوذ التركي بعفرين والباب وجرابلس. وعليه فالأزمة الاقتصادية الحالية قد تنجح بتعميق الانقسام الإداري في سوريا بين المناطق الثلاث (منطقة النفوذ الدولي ووجود المليشيات الكردية شمال شرقي سوريا، ومناطق نفوذ تركيا والمعارضة شمال غربي سوريا، ومناطق سيطرة النظام).

إضافة إلى ذلك فالأزمة الحالية وارتباطاتها ستعرقل أي محاولات عوّل عليها النظام لإعادة إعمار سوريا. ففضلاً عن كون انهيار الاقتصاد السوري سيجعل أي محاولة للاستثمار من قبل جهات مرشحة مثل الإمارات أو الصين مستبعدة اقتصادياً، فقانون قيصر سيعوق أي خطوة بهذا الصدد، بفرض عقوبات على أي جهة تحاول المساهمة بإعادة الإعمار. وعليه فقانون قيصر سيضع النظام السوري في "زنزانة العزلة" لسنوات.

إلى أين؟

يقف النظام السوري عاجزاً في مواجهة رياح الأزمة الاقتصادية العاتية. فيما لا يملك حلفاؤه أدوات لمواجهة العقوبات الأمريكية المتمثلة في قانون قيصر، إذ يعانون أصلاً من أثر عقوبات أمريكية مماثلة. كما لا يتوقع أن تنجح محاولات إعادة افتتاح طريق M4الدولي أو طريق الحسكة-حلب ببث الروح من جديد في الاقتصاد المتهالك نتيجة 10 سنوات من الحرب المستنزفة، وتآكل عجلة التصنيع والإنتاج. هذا بوقت تقع فيه مصادر المواد الخام الرئيسية بسوريا من ثروات طبيعية كالنفط أو زراعية كالقمح خارج نفوذ النظام تحت سيطرة مليشيات PYD.  

ومع انكماش كعكة الاقتصاد السوري وتراجع قدرة النظام على تلبية الاحتياجات الأساسية، يتوقع أن تزداد حدة الاحتقان الداخلي التي ستكون عابرة للشرائح المجتمعية. بالوقت الذي سيلجأ فيه النظام مضطراً تحت وطأة الأزمة الاقتصادية وقانون قيصر إلى إعادة ضبط العلاقة الزبائنية بين هرم السلطة السياسية ورجال الأعمال المنتفعين من اقتصاديات الحرب، ما قد يساهم في تعميق حالة الفساد في الاقتصاد السوري من جهة، وفتح المجال لظهور تصدعات في شبكة النظام من جهة أخرى، كما هو الحال في أزمة رامي مخلوف.

وعلى الرغم من أن الأزمة الحالية ستسهم في زيادة حالة الحنق والضيم المجتمعي في مناطق سيطرة النظام، لكن من غير الواضح إن كانت مظاهر هذه الأزمة ستتبلور إلى أي شكل من أشكال المطالب السياسية الجامعة، أم ستبقى على شكل بؤر احتجاجية كما هو الحاصل في مدينة السويداء، بخاصة في ظل غياب جهة متماسكة أو توجه سياسي يستثمر في هذا الاحتقان الحاصل.

وعليه، فمن المرجح أن تساهم هذه الأزمة وتداعياتها في تعميق ملامح المشهد الحالي، من خلال ترسيخ حالة الانفصال الإداري في سوريا بين المناطق الثلاث، التوجه الذي بدأ واضحاً من خلال قرار ترك الليرة السورية واعتماد الليرة التركية في مناطق سيطرة المعارضة، ما سيترك النظام المركزي في دمشق أكثر عزلةً اقتصادياً وهزالاً سياسياً وعرضةً للابتزاز من كل الأطراف.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي