طائرة من سلاح الجو التركي وفي الواجهة علم تركيا (Others)
تابعنا

مرة أخرى، تشهد العلاقات التركية اليونانية تراجعاً بسبب تحركات أثينا العدائية والاستفزازية المتكررة. كانت الاشتباكات المزعومة فوق بحر إيجة مألوفة إلى حد ما بين الطيارين الأتراك واليونانيين لسنوات، لكن هناك ارتفاع واضح في الانتهاكات اليونانية للمجال الجوي التركي منذ العام الماضي.

أخذت الأعمال العدائية اليونانية الآن في تجاوز خطوط خطيرة، على سبيل المثال أغلقت اليونان الرادار عن طائرات F-16 التركية والتي كانت تؤدي واجباتها كجزء من مهمة الناتو، وهو تصرف بمثابة مؤشر قوي على تهور أثينا المتزايد.

وفي 23 أغسطس/آب، تعرضت طائرات F-16 التركية التي تنفذ مهمة في المجال الجوي الدولي لمضايقات من قبل أنظمة الدفاع الجوي اليونانية روسية الصنع S-300 المتمركزة في جزيرة كريت. يقال إن وزارة الدفاع التركية بصدد تقديم سجلات الرادار عن المضايقات اليونانية للأمين العام لحلف الناتو ووزارات الدفاع في الحلف.

وعلى الرغم من أن المضايقات تشكل "عملاً عدائياً" واضحاً ضد تركيا بناءً على قواعد الاشتباك الخاصة بحلف الناتو، إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كان الناتو سيحمل اليونان المسؤولية، ويدين هذا العمل على النحو الواجب. في الوقت الذي يكون فيه تضامن الناتو أمراً بالغ الأهمية، نظراً للتوسع المنشود للحلف مع ضم السويد وفنلندا، والحرب المستمرة في أوكرانيا، فمن غير المرجح أن يلقي الناتو اللوم على اليونان أو على الأقل الحد من زيادة التصعيد من خلال اتخاذ موقف ما.

إن الحادث البحري الذي وقع بين سفينتين تركية وأخرى فرنسية في البحر الأبيض المتوسط في 10 يونيو/تموز 2020، وما تلاه في سياق الحرب في ليبيا، هو دليل واضح تماماً. اتهمت باريس البحرية التركية بارتكاب "عمل عدائي" ضد الفرقاطة الفرنسية كوربيه، التي قيل إنها حذرت عن طريق رادار لسفينة حربية تركية.

ردت أنقرة من خلال تقديم لقطات وبيانات ذات صلة بالحادث من خلال عرض قدمه السفير التركي لدى مجلس الشيوخ الفرنسي وكذلك إلى حلف شمال الأطلسي، والذي أظهر أن الفرقاطة الفرنسية هي التي نفذت عملاً استفزازياً ضد السفينة التركية. ومع ذلك، بعد إجراء تحقيق في الحادث، قرر الناتو إبقاء نتائج التحقيق سرية من خلال اعتبارها حساسة للغاية بحيث لا يمكن مناقشتها علناً.

لذلك، يبدو أن الحفاظ على تضامن الناتو على حاله وتخفيف التصعيد بين حليفين من خلال تجنب اتخاذ موقف نهائي هو السائد على حساب إثبات الحقيقة، نظراً لأن الانسجام والتضامن بين الناتو في جانبه الجنوبي الشرقي أكثر أهمية في سياق الحرب في أوكرانيا، فلن يكون من المفاجئ أن ينظر الناتو في الاتجاه المعاكس هذه المرة أيضاً.

هنا يكمن عدم التناسق البنيوي والأساسي بين أدوات تركيا وحلفائها في الناتو في حالات الصراع أو المواجهة. في حين أن الجانب التركي من القصة نادراً ما يجري تضمينه في التغطية الإعلامية الدولية السائدة لهذه الحوادث المحددة، فإن نسخة "الطرف الآخر" من القصة تصبح هي المهيمنة أو حتى السرد الوحيد، مما يشكل الرأي العام الدولي بشكل غير متناسب في اتجاه معين.

بسبب هذا "الحاجز الطبيعي" في سعي تركيا لإثبات قضيتها، يمكن لأنقرة فقط إيصال رسالتها من خلال هيئات الناتو ذات الصلة. ففي حين أن الرواية التركية لا تسمع إلا داخل دائرة مغلقة على مستوى النخبة والمؤسسات، يتم بسهولة نشر الروايات المنافسة على نطاق واسع خارج هذه الدوائر، مما يخلق تصوراً عاماً مواتياً بشكل مفرط للرواية "المناهضة لتركيا". يُعد "كعب أخيل" التركي هذا أحد الأسباب الرئيسية للسلوك المتهور والتصعيد من حلفائها في الناتو في حالات المواجهة.

أحدث أعمال اليونان العدائية تجاه تركيا مدفوعة بمزيج من "كعب أخيل" التركي المذكور والسياق المحدد للحرب في أوكرانيا. إن إلقاء نظرة فاحصة على الأنشطة المتعلقة بتركيا من طرف أثينا، بخاصة منذ بداية الحرب في أوكرانيا، سيكشف عن الهدف الاستراتيجي السابق: حجب صورة أنقرة المتصاعدة وتحسن صورتها في الغرب في سياق الحرب في أوكرانيا وحرمانها من القدرة على جني الثمار الدبلوماسية لسياستها تجاه الحرب الأوكرانية.

من خلال تكثيف تحركاتها الاستفزازية إلى حد إغلاق الأجواء على طائرات حليفها في الناتو، تتوق أثينا إلى رد فعل غير مباشر من العسكريين الأتراك الذين هم على خط التماس مع التشكيلات العسكرية اليونانية. مثل هذا الرد من الجيش التركي، أو حتى وقوع حادث ما، سيكون بمثابة نعمة لأثينا لاستحضار صورة المعتدي التركي في الغرب، ولكن ليس مجرد "معتد عشوائي"، ولكن معتد على شاكلة المعتدي الروسي.

تهدف أثينا إلى بناء حجة باستخدام "أوكرانيا ذات التوجه الغربي والمضطهدة" كقوة ثنائية لتصنيف تركيا كقوة "غير غربية" تسعى إلى مهاجمة اليونان تماماً مثلما هاجمت "روسيا البربرية" أوكرانيا.

إن رسم أوجه التشابه بين تركيا وروسيا هو تكتيك سهل لجذب انتباه القادة الغربيين وتصوير أنقرة كمعتدية في حالة حدوث أي تصعيد بين الحليفين.

إن رواية اليونان المناهضة لتركيا معيبة تماماً، حيث عارضت أنقرة علناً غزو روسيا لشبه جزيرة القرم أكثر من أي دولة أخرى، ولعبت دور وسيط ناجح في الصراع بين أوكرانيا وروسيا مع الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع كلا الجانبين.

وقد أثمرت دبلوماسية تركيا المكوكية في نهاية المطاف، فقد اتفقت الأطراف المتحاربة على توقيع اتفاق ممر الحبوب المهم في يوليو/تموز الماضي، والذي ساعد في التصدي لخطر المجاعة الجماعية في جميع أنحاء العالم.

في ضوء إنجازات أنقرة في جعل العالم مكاناً أكثر أماناً، لا تستطيع اليونان إخفاء حسدها، بل تلجأ بدلاً من ذلك إلى الأساليب البدائية الفظة في مضايقة جارتها القادرة تماماً على وضع القيادة اليونانية في مكانها الصحيح. هناك حرب تخاض على مستوى الصور والتصورات والآراء العامة. وتكفي مجرد "حوادث" بين تركيا وحلفاء آخرين في الناتو لخلق صداع لأنقرة والتي يعتبرها حلفاؤها بالفعل "عضواً إشكالياً" في الناتو بسبب طريقتها الفريدة في الحفاظ على حيادها بين روسيا وأوكرانيا.

تدرك أثينا أيضاً الرغبة الجماعية القوية، غير المقنعة على الإطلاق، في العواصم الغربية لحث تركيا ذات التسليح القوي على تغيير سياستها الحالية تجاه موسكو والتوجه نحو الغرب بشكل كامل.

إن استياء كل من واشنطن وبروكسل من علاقات أنقرة "الوثيقة جداً" مع موسكو، يمنح أثينا تفويضاً مطلقاً للتصعيد ضد أنقرة كيف ما تريد. بغض النظر عن مدى عدم توافق سلوك أثينا مع روح التحالف، فهي تعلم أن السياسة مهمة أكثر من القانون في ظل الظروف الحالية.

ونظرًاً لأن الناتو ليس في وضع يسمح له بلعب دور القاضي أو الحكم بين تركيا واليونان من الناحية القانونية، فإن الأمر متروك للإرادة السياسية للأعضاء الآخرين في الحلف لكبح جماح الأخيرة. وفي الوقت الذي لا تتخذ فيه أنقرة بعض الخطوات، فلن يكون الأمر سيئاً، كما يرون، إذا "تعرضت لبعض التوبيخ" على يد أثينا.

تدرك أثينا هذا "المزاج" في الغرب، وتستغل تداخلاً نادراً بين اتجاهين معاكسين لأنقرة هما كسب الرأي العام الدولي في حالات المواجهة مع حلفائها الغربيين وسياق الحرب في أوكرانيا، حيث يعتقد حلفاؤها الغربيون أن حيادها ليس إيجابياً، حيث يتطلب منها الموقف فعل المزيد.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي