قوات الأمن أمام إحدى المظاهرات في تونس دعماً لعودة المسار الديمقراطي.  (Zoubeir Souissi/Reuters)

سوّلَت لي نفسي ذات يوم أن أكتب أن تونس لن تشهد انقلاباً أبداً، وأن كل من يفكر في ذلك لن يجد له مكاناً بين النخبة المتعلمة والمتشبعة بوعي سياسي ديمقراطي سابق على الثورة نفسها.

وقد وجب الاعتذار عن هذا الغرور الجاهل وبدء مراجعة المسلَّمات/الأوهام التي دفعتني وآخرين إلى حسن الظنّ بالنخب في مواقعها المختلفة (الجامعة والإدارة وقطاع الأعمال وحقول الثقافة وغيرها). وأرى الآن أن الانقلاب يُحدِث صدمة وعي ضرورية تدفع بالقوة إلى تصويب الرؤية السياسية والفكرية والتوقف عن بيع وهم تميز النخبة التونسية (وهو خطاب طاب لنا ترويجه ومضاهاة العرب به).

النخب تغطت بخطاب الديمقراطية

زمن حكم بن علي كان سؤال يطوف على ألسنة كثيرة: كيف أمكن للرجل (الأمي تقريباً) أن يستقطب في صفِّه نخبة الجامعة ويمنحها الوزارات ومواقع القيادة فيروّضها فتعينه على أمره وتستر عورته الدكتاتورية وهو يصفّي بمنهجية خصماً سياسياً ثم يجهض كل الاحتمالات الديمقراطية التي بنتها هذه النخب طيلة زمن بورقيبة؟

وما كان لحكمه أن يستقر ربع قرن دون تواطؤ هذه النخبة معه ضدّ مبادئها المعلنة وشعاراتها التي روّجتها. وقد كان بعض هؤلاء أساتذتي الذين يحدثونني عن الحرية والديمقراطية كحقوق لا كهبات من السلطة، فأفقت عليهم يستأصلون الناس بأدوات الدولة الصلبة ويحسّنون شروط وجودهم الفردي.

لم ننتبه، وهذا خطأ قاتل آخر، أن هذه النخبة قد عادت رغم فضائحها إلى ترويج الخطاب الديمقراطي، وقفز كثير منها إلى قيادة ثورة ظلّ يُدينها ويسخر من الغوغاء في الشوارع حتى الساعات الأخيرة من حكم الدكتاتور.

وطيلة السنوات الإحدى عشرة من عمر الثورة لم نقرأ لأحد من هؤلاء نقداً ذاتياً لماضيه، بل تلقَّينا دروساً تعليمية في سبل بناء الديمقراطية على قاعدة الاستئصال السياسي، فضلاً عن تقييمات أخرى عنصرية وجهوية تفرّق ولا تجمّع.

لقد انكشفت وجوه النخبة عن حقيقة فاجعة أنتجت الانقلاب الذي نخضع له الآن. لقد بنت خيالاً سياسياً على محور وحيد: الديمقراطية لا تكون مع الإسلاميين أو بجوارهم أو حتى بغض الطرف عن وجودهم فوق سطح الأرض.

لقد حكموا وتَحرَّكوا معتمدين على أن وجودهم يتأسس بشرط إقصاء الإسلاميين، وإلا فلا ديمقراطية ولو بإسناد انقلاب أحمق، وهو التجسيد العملي لشعار رُفع منذ ما قبل زمن بن علي وتَكرَّس معه (لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية)، جاعلين من أنفسهم المُلَّاك الحصريين للديمقراطية، ومن سواهم عدوّاً لها.

لم يكن خطاب الحرية والديمقراطية إلا غطاءً كشفته الثورة، ولكن الكشف لم يكُن ولم يرتقِ إلى حالة وعي مضادّ لدور النخبة وطبيعة سلوكها الانتهازي الاستئصالي بالضرورة.

الإسلاميون دخلوا من الباب الخاطئ

هناك موجة عالية الآن من نقد الإسلاميين وتحميلهم وزر الفشل، ويساهم فيها كثير ممَّن تقرب منهم طمعاً في فضلهم فلم ينَل بغيته. ويظهر نقدهم كنوع من التملص وتنظيف السيرة الذاتية قبل أن تمتدّ إليه يد الاستئصال (وهو أمر متوقَّع في القريب ليصرف الانقلاب النظر عن الصعوبات الفعلية التي سيواجهها).

ولكنه نقد واقع تحت تأثير الخطاب الاستئصالي نفسه لأنه يفردهم بتحميلهم كل الأوزار والخطايا كأنهم حكموا وحدهم بلا شريك طيلة سنوات الثورة. إنه نقد من جنس النقد الذي يوجّهه الإسلاميون إلى الانقلاب، أي الإغراق في التفاصيل بلا عودة إلى أصول المشكل الحقيقي.

الباب الخاطئ الذي دخل منه الإسلاميون هو محاولتهم الاندماج في الدولة ونخبتها عبر التذلل بالديمقراطية ووسائلها لإثبات حسن النية ودحض تهم كثيرة عنهم، منها وصمهم بالإرهاب. لقد اتبعوا سبل من سبقهم من اليسار والقوميين الذين طرقوا أبواب الدولة ففتحت لهم بثمن مسخهم مسخاً تامّاً فلم يبقَ من يساريتهم ومن قوميتهم شيء يستحقّ التقدير.

لقد برّروا ذلك بأثر المذبحة التي تعرضوا لها، وظهر سعيهم إلى الاندماج كمحاولة لإنهاء المعاناة، وكان هذا تبريراً مقنعاً لهم ولكثير ممن لم يشارك في تشريدهم ولقلة تؤمن فعلاً بأن الديمقراطية ممكنة مع الإسلاميين. كذلك سكت كثيرون عن هذا المدخل ممن رغب في ركوب موجتهم إلى مواقع متقدمة فمنح نفسه لقب ممثل الديمقراطية الوحيد.

لكن هذا المدخل تَحوَّل إلى مبرّر دائم للمرابطة أمام باب الدولة المغلق بإحكام، وكان قليل من فتات السلطة يزيد وهمهم أنهم قد أفلحوا في الدخول. بل إنهم لم ينتبهوا لدخلاء في صفوفهم حوّلوا الحزب والجمهور العريض الذي صوّت لهم بخاصة في 2011 إلى مطية سهلة لمطامعهم الشخصية، حتى إن أسرار الحزب كانت تصل إلى الصحافة المعادية لهم قبل جمهور الحزب، والاستفاقة إلى أن الصفوف مدخولة لم تحدث بعد ولا نظنها ستحدث.

هل كانت لديهم حلول أخرى لمواجهة الباب المغلق؟ هذا سؤال فات أوانه، والإجابة عنه قد تدخل في باب المزايدة الثورية عليهم، أو تلقينهم الدروس من موقع فوق الربوة.

كان البقاء خارج السلطة ممكناً بعد الثورة، وكان الانسحاب والمراقبة ممكناً بعد كل انتخابات، بخاصة بعد انتخابات 2019، لكن الخيار بإمساك جزء من السلطة لحماية الحزب والتقرب من النخب أنتج مزيداً من الأخطاء السياسية، تَرتَّب عليه مزيد من الإقصاء والعزل إلى الموقع الحالي حيث يُرجَم الحزب بكل الراجمات ويُحمَّل كل الخطايا بما يعسر عودته فوق الأرض مرة أخرى ولو بقي له جمهور يسوقه إلى المظاهرات بلا أفق واضح.

لقد قدم الانقلاب درساً بليغا للإسلاميين، لكن بعد فوات الأوان، مفاده أن عشر سنوات من المشاركة في السلطة بأقدار مختلفة لم تفتح لهم باب الدولة، وأن حراس الباب هم نفس النخبة التي ذبحتهم مع بن علي وتمتعت بغيابهم.

يمكنهم أن يكتبوا بسعادة أنهم ليسوا مسؤولين عن جمود النخبة وتكلُّسها، ولكن هذا لا ينتج ثغرة في الباب المغلق بقوة هذه النخب، التي يرى كثير منها أن مجرد مكوثهم عند الباب هو خطر داهم. لذلك يجب كنسهم من أمام الباب في قادم الأيام.

وجب تنسيب أمر يتعلق بالنخبة. توجد قلة قليلة تؤمن بديمقراطية للجميع، ولكنها ضعيفة ومشتَّتة وتكافح أن لا تُصنَّف مع الإسلاميين حتى لا يطولها المحق النخبوي الديمقراطي، وأسماء كثير منها موضوعة على قائمة الاستئصال).

نهاية الوهم

لن تُبنَى الديمقراطية في تونس ولن تُكرَّس الحريات بمثل هذه النخبة الاستئصالية، ولن يُسمح للإسلاميين (ولا أي ديمقراطي) بالمشاركة فيها، سواء عدلوا من أفكارهم أو قلّصوا وجودهم الحزبي إراديّاً، بل أذهب إلى حد القول إنه لن يهدأ بال هذه النخب حتى تستعيد تجربة بن علي كاملة.

فصورة بلد فيه إسلاميون ولو كقافلة من الأيتام الخانعين تحت العتبات تزعجهم. إننا نعود في نهاية العام 2021 إلى الشعار القديم الذي كان يُروَّج في الجامعة في الثمانينيات (الإسلامي الجيد هو الإسلامي الميت).

هل ذنب المجتمعات العربية أنها أفرزت تيارات إسلام سياسي لتظلّ مرهونة بإقصائهم لتكون مجتمعات ديمقراطية؟ إن النخب التي نافقت الديمقراطية وخدعت بخطابها جمهوراً عريضاً اتبع خطاها طيلة عقود ستظلّ تغلق أبواب الديمقراطية، ولو غاب الإسلاميون لاختلقتهم لتتخذ منهم مبرراً لنكوصها الديمقراطي وخوفها الكاذب على الحريات.

إلى أين يذهب الإسلاميون؟

درس تاريخي قديم يمكن استعادته للتأمل والاعتبار. أغلب الحركات والدعوات السياسية التي عارضت حكماً استبدادياً في بلاد الإسلام فشلت فدُمرت، مَن استعمل منها السلاح ضد الدولة أو تَحوَّل المسالم منها إلى حركة صوفية تتعبد بصمت حتى الموت. وهذا الاحتمال أو الباب مفتوح أمام الإسلاميين، وهو احتمال أقرب من تغيير النخب لمواقفها منهم.

هل ينقلب الإسلاميون في تونس وفي الوطن العربي إلى حركة تَحرُّر وطني تستهدف قوى الإسناد الخارجي للنخب المتواطئة ضد أوطانها؟ هذا سؤال يصلح لكتابة رواية خيالية، ولو كان ممكنا لأطلقته الجماعة التي توشك أن تحتفل بمئة سنة على ظهورها، وقد قضت أغلبها بين السجون والمنافي. لم تمُتْ نعم، ولكنها لم تحيَ.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي