كيف نتمثل البرلمان عربيّاً؟ ما الصورة التي ترتسم عنه؟ هل يبدو مؤسسة فاعلة ومؤثرة في النسق السياسي؟ أم إنه يشكِّل عبئاً على ميزانية الشعب، ولا يعدو أن يكون في النهاية سوى آلية لتلميع الصورة"الديمقراطية"؟

مرة أخرى يرتفع سقف النقاش، السوي أو المعطوب، حول الإصلاحات الدستورية في أكثر من بلد عربي، وتتعالى الدعوات إلى إصلاح المؤسسة التشريعية، حتى تصير حاملة للمعنى الذي يبرر وجودها في البناء المعماري الدولوي، خصوصاً أن شعارات الحراك تتوجه في الغالب إلى البرلمان بكثير من النقد والتشكيك في نزاهته وانتصاره لهموم صانعيه من الناخبين البسطاء.

تتغير التسميات وتتوحد الأحوال والمآلات، فمن البرلمان إلى مجلس الشعب ومجلس الشيوخ ومجلس الأمة، ومن البرلماني إلى المستشار إلى ممثل الشعب والنائب، وما بين توصيف وآخر، نجد الكثير من التمثلات السلبية التي تتردد باستمرار عن المؤسسة وفاعليها.

ففي الشق الأكثر بروزاً تلوح ظاهرة البرلمانيين الرحل، الذين لا يجدون حرجا في استبدال البدل الحزبية من حين إلى آخر، وتلوح أيضاً ظواهر شائنة أخرى تسيء إلى الفعل السياسي عموماً، تماماً كما هو الأمر بالنسبة إلى الغياب والنوم والمناقشات العقيمة والأسئلة الملساء، التي تدفع القاصي والداني إلى طرح سؤال: لماذا تصلح البرلمانات العربية؟

ليس مفروضاً في البرلمان أن يكون منفذاً لما تريده الحكومة تماماً كما يحدث مع كثير من القضايا التي تكون محطَّ رفض شعبي.

عبد الرحيم العطري

لنتفق على أن البرلمان في تأطيره الدستوري الحالي، لا يمكن أن يؤدي دوراً أحسن من الذي يؤديه حاليّاً، ولا يمكنه في ظل شروط وظروف الانتخاب والمرور إليه أن يؤدي "مسرحية" أفضل من تلك التي يتابعها المواطن العربي بكل ألم في كل جلسة أسئلة شفاهية.

فالبرلمانات بشكلها الحالي ما هي إلا نتيجة موضوعية لتراكمات من الأخطاء السياسية التي جرّبها ويجرّبها المجال التداولي العربي، إنه نتاج واقعي للفساد الانتخابي، ونتاج واقعي أيضاً للخلل التنظيمي والتحجيم الدستوري، كما أنه محصلة نهائية لارتباكات طويلة ولحروب فادحة جُوبِهَ بها السياسي من أجل إعلاء واقعة الاستبداد.

لهذا كله لم يكُن غريباً أن يطالب شباب التغيير في النسختين الأولى والثانية للربيع العربي بحَلّ البرلمان، لأنه من جهة لا يمثِّل الشعب، ومن جهة ثانية لا يقوم بالأدوار المنوطة به دستوريّاً، كما أنه لم يتحول قط إلى مؤسسة رقابية تربك حسابات الحكومة، منتهياً إلى الاكتفاء بدور غرفة تسجيل أسئلة ووجوه وتلميع صور لا غير.

الشعب يريد إسقاط البرلمان، الشعب يريد حل البرلمان، الشعب يريد غرفة واحدة، الشعب يريد برلمانيين متطوعين لا بأجور خرافية أو بتقاعد محترم، الشعب يريد برلماناً نزيهاً.هذه بعض من شعارات رُفعت عالياً في مسيرات 20 فبراير بالمغرب وتواصلت في الجزائر وتونس ومصر والسودان، وما زالت تتردد على أوسع نطاق حتى الآن في الواقعي والافتراضي، بالشكل والمضمون الذي يؤكد أن الشعب يريد برلماناً يمثِّله فعلاً، لا "يمثل" عليه بالفهم المسرحي.

فلا الأداء السياسي الفائت صار مُجدِياً لتدبير الراهن المأزوم، ولا الراهن ذاته يسمح بانتهاج سالف الأداءات الاجتماعية والسياسية. ثمة واقع آخر يتطلب تغييرا في جوهر وشكل الفعل البرلماني، ذلك أن التحديات التي يحملها السياق الممكن والمستحيل تستلزم من كل الفاعلين السياسيين الانتباه كثيرا لخطوهم في معترك السياسة.

ليس الهاجس الانتخابي هو ما يفرض هذا التغيير، ولكنه السياق العالمي والطلب الاجتماعي المحلي، فالمواطن العربي ما عاد قادراً على مواصلة المسير في طريق ملأى بالكذب والقهر و"الاستبلاد"، إنه يريد مؤسسات قوية ذات مصداقية، تنتصر له ولقضاياه، ولا تنقلب عليه بعد انتهاء كل كرنفال انتخابي.

ما الذي تجيده البرلمانات دوماً حيال كل مشروع قانون جديد؟ إنها تكتفي بالتصفيق والمباركة، ولا تنتقل حتى إلى مستوى ردّ الفعل والمبادرة والاقتراح، فهل وجد البرلمان للتصديق على مشاريع الحكومة، أم إنه يُفترض فيه، وهذا هو الطبيعي، أن ينتج النصوص والمشاريع، ويبدع الأفكار لفائدة الراهن والمستقبل؟

لا يمكن لبرلماناتنا أن تُسقِط الحكومات أو تعدّل الدساتير. وليس بمقدورها أن تتقدم بملتمس لسحب الثقة أو عدم التصويت على الميزانيات والقوانين.

عبد الرحيم العطري

فالمطلوب هو أن تتوفّر كل هيئة سياسية، وبالضبط كل فريق برلماني، على تصوُّرات أخرى، لن نقول مضادة، ولكن مثرية ومُدِرَّة للنقاش والاقتراح، لتدعيم وتطوير المشاريع التي يقترحها البرلمان أو تُقترح عليه. فليس مفروضاً في البرلمان أن يكون منفذاً لما تريده الحكومة، تماماً كما يحدث مع كثير من القضايا التي تكون محطَّ رفض شعبي، ومع ذلك فالبرلمان ينقلب ضدّاً على الشعب، الذي يُفترض أنه يمثله، وينحاز إلى صف الحكومة.

يوماً ما قال الملك الراحل الحسن الثاني إن: "البرلمان يجب عليه أن لا يبقى متخصصاً في أعمال السيرك"، فجلسة الأسئلة الشفوية كثيراً ما تتحول إلى سيرك، تُستبدل فيه الأقنعة وتُطرح فيه الأسئلة وتُثار فيها القضايا على مقاس مُعَدٍّ سلفاً، لا يُراد منه سوى تزجية الوقت والضحك على ذقون "الغلابة" بالتعبير المصري الدالّ. ولعله السبب الرئيسي الذي جعل الذاكرة الشعبية في أكثر من بلد عربي تَسِمه بـ"بار الأمان" أو "مجلس النوام" أو "مجلس الشبوح".

يعيش أغلب الأنساق العربية على إيقاع سمته الأساس حكومات مرتبكة وأغلبيات هشة، وطلب اجتماعي ملحّ، وحنق شامل على الأداء الحكومي، بمعنى أن كل الظروف في صالح البرلمانات، ومع ذلك فعلينا أن نتوقع إسقاط الحكومة في الخيال السياسي لا غير.

فالنائب العربي "أجبن" من أن يُسقِط حكومة ترتبط معه عضويّاً، فلا يمكن لبرلماناتنا أن تُسقِط الحكومات أو تعدّل الدساتير، وليس بمقدورها أن تتقدم بملتمس لسحب الثقة أو عدم التصويت على الميزانيات والقوانين، لأنها بكل بساطة تشكل امتداداً للسلطة الحاكمة.

بالأمس القريب كانت المعارضة السياسية في البرلمان وخارجه مفتوحة على بُعْدِ الصراع حول الشرعية، فيما تبدو اليوم بمختلف ألوان الطيف، وبلا بوصلة محدِّدة للاختيارات والتوجهات. بالأمس كانت المعارضة تستند إلى إطار مرجعي آيديولوجي، فيما تبدو اليوم عاجزةً عن تحديد انتمائها الفكري ومنطقها الاستراتيجي، فما الذي حدث بين زمنين من الأداء والحضور؟

إن ما يثير في الحالة العربية هو أن البرلمانات خلال الحراك الاحتجاجي وعلى الرغم من ارتباطها بالشعب قد تخندقت في صفّ الحاكم.

عبد الرحيم العطري

كانت المعارضة السياسية حينها تشتغل في نسقين مختلفين، أولهما هو الزمن البرلماني الذي تمارس من خلاله الأحزاب المعارِضة متابعتها للتدبير الحكومي ومواجهتها له، وثانيهما هو النسق الإعلامي عن طريق الجرائد التي كانت تعمل على "تسويق" خطاب المعارضة وإعلام الجماهير به. فيما اليوم لا تلوح المعارضة تحت قبة البرلمان، غير "غرفة انتظار" في أفق الحصول على منصب أعلى، فمن يتكلم ويضرب بيديه على الطاولة ويحرج الحكومة، لا يريد إلا إعلان الحضور، من أجل الإفادة مستقبَلاً من تخريجات اللحظة السياسية القادمة.

إن ما يثير في الحالة العربية هو أن البرلمانات خلال الحراك الاحتجاجي، وعلى الرغم من ارتباطها -ولو على مستوى التسمية- بالشعب، قد تخندقت في صفّ الحاكم، ودافعت عن أطروحة الاستقرار، بل إنها لم تتردد في شيطنة وتخوين المحتجين، والدفاع في المقابل، بمزيد من "الاستبسال" والصفاقة، عن الأوضاع القائمة، ولنا في برلمانيَي العهدة الخامسة بالجزائر خير مثال.

تبدو الرسائل هذه الأيام مُثقَلة بالإشارات، تبدو مُشبَعة بالقراءات والقراءات المضادَّة، كأنها تُضمِر وتُعلِن في الآن ذاته أن الربيع العربي قد انسرق مرة ثانية، وأن قوس الديمقراطية في طريقه إلى الإقفال.

فالدولة العميقة تتجدد وتعيد بناء ذاتها من جديد، في تونس كما السودان ومصر قبلاً، ذلك أن سوء الاختيار أو تضارب المصالح وتباينها، أو بشكل أوضح تعارض منطق الحراك الشعبي وآفاقه المحتملة مع طموحات مالكي وسائل الإنتاج والإكراه، كل ذلك أتى على ممكنات الانصلاح وضيّع علينا مزيداً من فرص الانتقال السويّ نحو دولة المواطنين لا الرعايا، ونحو برلمانات الشعب لا ملحقات السلطة الحاكمة. ليست الصورة بملء السواد، ولكن ما يحدث من تجديد للسلطوية والاستبداد مخيف ومنتج للتشاؤل إن لم نقل التشاؤم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي