الحقيقة هي أن الأطراف الدّولية والإقليمية والداخلية التي اتحدت على هزيمة الثورة اليمنية، تتواجه في حرب طاحنة على جغرافيا اليمن، وما من نتيجة أخلاقية لهذه الحرب إلا التسليم بحق اليمنيين باستثمار ثورتهم وتضحياتهم لبناء دولة قوية جديرة بمكونها السكاني.

بعد ثمانية أعوام لا يتوجّب على المؤمنين بخيار التغيير في اليمن، ومن يتعاطف معهم في الإقليم والعالم، أن يتساءلوا عمّا إذا كانت ثورة الحادي عشر من فبراير/شباط 2011 قد نجحت أم لا؛ ذلك أن الجواب المنطقي على تساؤل كهذا هو بـ"نعم"، الثورة نجحت وأطاحت برأس النظام وأنتخبت رئيساً توافقياً، وأخذت الجميع معها نحو المستقبل على أساس من الشراكة الوطنية.

ما الذي حدث إذن؟ ولماذا يبدو الثوار وأنصار الثورة الأضعف قراراً على الساحة اليمنية؟ الجواب هو أن هذه الثورة واجهت حرباً، تماماً، كما هي شقيقتها في ليبيا ثورة الـ17 من فبراير/شباط، ومثلما واجه نظام ثورة 25 يناير/كانون الثاني في مصر انقلاباً، ومثلما واجهت الثورة التونسية احتواء.

الاستثنائي في الثورة اليمنية هو أنها رغم كل الأسلحة التي اشهرت في وجهها لم تهزم بعدُ، ولا تزال صامدة وتبني قوتها الصلبة، عبر الآلاف من رجال الجيش الوطني، والمقاومة، والطيف الواسع من النخب السياسية والفكرية والحقوقية، والسواد الأعظم من الشعب اليمني الواقف خلف خيار الدولة الاتحادية متعددة الأقاليم، التي أقرّها اليمنيون في مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

الاستثنائي في الثورة اليمنية هو أنها رغم كل الأسلحة التي اشهرت في وجهها لم تهزم بعدُ، ولا تزال صامدة وتبني قوتها الصلبة.

ياسين التميمي

الذين قرروا هزيمة الثورة اليمنية، ولم ينجحوا حتى الآن، لقد استخدموا الغدر والخيانة للالتفاف على الثقة الكبيرة التي وضعها اليمنيون بجارهم الشمالي (السعودية) وبمجلس التعاون الخليجي، وحينما قرروا الانقضاض على على هذه الثورة، كانت الخيانة أسوأ الأسلحة التي استخدمتها الجارة الشمالية، من بين أسلحة كثيرة وضعتها، هي والإمارات تحت تصرف أعداء الثورة من الداخل.

أقامت السعودية ومعها الإمارات غرفة عمليات في أبو ظبي لإدارة الثورة المضادة في بلدان الربيع العربي، وبرز دور الإمارات، منذ ذلك الحين معبراً عن بلد تبني نهج التطرف والعدائية الشديدة تجاه الربيع العربي وضد كل من يعتقد أن الإسلام عقيدة وأسلوب حياة ومصدر إلهام لنظام سياسي يضمن تحقيق مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة والتداول السلمي للسلطة.

وضعت الرياض وأبو ظبي نفوذهما وإمكانياتهما للقضاء على الثورة اليمنية بأية طريقة كانت، ولحسن الحظ كانت هذه الطريقة كارثيةً عليهما مثلما كانت كارثةً على اليمن وثورته؛ فقد وقع الاختيار على الحوثيين والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح وشبكة النفوذ والمصالح التي أقامها على مدى 33 عاماً من حكمه للقيام بمهمة تقويض النظام الانتقالي، بما هو المنتج السياسي الأهم لثورة 11فبراير/شباط 2011.

في ذلك الحين كان الجزء الأكبر من القوات المسلّحة، والوحدات الأكثر تدريباً وتسليحاً في الجيش والقوات الأمنية، لا يزال يدين بالولاء للنظام القديم ويتبنى أجندة المخلوع صالح.

وفي موازاة ذلك عمل الحوثيون على كسب ولاء العشرات من القادة العسكريين، واستثمروا البنية القتالية، التي تجلّت في الوحدات المدعومة أمريكياً في الجيش اليمني بهدف مكافحة ما يُسمّى بالإرهاب؛ حيث جرى الحرص على أن يكون معظم عناصرها من التركيبة القبلية الزيدية، وتمكين ضباط من فصيل الحوثي من قيادات العديد من الكتائب داخل القوات الخاصة والحرس الجمهوري المنحل، وقوات مكافحة الإرهاب التابعة لقوات الأمن الخاصة (الأمن المركزي سابقاً).

وضعت الرياض وأبو ظبي نفوذهما وإمكانياتهما للقضاء على الثورة اليمنية بأية طريقة كانت ولحسن الحظ كانت هذه الطريقة كارثيةً عليهما مثلما كانت كارثةً على اليمن وثورته.

ياسين التميمي

في تلك الأثناء كان نظام (حكم الإخوة) في السعودية يشهد أيامه الأخيرة في عهد الملك عبد الله الذي استغل حلفاء واشنطن من الليبراليين المتطرفين داخل الديوان الملكي، وبالتنسيق مع محمد بن زايد في أبو ظبي، استغلوا الحالة الصحية للملك لتبني مواقف أحدثت تحولات خطيرة في النمط المعهود لهذا النظام الذي اتسم بالمحافظة وعدم المجابهة والنزوع نحو احتواء الخلافات ومواجهة التطورات الإقليمية الخطيرة بطرق عديدة غير هذه العدائية السافرة والمجرّدة من قيم الدولة السعودية المحافظة على نحو ما شهدناه من موقف ضد الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا وتونس واليمن.

كانت النتيجة المباشرة لهذا التبدل الحاد في الموقف السعودي هو أن الملك أعطى الضوء الأخضر لانطلاق الثورة المضادة استناداً إلى الإمكانيات السعودية الهائلة المالية والعسكرية والدعائية وشبكة التحالفات الدولية المساندة.

ومن طهران كان نظام الملالي يرقب باهتمام وارتياح بالغين المخطط السعودي الذي اختار أهم أدوات إيران (الحوثيين) لتنفيذ الثورة المضادة في اليمن، والذين كانوا قد أُعدّوا بشكل جيد، ونُسجت حول ما يسمون أنفسهم (أنصار الله) شبكة من الولاءات عبر عامين من عمل المخابرات الإيرانية وعناصر حزب الله في ساحات التغيير والحرية في مختلف أنحاء اليمن، والهدف النهائي بالنسبة لإيران هو قيام ثورة إسلامية برأس واحد وقائد واحد هو عبد الملك الحوثي، على غرار النموذج الإيراني، واستنساخاً لتجربة حزب الله في لبنان.

حينما تُوفي الملك عبد الله، خلفه أخوه العاهل السعودي الحالي سلمان بن عبد العزيز، الذي قرر على ما يبدو تقويض نظام الوراثة الأخوي، ونصب ابنه البكر من إحدى زوجاته الأثيرات لتولّي منصب رئيس هو وزارة الدفاع، ثم سرعان ما أصبح ولياً لولي العهد، ثم ولياً للعهد مدعوماً من مخطط أمريكي نفذه ترامب باهتمام كبير من وحي التأثير الذي مارسه محمد بن زايد وسفيره المثير للجدل في واشنطن يوسف العتيبة.

ولأن التطورات الميدانية التي تلت سقوط صنعاء من قبل الحوثيين قد سارت على عكس ما خططت له الرياض، وباتت إيران هي صاحبة النفوذ الأقوى في صنعاء، قرر الملك سلمان التدخل العسكري في اليمن لتحجيم ذلك النفوذ ولتحقيق جملة أهداف من بينها خلق ظرف استثنائي في المملكة يسمح لنجله الطموح في الحكم من بلوغ أهدافه متجاوزاً السلسلة الطويلة من الأمراء النافذين في العائلة.

التطورات الميدانية التي تلت سقوط صنعاء من قبل الحوثيين قد سارت على عكس ما خططت له الرياض، وباتت إيران هي صاحبة النفوذ الأقوى في صنعاء.

ياسين التميمي

ومنذ فجر السادس والعشرين من مارس/آذار 2015، بدأ التدخل العسكري الواسع في اليمن من حلف عربي تقوده السعودية، وعند هذه اللحظة اشتبك أعداء ثورة الحادي عشر من فبراير، في مواجهة جرفت نفوذ صالح وأنهته تماماً من الساحة السياسية، ودمّرت الإمكانيات العسكرية الهائلة للسلطة الانقلابية التي يهيمن عليها الحوثيون في صنعاء، وبدأ أنصار الثورة يتنفّسون الصعداء، فلملموا شتاتهم وتجمعوا فيما يمكن تسميتها بـ(قواعد المقاومة) النواة التي تأسست منذ وقت مبكر في كل من تعز ومأرب والجوف.

وعبر ثماني سنوات من المواجهات أكثر من نصفها كانت عسكرية، امتلك أنصار الثورة البنية اللازمة للقتال على قاعدة استعادة الدولة والحفاظ على قيم ومبادئ وأهداف الثورة، وبعد نحو أربع سنوات من الحرب المدمرة، انكشفت نوايا الرياض وأبو ظبي، وبات واضحاً أنهما يغرقان أكثر في المستنقع اليمني، على نحو يحسن معه توجيه السؤال إلى الصيغة التالية: هل نجحت الثورة المضادة في اليمن في تحقيق أهدافها؟

بالتأكيد لم تنجح حتى الآن بالقدر الذي لم تسقط فيه ثورة فبراير/شباط، لكن الحقيقة التي لا يتوجب إغفالها هي أن الأطراف الدّولية والإقليمية والداخلية التي اتحدت على هزيمة ثورة فبراير/شباط، ها هي تتواجه في حرب طاحنة على الجغرافيا اليمنية، وما من نتيجة أخلاقية لهذه الحرب إلا التسليم بحق اليمنيين في استثمار ثورتهم وتضحياتهم لبناء دولة قوية جديرة بمكونها السكاني الأكبر في الجزيرة العربية وبإمكانياتها الجيوسياسية الأهم في المنطقة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي