هناك مغالطة شائعة أن الاستبداد العلماني، مهما كان سيئاً، فهو يجري ضمن نطاق محدد ولا يشوّه الأديان، وبأنه أقل ارتكاباً للفظائع. وهذا الكلام في الحقيقة هو حزمة من المغالطات المخلّة، وقلة معرفة بمعنى كلمة "دين" وبمعنى كلمة "علمانية".

الاستبداد الديني ذاته لم يعد يعني الاستبداد المنسوب أو المرتبط بالأديان التقليدية "اليهودية والمسيحية والإسلام" بكل مذاهبها وتفسيراتها، بل إن هناك أدبيات كثيرة جداً حول العلم في ثقافات مختلفة تعتبر "الدين" مجموعة من الصفات والخصائص المحددة حينما ترتبط بمحددات وأيدلوجيات ومبشرين ومؤمنين يصبح كل ذلك ديناً جديداً، حتى وإن سمى نفسه "علمانياً" أو "حداثياً" أو ما يشاء.

وحينما تم استثناء أصحاب الديانات من بعض الخدمة العسكرية الإلزامية في أمريكا قررت المحكمة العليا -وهي أعلى محكمة- بأن الملاحدة واللادينيين والعلمانيين المرتبطين بمبادئ وأدبيات محددة وراسخة ويقينية ينطبق عليهم هذا الوصف الديني. وحاولت المحكمة أن تقدم لهم وصفاً مشتركاً مع أصحاب الأديان التقليدية بأنهم "أصحاب الضمير".

التفريق بين استبداد ديني ذي صبغة تقليدية واستبداد ديني آخر يسمي نفسه علمانياً أو حزبياً أو أيدلوجيا تفريق لا قيمة له ولا حقيقة.

عبد الله العودة

ومحكمة أخرى في كندا قررت شيئاً شبيهاً في اعتبار ملاحدة وعلمانيين مختلفين أصحاب ديانات لأنهم يحملون ذات الخصائص والطبائع.

لذلك جرى تقديم دراسات وكتب كثيرة في معنى الدين، وبالتالي الاستبداد الديني هو الاستبداد المرتبط بهذا وذاك.

إذاً، حينما نقول الاستبداد الديني فإن كثيراً مما يتم تصنيفه تقليدياً كاستبداد علماني هو استبداد ديني آخر بهذا المعنى، وحتى إذا قلنا إجرائياً بأنه "استبداد علماني" فإنه في النهاية يحمل ذات الجراثيم المهلكة والأدواء الخطيرة المرتبطة بالقمع والوحشية والفتك والتفسير الطائفي وممارسة التعذيب الممنهج والتلذذ بقتل الآخرين.

الاستبداد الديني (بشقّيه: المسمى علمانياً، والآخر الديني التقليدي) يعتقد بأن وجود التيارات الدينية الأخرى بحد ذاتها مشكلة عويصة، ويتعامل معها وجودياً كخطر يجيز استخدام العنف ضدها. واستخدام آليات الدولة واستخدام الأجهزة الأمنية وممارسات التعذيب والقمع والاضطهاد للتيارات المخالفة والمختلفة لمجرد انتماءاتها الفكرية أو الأيدلوجية أو خياراتها الدينية أو مذاهبها. وهذا الشيء يفعله العلماني تماماً مثل الديني وبالمستوى والبشاعة ذاتهما.

ومن هنا فإن هذه الممارسة القمعية للآخر شيء واحد يمارسه الطرفان بنفس المستوى والدوافع. ولذلك فالتفريق بين استبداد ديني ذي صبغة تقليدية، واستبداد ديني آخر يسمي نفسه علمانياً أو حزبياً أو أيدلوجيا تفريق لا قيمة له ولا حقيقة.

الاستبداد الديني الحداثي المعادي للأديان التقليدية -على سبيل المثال- لديه "طوطمه" الخاص ووثنيته المستقلة، وكتبه "الأرضية" المقدسة ومبادئه غير القابلة للجدل والنقاش، بل والتي تودي بك للكفر العقلي -إذا صحت العبارة.

العمل الاستبدادي السياسي الصلب يصنع دينه ويصبح استبداداً دينياً مهما غلّف نفسه بالحزب والمجموعة والأيدلوجية.

عبد الله العودة
فهناك نواقض خاصة للإيمان العقلي بهذا الاستبداد "العقلاني!" الذي قد يتعامل مع وجود أحزاب ذات أيدلوجيات معينة ويقبل بها. ولكنها أحزاب لها انتماءاتها الفكرية الشبيهة تماماً بطبيعة الحركات الدينية التقليدية. بل واللصيقة في طريقتها الحزبية والتنظيمية، بل وربما تبادلت التأثر والتأثير في فترات مختلفة. هنا نستطيع القول إن العمل الاستبدادي السياسي الصلب يصنع دينه ويصبح استبداداً دينياً مهما غلّف نفسه بالحزب والمجموعة والأيدلوجية. فلكل حركة قرآنها!

القصة أن الاستبداد عمل لا أخلاقي قد يمارسه الديني تقليدياً كما يمارسه العلماني الذي يحمل ذات الخصائص الدينية في استبداده، وقد يتم استهداف شريحة لأنها متدينة بشكل ما أو منتمية لحركة دينية ما أو مرتبطة بمجموعة سياسية ما، كما قد يتم استهداف شريحة أخرى لأنها غير متدينة بشكل ما أو منتمية لحركة دينية ما أو مرتبطة بمجموعة سياسية ما.

المستبدون إخوة لعلّات واحدة يمارسون ذات الطبائع والخصائص، وقد يختلفون في المسميات وطبيعة ترويج أيدلوجياتهم أو التبرير لعمليات الإقصاء والاستبعاد للمختلفين الفكريين أو الحركيين.

التطرف في فهم الدين والتطرف ضده يحمل نفس الفهم للدين الذي يعني العنف والإرهاب.

عبد الله العودة

المستبدون اللادينيون -على سبيل المثال- هم أكثر من يروج للمستبدين الدينيين؛ لأن هذا الترويج هو الشيء الوحيد الذي يعطيهم الأمل بالحياة والوجود، والصراع، والبقاء في واجهة الأحداث على حساب الأخلاق والناس والشعوب.

والمستبدون اللادينيون هم أكثر من يعبّر عن الاستبداد الديني ويسلّط الضوء حوله ويحاول أن يقنعك بأنه يشكّل الشريحة الأوسع داخل المتدينين المستهدفين؛ لأن ذلك يعطيه الإحساس الهش بالأهمية في الحياة ويعطيه الإحساس الكاذب بالنضال ضد اللاشيء.

ولذلك شخصياً أحمل قناعة قديمة بأن التطرف في فهم الدين والتطرف ضده يحمل نفس الفهم للدين الذي يعني العنف والإرهاب. لكن الفريق الأول آمن به خطأً وقبل به وطبقه بكل عنجهية؛ بينما الفريق الآخر آمن بهذا الفهم كفهم صحيح للدين، ولأجل ذلك رفضه كمشروع حياة. فهو لا يريد للآخرين الإيمان به. لأنه يعني بالضرورة –بالنسبة له- حمل كل تلك العنجهية والإرهاب والتطرف.

وفي كل ذلك، يبقى الاستبداد بكل أنواعه وأشكاله يراقص من يدعمه سواء كان علمانياً أو دينياً. ويبقى الاستبداد حياً قوياً كلما وجد من يبرره بحجة أنه "استبداد مختلف"، استبداد له مشروع علماني (ديني غير تقليدي) يحلق ذقنه وشاربه، أو استبداد ديني (تقليدي) يلبس جبّة وعمامة. الاستبداد لا ينظر إلى صوركم وأشكالكم ولكن ينظر إلى أعمالكم وتصرفاتكم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي