مظاهرات أمام البيت الأبيض تنديداً بالحرب الروسية على أوكرانيا (Jose Luis Magana/AP)
تابعنا

قد يرى البعض بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربما يكون قد دخل في مغامرة غير محسوبة ردا على استفزازات أميركا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) على حدوده الغربية مع أوكرانيا، إلا أن العديد من المؤشرات تعزز تقديرا آخر يعتبر أن تصرف القيصر الروسي ناتج عن تراجع الهيمنة الأميركية على العالم، وبالتنسيق مع المارد الصيني، لإنهاء حالة القطبية الواحدة التي سادت العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وكان من أبرز تجلياتها الهزيمة والانسحاب الأميركي من أفغانستان.

ولا يبدو أن بوتين في وارد التراجع أو المساومة على هدف كسر الاستفراد الأميركي بالعالم، والتوصل عبر القوة العسكرية لتسوية ترضي طموح روسيا بوقف تمدد الناتو لحدودها، والذي يستهدف الكينونة الروسية ذاتها ويضع روسيا تحت رحمة الغرب، وإلا فقد يلجأ لشن حرب نووية أو استهداف أوروبا بالأسلحة التقليدية.

ولا يبدو أن هناك أي فرصة لتراجع بوتين في معركته المصيرية، ما يشير إلى أن نظام القطبية الواحدة لن يبقى على حاله بصرف النظر عن مآلات التصعيد الحالي.

تآكل الهيمنة الأميركية

وجاء الانسحاب الأميركي من أفغانستان ليخلق معضلات وتحديات كبيرة للولايات المتحدة ويفقدها مصداقيتها وبعضا من نفوذها لدى حلفائها.

ففي غمرة تركيز واشنطن على مواجهة تنامي القدرات الصينية الاستراتيجية والاقتصادية، فقد تراجعت اهتماماتها في في روسيا وكوريا الشمالية والشرق الأوسط والمنطقة العربية ومواجهة الإرهاب.

واعتبرت واشنطن أن أولويتها القادمة هي المعركة المصيرية مع الصين، حول قضايا كالعجز في الميزان التجاري بين الدولتين، وحقوق الملكية الفكرية، والأمن القومي الأميركي، ومواجهة زيادة الأذرع الاقتصادية والاستراتيجية الصينية في مناطق النفوذ التقليدية الأميركية.

هذه السياسة، وبعد هزيمة أفغانستان أدت لتضعضع مكانة الولايات المتحدة لدى عديد من دول المنطقة، ودفعتها للجوء لقوى دولية أخرى مثل روسيا للحصول على السلاح، وخذلان واشنطن في مواقف سياسية تحتاجها في صراعاتها للحفاظ على مكانتها وهيمنتها.

وجاءت الأزمة مع روسيا لتكشف هذا الأمر، فامتنعت الإمارات عن التصويت في مجلس الأمن لصالح قرار يدين الاحتلال الروسي لأوكرانيا، كما تجنب ولي عهد أبو ظبي توجيه أي انتقاد لموسكو مكتفيا بالتأكيد لبوتين على ضرورة الحل السياسي للأزمة. وجاء ذلك بسبب إحباط أبوظبي من موقف واشنطن غير الحازم من الهجمات الحوثية على الإمارات، وتعطيل صفقة طائرات F-35.

ورفض الكيان الصهيوني الحليف الأكبر لواشنطن الموافقة على طلب أوكرانيا تزويدها أنظمة دفاعية وليس هجومية، مثل الخوذ الواقية والسترات لمواجهة الدبابات الروسية.

وينطلق الموقف الإسرائيلي من اعتبارات عدة أهمها ضمان استمرار موافقة روسيا على هجمات الطيران الإسرائيلي على مواقع سورية وإيرانية في سوريا، بل إنهم يتخوفون من السماح لدمشق باستخدام منظومة صواريخ S-300 وS-400 المتطورة.

ورفضت السعودية حتى الآن مطالب الولايات المتحدة لزيادة معدلات إنتاج النفط والمساعدة في وقف زيادة أسعاره التي وصلت إلى نحو 120 دولار للبرميل الواحد، في محاولة لصيانة موقف أوبك+ وتحالفها مع موسكو للحفاظ على أسعار النفط!

ووجدت واشنطن صعوبة في التأثير على الموقف السعودي بسبب مقاطعة الرئيس الأميركي جو بايدن لولي العهد السعودي محمد بن سلمان وتجاهله عقابا له على دوره في مقتل الصحافي جمال خاشقجي عام 2018. الأمر الذي سهل على بن سلمان مناكفة واشنطن وعرقلة بعض مساعيها في المنطقة دون رد أميركي حاسم.

ومن ناحية أخرى عاكست الهند حليفها أميركا، ورفضت مساندة قرار إدانة روسيا في مجلس الأمن بسبب علاقاتها العسكرية الوثيقة مع روسيا، كما امتنعت هي وباكستان أيضا عن تأييد قرار مماثل في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

انقضاض روسي صيني

ويبدو أن محاولة الانسحاب الأميركية من الملفات الاستراتيجية الأخرى خلق إشكالات للولايات المتحدة شوشت بدورها على تركيزها المفترض على الصين.

وجاء انفجار الأزمة الروسية ليفرض نفسه على أجندة واشنطن دون أن تتمكن من حشد كل إمكاناتها في مواجهة هذا التحدي الكبير.

وكانت روسيا استبقت الأزمة بتعزيز علاقاتها مع دول المنطقة والخليج والاستفادة من الانسحاب أو التراجع الأميركي فيها.

واستطاع الرئيس الروسي تحقيق نفوذ في المنطقة العربية، من خلال تزويد بعض دول الخليج بالسلاح الذي تقول إنها تحتاجه في مواجهة ما تعتبره الخطر الإيراني، كما تدخل في سوريا لدعم النظام هناك، وفي ليبيا لدعم الانقلابي حفتر في مواجهة النفوذ الأميركي في المنطقتين، بل وحقق نجاحات أيضا على حساب أميركا. وها هو الآن يسعى لفرض دور روسيا كقوة دولية تسعى لاستعادة دورها والدفاع عن مصالحها الحيوية بالقوة العسكرية المتفوقة.

أما الصين، فسعت لنسج علاقات سياسية مهمة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، مستخدمة بذلك قدراتها الاقتصادية وقوة منافستها واستثماراتها في هذه المناطق بما يزيد التهديد للمصالح الأميركية المنتشرة في العالم.

وتحاول الصين الآن في الأزمة الحالية تأكيد رغبتها في استعادة تايوان وضمها، وقد تستغل الأزمة الحالية للتحرك العسكري تجاهها، ما يزيد التعقيد أمام واشنطن في مساعيها لتحجيم الزحف الصيني الحثيث لتبوء مقعد الصدارة في قيادة العالم على حساب أميركا.

ومن الملفت للانتباه هو بدايات صحوة أوروبا باتجاه تقليل الاعتماد على أميركا في مواجهة التهديد الروسي على حدودها، متمثلا بإرسال المساعدات العسكرية المباشرة لأوكرانيا.

الدور الاميركي في المنطقة

سيؤثر الغزو الروسي لأوكرانيا على طبيعة المعادلة الدولية القائمة، ولكن حجم هذا التغيير يعتمد على النتائج المترتبة على الأزمة الحالية. فقد تنشب حرب عالمية ثالثة يحاول فيها الطرفان تجنب استخدام الأسلحة النووية، ولكنها قد تتدحرج لحرب نووية لا تبقي ولا تذر.

قد يصحو العالم على تغييرات هائلة، وقد يتم إيجاد حلول للأزمة، قد تكون لصالح روسيا، أو تتطور الأزمة لحرب استنزاف تتطور لأحداث دراماتيكية تستنزف الشرق والغرب.

وقد يكون السيناريو الذي وضعه المحلل السياسي الروسي، ألكسندر نازاروف متشائما جدا، ولكنه يفتح الأفاق على خطورة الأزمة الحالية، إذ يقول إنه "بالنظر إلى تسارع الأحداث، أتوقع نشوب حرب نووية، أو على الأقل وضعا ملتهبا، يقف فيه العالم على شفا حرب نووية، في موعد لا يتجاوز الصيف، وربما قبل ذلك".

ويبرر ذلك بالقول "كلما تسارع الوضع الاقتصادي في التدهور(في روسيا)، اقتربنا من حرب نووية".

وهناك شك بأن تنجح العقوبات الغربية في منع بوتين من تحقيق مسعاه لإخضاع أوكرانيا. فهذه العقوبات لم تنجح في التأثير في سياسات دول إمكاناتها أصغر من روسيا، كالعراق في عهد الرئيس صدّام حسين، وكوريا الشمالية وإيران وسورية. ويعدّ الاقتصاد الروسي، من حيث الحجم، الحادي عشر عالميًا، بقيمة 1.7 تريليون دولار.

وبصرف النظر عن السيناريو المرجح، إلا أنه من المؤكد أن القطبية الأحادية الأميركية لم تعد قائمة، بل إن المعادلة الغربية والشرقية بأسرها باتت رهينة لكبسة الزر النووي الروسي وردود الفعل الأميركية المرتقبة عليها.

غير أنه من المهم أن تكون منطقتنا مستعدة لاستدراك مكانتها المتأخرة في العالم والمرتهنة للنفوذ الأميركي الداعم للاحتلال الإسرائيلي.

سيفتح الوضع الجديد ثغرة في جدار التفوق الأميركي، ما قد يؤدي إلى تراجع المكانة الاستراتيجية للكيان الصهيوني في المنطقة، ويتيح بالتالي التحلل من التطبيع معه، وإعادة النظر في تحالفات بعض الدول معه. كما سيعطي مساحة أكبر لقوى المقاومة للتقدم خطوات في مواجهة الاحتلال ونبذ مشاريع التسوية والسلام معه.

ولا بد من استثمار الفرصة لإعادة الاعتبار لتطلعات الشعوب نحو الحرية والديمقراطية، ومواجهة الأطماع الاستعمارية في المنطقة وما يرتبط بها من أنظمة حكم مرتهنة لها، وإعادة الاعتبار للإرادة الشعبية التي تطلق طاقات الأمة في بناء الدول والحكومات المتماهية مع شعوبها، وفي مواجهة العدو المشترك متمثلا بالاحتلال الصهيوني.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي