على الرغم من مضي أكثر من أربعة أشهر على حملة قوات النظام السوري المدعومة روسيّاً على مناطق سيطرة المعارضة في ريف حماة الشمالي، فإن الأسبوعين الأخيرين شهدا اختلالاً واضحاً في موازين القوى الميدانية لصالح قوات النظام.

هذا الاختلال في ميزان القوى سمح لقوات النظام بالتقدم وصولاً لمدينة خان شيخون جنوبي إدلب، ما يعني تطويق ريف حماه الشمالي وسقوطه عسكرياً بيد قوات النظام.

ما عقّد المشهد بالنسبة لأنقرة هو وجود نقطة المراقبة العسكرية التركية التاسعة والمتمركزة قرب بلدة مورك ضمن المناطق التي ستسقط عسكرياً بيد النظام، الأمر الذي سيترك نقطة المراقبة التركية والتي تضم قرابة 150 جندياً محاصرةً، ويضع تركيا في موقف صعب.

هذا التراجع السريع لقوات المعارضة ما كان ليحدث لولا التدخل الفعلي على الأرض للقوات الروسية الخاصة، والتي اتبعت تكتيكاً مباغتاً من خلال تبني أسلوب العمليات الليلية والتي تتمتع فيها القوات الروسية بالتفوق التقني. المشاركة الروسية الفعلية على الأرض تم تأكيدها من قبل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي أكد أن الجنود العسكريين الروس موجودون على الأرض في إدلب.

التراجع السريع لقوات المعارضة ما كان ليحدث لولا التدخل الفعلي على الأرض للقوات الروسية الخاصة والتي اتبعت تكتيكاً مباغتاً من خلال تبني أسلوب العمليات الليلية.

بلال سلايمة

حالة التصعيد التي تشهدها إدلب، تأتي في سياق تهاوي اتفاقية تثبيت خفض التصعيد الموقعة بين الجانبين التركي والروسي في سبتمبر/أيلول الماضي؛ حيث أصبح من الواضح أن الاتفاقية قد انتهت مدة صلاحيتها، على الأقل بالنسبة للجانب الروسي، كما انتهت صلاحية أخواتها الثلاث سابقاً في كل من ريف دمشق وشمالي حمص ودرعا.

وعلى الرغم من محاولات تركيا التمسك بالاتفاقية وإطالة عمرها، إلا أن التصور التركي لمستقبل إدلب ومقاربتها في التعامل مع هيئة تحرير الشام لم تكن مقنعة بالنسبة لروسيا.

حيث ترى روسيا أنها أعطت تركيا فرصة أطول من اللازم للقضاء على هيئة تحرير الشام ولفتح طريقي حلب-اللاذقية وحلب-دمشق الدوليين أمام الحركة التجارية، ما يسمح بإعادة دمج مناطق سيطرة المعارضة في إدلب ومحيطها بمناطق سيطرة النظام السوري.

على الجانب الآخر، ساهم إتمام تركيا لصفقة شراء نظام الدفاع الصاروخي S-400 من روسيا من جهة، وتوصل تركيا إلى اتفاق بالخطوط العريضة مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن شرق الفرات من جهة ثانية في تضييق مساحة حركة تركيا في مواجهة روسيا.

حيث مثلت صفقة S-400 وإمكانية التعاون في شرق الفرات أوراقاً بيد تركيا للمساومة أمام الضغط الروسي في إدلب، وقد أصبحت تركيا بفقدهما مكشوفةً أمام اللاعب الروسي، خاصة في ظل غياب أي دعمٍ واضحٍ للموقف التركي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية أو دول الاتحاد الأوروبي.

الانكشاف التركي أمام روسيا في إدلب، والذي يتمظهر على الأرض بتقدم قوات النظام وصولاً لحصار نقاط المراقبة التركية، يضع تركيا أمام خياراتٍ صعبة؛ إما عبر التصعيد بالمثل وصولاً لمواجهة شاملة مع روسيا وقوات النظام، أو الانحناء للعاصفة.

أمام هذين الخيارين تحاول تركيا أن تسلك طريقاً وسطاً مفضلةً عدم التسليم للضغط الروسي ولا لتقدم قوات النظام على الأرض، لكن مع مراعاة ألا تذهب نحو مواجهة مفتوحة وتصعيدٍ غير مدروس.

هذا الموقف التركي الذي حاول التوسط بين الخيارات كان واضحاً من خلال رفض تركيا لإخلاء نقطة المراقبة العسكرية التركية التاسعة قرب مورك، رغم احتمالية محاصرتها من قبل قوات النظام. لكن تركيا، وفي الوقت ذاته، تجنبت الدخول في مواجهة مفتوحة مع النظام أو تصعيدٍ مع روسيا، حتى وإن كان من باب الرد على القصف الذي تعرض له الرتل العسكري، والذي راح ضحيته مقاتلون من المعارضة السورية كانوا برفقة الرتل العسكري.

تتراوح إذن سياسة تركيا بين التسليم بنقطة المراقبة أو التصعيد. هذا ما يعكسه، وبشكل رمزي، إرسال الجيش التركي رتلاً عسكرياً نحو نقطة المراقبة التاسعة لتعزيزها؛ حيث توقف هذا الرتل شمالي منطقة خان شيخون قبل الوصول إلى الهدف المطلوب، ولم يحدث أن ردت تركيا على النيران التحذيرية التي اقتربت من الرتل ولم تُصبه على الرغم من سقوط بعض الضحايا من المدنيين والمقاتلين السوريين التابعين للمعارضة.

تحاول تركيا أن تسلك طريقاً وسطاً مفضلةً عدم التسليم للضغط الروسي لكن مع مراعاة ألا تذهب نحو مواجهة مفتوحة وتصعيدٍ غير مدروس.

بلال سلايمة

وبالرغم من تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو بأن تركيا"لا تنوي نقل نقطة المراقبة التاسعة في إدلب إلى مكان آخر"، في ردٍ على تسريبات صحفية تحدثت عن عرض روسي لإخلاء النقطة العسكرية التركية إلى مناطق شمالي حلب، (وليس إلى نقاط عسكرية أخرى في إدلب!)، إلا أن قدرة تركيا على الإبقاء على هذه النقطة في حال سيطرة النظام على كافة المناطق المحيطة هي محل شكّ، إلا في حال فتح أنقرة قنوات تواصل ميدانية مباشرة مع النظام السوري.

في ظل انحسار مساحة تركيا للمناورة أمام روسيا وغياب أي دعم دولي للجانب التركي قد يساهم في موازنة الضغوط الروسية، يبدو من الواضح أن سياسة التموضع بين التصعيد والتسليم التركية في إدلب هي سياسة غير مستدامة على المَدَييْن المتوسط والبعيد، خاصةً في ظل حسم روسيا خياراتها وكشفها عن دعهما المباشر لحملة النظام والذي جاء على لسان الرئيس الروسي بوتين نفسه.

أما خيارات التصعيد، وإن كانت متاحة بالنسبة لأنقرة، خاصة مع قرب قاعدة حميميم العسكرية، المقر الرئيسي للقوات الروسية في سوريا، من مناطق المعارضة السورية، إلا أن مخاطر وكلفة هذا التصعيد قد تكون كبيرة وغير محسوبة بالنسبة لأنقرة. فضلاً عن أن الدخول في مواجهة مفتوحة مع روسيا، في ظل انحسار المعارضة السورية سياسياً وعسكرياً، لا تبدو ذات جدوى على الصعيد الاستراتيجي.

على المدى القريب يبدو أن تركيا ستستمر في محاولة تبنّي سياسة التوسط بين ثنائية التسليم والتصعيد، ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. ولعل قيام تركيا بإنشاء نقطة عسكرية جديدة شمال خان شيخون هو أحد تمظهرات هذه السياسية. لكن على المدى المتوسط، وفي ظل انحسار مساحة المناورة وانكشاف تركيا أمام روسيا ميدانياً، ستضطر تركيا لحسم خيارها والذي يُستبعد أن يكون باتجاه التصعيد.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي