تقاطعت أنانية دول ما يسمى بتحالف دعم الشرعية في اليمن مع سياسة ترمب التي لا تكترث لضحايا الاقتتال الدائر في منطقتنا من اليمن إلى ليبيا، والنتيجة أعداد هائلة من الضحايا المدنيين دون التفات إلى إنسانيتهم.

ما فتئ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقدم نفسه طيلة السنوات الثلاث من زمن حكمه بصفته الرئيس الأقوى والأكثر حزماً في أمريكا. لكنه لم يبرهن على شيء من هذه الادعاءات، بل أثبت أنه أكثر رؤساء أمريكا تردداً في القرارات المصيرية، وتناقضاً في مواقفه السياسية حيال قضايا المنطقة. والأمر ينطبق على نتائج حربه التجارية ضد شركاء بلاده الرئيسيين من أنقرة إلى بكين.

فقد تراجع ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران كان قد قرر توجيهها إثر إسقاط القوة الجوية الإيرانية طائرة أمريكية مسيرة تعد من أكثر أنواع الطائرات المسيرة تقدماً وكلفة، في أثناء تحليقها فوق المياه الإقليمية لإيران بالقرب من مضيق هرمز، وذلك بدواعي الحرص على عدم سقوط ضحايا قدَّرَهُم قادته العسكريون بنحو 150 مدنياً.

وفي الآن ذاته يواصل هذا الرئيس منح التغطية الكاملة لحرب التحالف العسكري السعودي-الإماراتي في اليمن الذي ينخرط في حرب مفتوحة وبدون أفق منذ نحو خمس سنوات، ساهمت حتى الآن في حصد أكثر من 91 ألف مدني وفقاً لتقديرات أممية، وهو رقم لا يزال أقل من الرقم الحقيقي لعدد الضحايا الذين سقطوا خلال حرب الخمس السنوات الماضية.

يتباهي الرئيس الأمريكي بأنه أجبر السعودية على دفع أكثر من 450 مليار دولار، مقابل شراء الأسلحة من الولايات المتحدة، وطيلة فترة حملة انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونغرس، كان الرئيس ترامب يردد عبارات مهينة بحق القيادة السعودية ويكرر أنه هو الذي يوفر لها ضمانة البقاء في خضم التهديدات الإقليمية بفعل الأسلحة التي تزودها أمريكيا للقوات المسلحة السعودية.

ولعل الجميع قد تابع كيف اضطر هذا الرئيس أن يستخدم حق النقض ضد قرار اعتمده مجلس النواب الأمريكي يقضي بوقف الدعم العسكري الذي تقدمه واشنطن للسعودية على خلفية الحرب العبثية التي تخوضها السعودية، ولم تحقق أياً من أهدافها حتى اليوم.

لم تكن حجته الوحيدة في مواجهة موقف المشرعين من المجلسين (الكونغرس والشيوخ)، سوى أنه لا يريد أن يخسر المليارات التي تصل إليه من الخزينة السعودية مقابل صفقات الأسلحة.

لم يُظهِر هذا الرئيس في أي من تغريداته التي لا تتوقف، تعاطفاً واضحاً مع ضحايا الحرب في اليمن الذين يسقطون جراء القصف الجوي للتحالف والقصف البري العشوائي الذي ينفذه المتمردون الحوثيون ضد التجمعات المدنية، ولم يبد قلقاً حيال دورة العنف التي تحصد آلاف اليمنيين.

يستهين الرئيس ترامب بدم اليمنيين في الوقت الذي يُظهِر فيه إنسانية مبالغاً فيها تجاه مدنيي إيران.

ياسين التميمي

وعوضاً عن ذلك أبقى ترامب على إرث الإدارة الأمريكية السابقة من السياسات المغلفة بمواقف آيديولوجية واضحة حيال ما يجري في اليمن. إذ دأبت تلك الإدارة على إظهار التعاطف والتشجيع للنشاط المسلح للحوثيين في شمال غرب البلاد، في سياق توجُّه عامّ كان يضع الحوثيين ضمن دائرة النفوذ الإيرانية في المنطقة التي تقود صراعاً ذا طبيعة طائفية مع الكتلة السنية المهيمنة.

التغيير الوحيد الذي حدث في سياسة إدارة ترامب هو أنه اتجه إلى ممارسة الابتزاز المكشوف للسعودية عبر ورقة الحرب في اليمن، من خلال التعاطي مع الحوثيين باعتبارهم جزءاً من المشروع الإيراني المنبوذ في المنطقة والمرشح لضربة عسكرية، دون أن يحدث أي تغيير في طبيعة السياسة الأمريكية التي لا تزال تتعاطى مع الحوثيين باعتبارهم جزءاً أصيلاً من الحل وطرفاً مؤثراً في توجيه الأحداث ضمن التسوية المستقبلية المفترضة للأزمة والحرب في اليمن.

تقاطعت أنانية دول ما يسمى بتحالف دعم الشرعية في اليمن مع سياسة ترامب التي لا تكترث لضحايا الاقتتال الدائر في منطقتنا من اليمن إلى ليبيا، ليتكرس هذا المشهد العبثي للحرب الدائرة في اليمن، حيث يسقط آلاف الضحايا دون أن أي حسم يحقق الأهداف الأخلاقية والإنسانية للحرب، أو تغيير مؤثر في مواقف الدول الغربية الداعمة لهذا التحالف المرتهنة بشكل مخجل لصفقات التسلح المربحة التي تبرمها هذه الدول مع الرياض وأبو ظبي.

ما يحدث في اليمن هو القتل المادي والمعنوي للدولة والشعب معاً بعد أن تحول مسار الحرب في هذا البلد إلى قتال بالوكالة لا علاقة له بدعم الشرعية ودحر الانقلاب.

ياسين التميمي

يستهين الرئيس ترامب بدم اليمنيين، في الوقت الذي يُظهِر فيه إنسانية مبالغاً فيها تجاه مدنيي إيران، ولا شك أن موقفه المتعجرف من ضحايا الحرب في اليمن ودول الربيع العربي، يلقى مساندة من قادة سيئين في منطقتنا، يظهرون القدر ذاته من الاستهانة بدم اليمنيين.

ومن المؤسف أن هؤلاء مصممون على ما يبدو على إبقاء سير المعارك متعرجاً ومتعدد الأهداف، والمشهد مفتوحاً على سيناريوهات مخيفة من بينها المضي في مخطط تفكيك الدولة اليمنية، وإظهار وقاحة لا سابق لها في اقتضام الأراضي اليمنية على نحو ما يجري في محافظة أرخبيل سقطرى الواقعة في المحيط الهندي، ومحافظة المهرة في جنوب شرق البلاد.

وعليه فإن ما يحدث في اليمن هو القتل المادي والمعنوي للدولة والشعب معا، بعد أن تحول مسار الحرب في هذا البلد إلى قتال بالوكالة لا علاقة له بالأهداف المعلنة وهي دعم الشرعية ودحر الانقلاب، بقدر ما يرتبط بإعادة رسم خارطة نفوذ جديدة في المنطقة، على وقع تنازلات تاريخية يقدمها قادة الإمارات والسعودية، من أجل كسب هذه المعركة، على حساب حقوق الشعب الفلسطيني والثوابت الراسخة للأمة التي تساق إلى نمط جديد من الدكتاتورية البغيضة المغلفة بعلمانية لا علاقة لها بالديمقراطية والحريات.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي