هناك محاولة جديدة لتحالف السعودية والإمارات والسيسي لتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية وهي محاولة لا تلاقي ذات المعارضة السابقة في داخل الإدارة الأمريكية التي يمسك بها حاليا الرئيس ترمب وصهره جاريد كوشنر.

نشرت وسائل الأعلام الأمريكية مؤخراً أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصنيف حركة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي. وعبّر ترمب عن دعمه لهذا التصنيف وأمر إدارته بالنظر فيه. ولكن هل يمكن أخذ هذه المزاعم بصورة جدية؟

لم يكن مستغرَباً عدم وجود أيّ خبير في موضوع الإخوان من الجهات الأكاديمية والعسكرية والدبلوماسية في الولايات المتحدة، حتى أولئك الذين ينتقدون الحركة بشدة، قد دعم تصنفيها كمجموعة إرهابية. فالحركة عادة ما تكون هدفاً للانتقاد الحادّ من "المجموعات الإرهابية" لتبنِّيها ما تقول إنه أفكار غربية وديمقراطية، ورفضها الدائم للعنف.

فقد تشكلت جماعة الإخوان كحركة مدنية من الأساس، وقد رفضت العنف رغم تَعرُّضها لحملات واسعة من القمع من عهد الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر إلى عبد الفتاح السيسي الذي قتل أكثر من ألف من الإخوان ومؤيديهم في يوم واحد في فضّ اعتصام رابعة.

لم يكن مستغرَباً عدم وجود أيّ خبير في موضوع الإخوان من الجهات الأكاديمية والعسكرية والدبلوماسية في الولايات المتحدة قد دعم تصنيفها كمجموعة إرهابية.

خالد صفوري

لقد فاز الإخوان برئاسة مصر في انتخابات حرة ونزيهة هي الأولى في تاريخ مصر الحديث، وهي التجربة التي رفضها العسكر، وأعادوا مصر إلى عهد الدكتاتورية تحت حكم السيسي. لهذا فإن تصنيف الحكومة المدنية التي أسقطها كـ"إرهابية" هي طريقة سهلة للسيسي من أجل خلق شرعية لحكمه.

كما أن حلفاء السيسي كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة قد دعموا مثل هذا التصنيف من أجل قمع معارضتهم المحلية. ومن هنا، يمكن تفهُّم أن تقوم هذه الأنظمة المستبدة التي تخشى المطالبات الديمقراطية بهذا الفعل، أي تصنيف الإخوان كحركة إرهابية، ولكن المستغرب هو أن تقوم إدارة أمريكية بدعم استهداف معارضين محليين في دول أخرى.

لم يحدث أن قدّم الإخوان المسلمون برنامجاً سياسياً دينياً مغلقاً مثل ذلك الذي تعمل به المملكة السعودية حليفة ترمب القوية، بل قاموا على مر عقود بالعمل داخل أنظمة ديمقراطية، لتعزيز مفاهيمهم المحافظة والاستقرار داخل الدولة المدنية الحديثة، عوضاً عن تأسيس دولة دينية. ولهذا نرى الإخوان مشاركين في عدة حكومات حليفة للولايات المتحدة كالأردن والكويت، بالإضافة إلى المغرب الشهير بتسامحه الديني والذي يرأس حكومته الدكتور سعد الدين العثماني من حزب العدالة والتنمية المقرَّب من الإخوان.

إن تجريم المعارضة المدنية وقرنها بالإرهاب في سجلات الحكومة الأمريكية أمر مقلق للغاية، وبالخصوص مع التصريحات الأمريكية الداعمة للمُثُل الديمقراطية والحريات السياسية. فكيف يمكن لمصري هرب من بلده طلباً للحرية في أمريكا -على سبيل المثال- أن يجد نفسه متهَماً بالإرهاب لمجرد أنه يتعاطف مع حركة سياسية؟

من المؤكد خروج بعض التجمعات التي تتبنى العنف من حركة الإخوان المسلمين، وذلك بسبب رفضها منهج الإخوان في العمل السلمي، وهذه المنظمات الخارجة عن الإخوان مصنَّفة إرهابياً. ولهذا ففي حال قامت إدارة الرئيس ترمب بتصنيف حركة الإخوان المعارضة بالإرهاب، فإنها تكون قد أقدمت على أمرين خطرين: الأول هو أن هذا التصنيف يعمل على تجريم الأفكار السلمية، وهذا يتعارض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان، وهي المبادئ التي لطالما نظرت إليها الولايات المتحدة.

والثاني هو أن محاصرة الأفكار لمجرد أنها محافظة، ووصمها بالإرهاب، سيسهّل على التنظيمات الإرهابية استثمار هذا الأمر في عمليات التجنيد لها ضمن أوساط الشباب الذين يعتنقون أفكار الإخوان الذين يرفضون استخدام العنف، فإغلاق مساحات الحوار والنقاش قد يؤدي بالبعض إلى تبني خيار العنف.

لم يحدث أن قدّم الإخوان المسلمون برنامجاً سياسياً دينياً مغلقاً مثل ذلك الذي تعمل به المملكة السعودية حليفة ترمب القوية.

خالد صفوري

ورغم معارضة الخبراء في الولايات المتحدة لتصنيف الجماعة على قائمة الإرهاب، فإن محاولات تصنيف الإخوان إرهابياً مستمرة منذ عدة سنوات على يد السيناتور الجمهوري اليميني عن تكساس تد كروز، وعضو مجلس النواب من تكساس الجمهوري مايكل مكل، وزميله من فلوريدا الجمهوري ماريو بالارات.

وقد فشلت تلك المحاولة في بداية 2017 بسبب معارضة مستشار الأمن القومي حينها إتش آر مكماستر، ووزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون، اللذين اعتبراها خطوة تضرّ بالمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.ولكن مع خروجهما من منصبيهما، هناك محاولة جديدة لتحالف السعودية والإمارات والسيسي لتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية، وهي محاولة لا تلاقي ذات المعارضة السابقة في داخل الإدارة الأمريكية، التي يمسك بها حاليا الرئيس ترمب وصهره جاريد كوشنر في غياب تام لآليات الدبلوماسية الأمريكية المعتادة.

ورغم أني أعارض أفكار الإخوان من الناحية الدينية والسياسية، فإنني في ذات الوقت أجد أن معارضة الأفكار السيئة لا تمكن إلا عبر الأفكار الجيدة والحوار والنقاش، لا عبر قمع تلك الأفكار عبر تصنيفها كجرائم إرهابية وملاحقتها أمنياً.

لم يكُن من المستغرب أن يتخذ نظام السيسي المستبد مثل هذه الخطوة، ولكن أن تقوم أمريكا باتخاذها هو ما يثير الحيرة. يجب ألا تكون الولايات المتحدة أداة بيد أنظمة قمعية في الشرق الأوسط لتنفيذ مشاريعها ضد معارضيها المحليين. فهل تقبل أمريكا أن تكون بموقع التابع في هذه المنطقة الحساسة لا في موقع القيادة؟ ليس من القيم الأمريكية أن تروِّج الولايات المتحدة للديمقراطية في الشرق الأوسط -وهي الديمقراطية التي كلفت خسائر هائلة في الأرواح والممتلكات- في الوقت الذي تدعم فيه أنظمة مستبدة شغلها الشاغل قمع معارضيها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي