المستشار الألماني أولاف شولتز  (Markus Schreiber/AP)
تابعنا

أهمية جولة المستشار الألماني أولاف شولتز إلى ثلاث دول خليجية، ليست في نجاحها أو فشلها بمعايير "جولة تسوق للنفط والغاز"، بل في أنها تضمنت الاعتراف بفشل سياسة الطاقة الألمانية والتراجع عنها. والتمهيد للاعتراف بفشل السياسة الخارجية في ملفي إيران واليمن، وربما التراجع عنها.

يستند هذا الاستنتاج إلى القراءة الهادئة بين أسطر التصريحات والاتفاقيات الموقعة والتي توضح تراجع ألمانيا عن سياسة الطاقة المعتمدة منذ عدة سنوات. وتقوم هذه السياسة على ركيزتين الأولى تطوير الطاقة النظيفة ومحاربة الوقود الأحفوري. والثانية الاعتماد على استيراد الغاز من روسيا بالدرجة الأولى ومن اميركا بدرجة أقل كمرحلة انتقالية، بعيداً عن نفط وغاز الخليج. ويتضح ذلك، بدون شرح طويل، من شبكة خطوط الأنابيب مع روسيا وآخرها نورد ستريم 2 وإقفال محطات الطاقة النووية، والخلاف مع دولة قطر الذي وصل إلى القضاء بشأن عقود الغاز.

الإمارات.. اتفاقيات طويلة الأجل

يتضح من مراجعة الاتفاقيات الموقعة مع شركة أدنوك أنها ذات بعدين قصير وطويل الأجل. فهي تتعلق بتوفير الاحتياجات العاجلة من الغاز والديزل وضمن القدرة الاستيعابية للاستيراد في ألمانيا. فتقضي بتصدير نحو 137 ألف متر مكعب من الغاز بهدف التشغيل التجريبي لمحطة عائمة ستكون جاهزة للعمل في ديسمبر/كانون الأول المقبل.

هذه الكمية تعادل تقريباً الواردات الشهرية لألمانيا من روسيا عبر خط أنابيب "نوردستريم 1" قبل الحرب. كما تضمنت الاتفاقية التزام أدنوك توفير إمدادات كافية من الغاز في العام 2023. وبات معروفاً أن ألمانيا وأوروبا عموماً تجاوزت مرحلة الخطر الجدّي لمواجهة الشتاء، إذ بلغت نسبة التخزين أكثر من 90 في المئة كما قال وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك.

ويأتي التدرج في حجم الصادرات، في إطار محدودية القدرة الاستيعابية للدول الأوروبية لاستقبال الغاز المسال، وعدم وجود محطات كافة للتغويز (إعادة الغاز إلى حالته الغازية)، نتيجة الاعتماد المفرط على استيراد الغاز عبر الأنابيب.

وتُحَلّ حاليّاً حل هذه المشكلة ببناء عدة محطات ستكون الأولى جاهزة عام 2026. لذلك لجأت ألمانيا إلى استئجار 4 محطات عائمة للتغويز، ولا يمكن بسهولة زيادة عدد هذه المحطات، إذ لا يوجد منها سوى 48 سفينة في العالم وهي مؤجرة بموجب عقود طويلة الأجل، ما يرفع تكلفة الإيجار إلى نحو 200 ألف يورو يوميّاً، علماً أن السفن الأربع لا تحلّ المشكلة لأن طاقة السفينة الواحدة تبلغ 5 مليارات متر مكعب سنوياً، في حين تستورد ألمانيا عبر خط "نورد ستريم 1" مثلاً 60 مليار متر مكعب.

ومن المؤشرات ذات الدلالة السياسية للاتفاقية الموقعة، أن الإمارات لا تمتلك احتياطيات كبيرة من الغاز، وهي تستورد ثلث احتياجاتها من الغاز من قطر، ما يسمح بالاستنتاج أن جزءاً من التزاماتها بتصدير الغاز إلى أوروبا سيؤمَّن من الواردات القطرية.

ينطبق ذلك على الجانب المتعلق بالديزل من الاتفاقية، إذ ستصدّر شركة أدنوك نحو 250 ألف طن شهرياً خلال عام 2023، من إنتاجها وكذلك من إنتاج شركات ومصافٍ أخرى في المنطقة، وهي كمية كافية لتعويض واردات الديزل الروسي.

وفي مسار العلاقات الأوروبية-الخليجية تطور مهمّ، تزامن مع جولة شولتز، هو تبادل الاستثمارات في شركات النفط، إذ تملكت شركة "بي بي" نسبة 10 في المئة من أسهم شركة أبو ظبي للعمليات البترولية البرية "أدكو"، التي تنتج الجزء الأكبر من النفط. مقابل تَملُّك أبو ظبي حصة قدرها 2 في المئة في "بي بي". وتقدر قيمة الصفقة بنحو مليارَي جنيه إسترليني، وبهذا تصبح حكومة أبو ظبي أحد أكبر 10 مساهمين في الشركة.

قطر.. استثمارات واتفاقيات

المباحثات في قطر بين شولتز والأمير تميم بن حمد، شكّلَت دفعة كبيرة لمسار التقارب وحل المشكلات العالقة بين قطر والدول الأوروبية.

فقد أعلنت شركة "توتال إنرجيز" عن توقيع اتفاقية مع شركة قطر للطاقة لضخّ 1.5 مليار دولار لتملُّك حصة قدرها 9.4 في المئة من حصة الشركاء الدوليين البالغة 25 في المئة، في حقل الشمال الجنوبي، وهوأضخم حقول الغاز في قطر.

وذلك "بهدف تعزيز القدرة الإنتاجية للحقل وزيادة الإمدادات إلى الأسواق الأوروبية"، كما قال باتريك بويان الرئيس التنفيذي لشركة توتال. وأضاف: "العالم سيحتاج إلى كثير من الغاز في الفترة المقبلة، ولو عرضت قطر مزيداً من الفرص لكان لدينا الاستعداد لضخّ مزيد من الاستثمارات".

ويشار هنا إلى أن الخطة الكاملة لتوسعة حقل الشمال ستزيد طاقة إنتاج الغاز الطبيعي من 77 مليون طن سنوياً إلى 126 مليوناً بحلول 2027.

وتكتسب هذه الاتفاقية أهميتها بالنظر إلى تواتر معلومات كان آخرَها خبر لوكالة رويترز، عن قرب توصل شركتَي "آر دبليو إي" و"يونيبر" الألمانيتين إلى إبرام اتفاقيات طويلة الأجل لشراء الغاز الطبيعي المسال من قطر.

وقد تَعزَّزَت هذه المعلومات بما ألمح إليه الرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة سعد الكعبي، الذي يرفض عادةً الحديث عن العقود بقوله إن "معادلة توزيع صادرات الغاز مناصفة بين الشرق والغرب، قد تتغير لتصبح 60-40 في المئة وفقاً لاحتياجات الأسواق".

ولتوضيح أهمية هذه التطورات، نشير إلى أن قطر لم تتجاوب حتى الآن مع كل الضغوط التي مورست عليها لزيادة صادراتها من الغاز إلى أوروبا، حتى عندما طلب ذلك الرئيس الأمريكي من أمير قطر خلال اجتماعهما في البيت الأبيض عقب اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية.

ويرجع ذلك إلى رفض أوروبا سياسة قطر القاضية بإبرام عقود طويلة الأجل وإصرارها على الشراء بأسعار السوق الفورية. ووصل هذا الخلاف إلى حدّ قيام الاتحاد الأوروبي برفع دعاوى على شركة قطر للطاقة بحُجَّة الاحتكار.

السعودية.. كسر الجليد السياسي

ساهمت زيارة المستشار الألماني للسعودية والاجتماع مع الأمير محمد بن سلمان، بكسر الجليد بين البلدين الناجم عن الخلافات السياسية في عديد من الملفات، مثل الموقف من إيران وحرب اليمن ورفض ألمانيا تزويد السعودية بالسلاح.

وكرست الزيارة مساراً متصاعداً لدى ألمانيا وعديد من الدول الأوروبية لإعادة النظر بسياستها الخارجية، لا سيما تلك المتعلقة بدول الشرق الأوسط، في ضوء التداعيات الجيوسياسية العميقة للحرب-الروسية الأوكرانية.

وهو ما عبّر عنه المستشار الألماني بإعلان عزمه على تعزيز التعاون السياسي مع القوى الإقليمية لمنع تقاربها مع روسيا والصين.

يضاف إلى ذلك بالطبع تداعيات الحرب على أمن إمدادات الطاقة، إذ تُعتبر دول الخليج البديل الجاهز والقادر على تعويض النفط والغاز الروسيَّين.

وكان لافتاً في هذا السياق تصريح رئيسة القسم السياسي للشرق الأوسط في وزارة الخارجية الألمانية بقولها: "نقوم حالياً بمراجعة سياسة التسلح"، وقالت إن بلادها "لم تعطِ سابقاً الأهمية اللازمة لمسألة تصدير السلاح ولحساسية التحديات التي تواجهها السعودية في المنطقة".

وهو ما ذكره صراحةً مسؤول في الحكومة الألمانية قبل ساعات من زيارة شولتز للسعودية، بقوله إن "المباحثات ستشمل الملف النووي الإيراني". وجاء تأكيد ذلك على لسان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد بقوله: "تم الاتفاق مع المستشار الألماني على ضرورة دعم الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي، ما يسهم في الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة".

أما في ما يتعلق بملف الطاقة وهو الأكثر أهمية بالنسبة إلى ألمانيا في هذه المرحلة، فيبدو واضحاً أن البلدين متفقان على تعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة، بخاصة وقود الهيدروجين، وهو ما أكده شولتز بأن "الشراكة يجب أن تتجاوز حدود الوقود الأحفوري لتشمل الهيدروجين والطاقات المتجددة".

ويستند التركيز على الطاقة المتجددة إلى معطيات تتعلق بمحدودية قدرة السعودية على تصدير الغاز رغم امتلاكها رابع أكبر احتياطيات مؤكدة في العالم، ولكنها تخصص غالبية الإنتاج محلياً لتوليد الكهرباء وتحلية المياه والإنتاج الصناعي، كما أن السعودية تمتلك بالمقابل إمكانيات كبيرة لإنتاج الهيدروجين الأزرق والأخضر. يشار هنا إلى أن السعودية والإمارات بدأتا إنتاج الهيدروجين والأمونيا الزرقاء، وتم بالفعل تصدير أول شحنة تجريبية من الأمونيا الزرقاء من أبو ظبي إلى ألمانيا مطلع الشهر الجاري.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي