تشهد الساحة السياسية في تونس جدلاً كبيراً حول صراع خفي بين راشد الغنوشي وقيس سعيد على بعض الصلاحيات (رئاسة الجمهورية)
تابعنا

وأن حزب النهضة قد اندثر من مستقبل تونس، وعلى قياداته المسارعة بدفن جثة الحزب والانقطاع عن دنيا الناس. يقابل أنصار حزب هذا الحديث بالسخرية ويطلبون في نبرة متحدية عرضهم على الصندوق الانتخابي.

توجد خسارة أكيدة

حديث الربح والخسارة لا يمكنه الإفلات من معاينة الخسارة الكبيرة للتجربة الديمقراطية في تونس. فتجربة تفريق السلطات ضمن نظام سياسي ديمقراطي تعطلت إلى أجل غير مسمى ومؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية تعطلت إلى حدود الإفلاس. والدولة ذاتها كمشروع اجتماع مشترك وهوية جامعة بين مكونات مختلفة لم تعد في حالة تضمن لسكانها الشعور المطمئن بأنهم مواطنون في دولة. وستظل آثار ما فعل الانقلاب حاضرة على الأرض إلى أمد بعيد.

هذه الخسارة تشمل الجميع وليس فيها رابحون. بل يستوي الخاسرون رغم اختلاف مواقعهم في مواقع القرار السياسي وفي مواقع المعارضة. وفوق كل الخسارات السياسية يظهر الخاسر الأكبر أي الجمهور الذي أمل خيراً من كل تغيير وخاب ظنه في الجميع. ففوق الجميع يجثم شبح الجوع والفوضى حيث بدأت الرواتب تشح والكل يرى العجز عن تدبيرها. ولم يعد خطاب الرئيس بمحاربة الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة يثير في الناس الحماس بل السخرية السوداء من رجل عاجز وفاقد لكل حيلة.

الحديث في انتصار قيس على الغنوشي أو العكس هو جر الحديث بعيداً عن تقدير الخسارة الجماعية لوطن وديمقراطية كانت بدأت تنير طريق كثير من المحرومين في مناطق كثيرة في تونس وخارجها. وفيه محاولة لتحريف النقاش بغايات استئصالية.

المعركة الديمقراطية ليست بين شخصين

تحاول وسائل إعلام كثيرة حصر النقاش في مبارزة شخصية بين رجلين (رئيس الدولة ضد رئيس البرلمان) غير أن هذه الوسائل تغفل صفة الغنوشي كرئيس للبرلمان لتذكر فقط صفته كزعيم حزب النهضة فاصلة بين المهمتين. لتنتهي باستنتاج واثق من نفسه، انتصار قيس سعيد ونهاية الغنوشي وحزبه إلى الأبد.

لقد وضعت هذه المبارزة كأنها الوجه الوحيد لما يجري منذ الانقلاب. وكما لو أن الغنوشي ناصب الرئيس العداء ليسقطه ويحل مكانه بحكم الدستور. ولقد أوغرت هذه المكايد، في ما نلاحظ، صدر الرئيس حتى صار لا يرى عدواً غير الغنوشي فيعمل على عزله بطرق مختلفة منها محاولة تجاوز القضاء في موضوع الجرائم الانتخابية والحكم عليه باعتماد تقرير محكمة المحاسبات وحده دون محاكمة قضائية.

لقد غيّبت هذه الزاوية العمق الحقيقي لمعركة الديمقراطية في تونس. والذي يتجاوز في عمقه معركة الأشخاص إلى معركة تأسيس وبناء ديمقراطي على أسس دستورية مجمع عليها. لكن خارج هذه الوسائل الإعلامية وعلى الأرض ماذا نجد؟

إعادة النقاش إلى المسألة الديمقراطية

لم ينفك الغنوشي وحزبه يرسل رسائل الحوار والتفاوض إلى الرئيس فيخرج المعركة من طابعها الشخصي إلى ساحة النقاش في مستقبل الديمقراطية. وقد حرك الغنوشي شارعه مستنصراً بعدد كبير من النخب التي لم تختلف معه في وجهة المعركة فالتقوا في ساحة التأسيس لديمقراطية دائمة على أساس الدستور وشرعيته. ويعتبر هذا التصويب نقطة مهمة لصالح الغنوشي وعلى فرضية أن في المعركة جانب شخصي فإن الغنوشي وجد له طاقية إخفاء بينما تعرت نوايا الرئيس ولم يفلح في سترها بأي ستار سياسي وهذا يضاعف قيمة الانتصار.

يصدر عن الرئيس خطاب مضطرب تنقصه البلاغة والوضوح بل إنه يدفع أنصاره إلى حيرة كبيرة. فهم أول من يجهل ماذا يريد رئيسهم. لقد وعدهم بالقضاء على الفساد ولم يقدم أي فاسد ممن يتهمهم إلى المحكمة بمن فيهم الوزراء الأربعة الذين عطل من أجلهم حكومة المشيشي. ولقد وعد بتصفية النواب الفاسدين فلم يقبض إلا على نواب ائتلاف الكرامة بتهم ليس منها تهم فساد، حتى أن القضاء العسكري الذي يعمل بأمر منه لم يجد ما يدينهم فأطلق سراحهم. وقد وعد بديمقراطية مباشرة فتكشّفت لأنصاره قبل خصومه عن تجربة قذافية مشوهة. وقد تبين أن أنصاره لم يكونوا على علم بها فضلا على أنهم لا يماشونه في ما يريد.

في المقابل ظهر الغنوشي منتصراً للدولة ومؤسساتها التي بناها من سبقه. فلم يجحد جهدهم ولم يستهِن به وهو المدافع الأخير عنه أمام القذافية المشوهة للرئيس. وقد سمعنا من ألدّ أعداء الغنوشي من الاستئصاليين من يُكبرون على استحياء جهده في الحفاظ على شكل الدولة من التفكيك.

أمام العالم الخارجي يظهر الرئيس كشخص لا يحاور ولا يفاوض بل يتحدى العالم باسم السيادة الوطنية. ويقبل على النقيض من خطابه أن يبرم اتفاقات لاستعادة مهاجرين غير شرعيين بمقابل مالي وهو ما لم يقبله حتى بن علي. وحتى وزيرته المصطفاة لم تحسن التعبير عن مشروع الرئيس وبرنامجه في زيارات ثلاث أدتها إلى الخارج بأمر منه. فغلبت عجمتها فصاحتها وحازت على سخرية الناس في كل ظهور ذليل أمام من كلفها.

أمام نفس الخارج يقدم الغنوشي نفسه كداعية سلام وحوار متمسك بمؤسسات دولته ومستعد لكل التنازلات السياسية من أجل إنجاح التجربة الديمقراطية. ورغم أن الرئيس منعه التواصل مع العالم الخارجي خاصة بعد منعه الالتحاق باجتماع اتحاد البرلمانات الدولية فإنه لم يصعد الأمر إلى المواجهة مؤْثِراً الإبقاء على شعرة معاوية مع الرئيس وهو انتصار آخر تفوق أهميته أهمية المشاركة في الاجتماع.

هناك معطيات كثيرة يمكنها تعميق المقارنة بين مكاسب الغنوشي وخسائر قيس سعيد. لذلك يعاودنا السؤال عن حديث اندثار الغنوشي وحزبه هل هو من الوقائع المعيشة أم من شهوات وأماني من يروج له؟

الأماني عندما تشوه وعي أصحابها

لقد خسرت كل التكوينات السياسية جراء الانقلاب فالذين ساندوا الانقلاب ثم تراجعوا خسروا في الذهاب وفي الإياب. لقد حسم فيهم الشارع الديمقراطي بصفتهم ديمقراطيين مزيفين. وقد خرج الشارع دونهم بل ضدهم فهم من الانقلاب وليسوا من الديمقراطية.

خسر حزب النهضة الكثير أيضا ولكنه الطرف الوحيد الذي ربح أيضاً. بل نرى أن مكاسبه ستفوق خسائره لقد كرس نفسه في زمن الانقلاب كمدافع جدي عن الدولة وعن الدستور وعن الديمقراطية. وهي مكاسب لن يشاركه فيها المستقيلون من صفه في الأيام الأولى للانقلاب. حتى تحولت استقالتهم إلى انتصار آخر إذ تخلص من عائق داخلي ثبتت هشاشته أمام الدعاية المضادة التي أطلقها الانقلابيون ضد الحزب فانخذلوا ولم يكسبوا.

كان الحزب منذ مشاركته في الحكم بعد الثورة في حاجة ماسة إلى تثبيت هذه الصورة عنه في الداخل وفي الخارج خاصة ممن أصيب بلوثة الإسلاموفوبيا (المنتج الفرنسي بامتياز). العالم يشاهد انقلاباً بلا برنامج سياسي اعتدى على دستور مجمع عليه وعلى مسار ديمقراطي متعثر لكنه واعد ويشاهد حزباً ديمقراطياً يحرص على السلم الأهلي ويتجنب الانتقام والفوضى ويفاوض من أجل الدستور والمؤسسات.

ويملك إلى ذلك شارعاً منضبطاً يمكن دعوته إلى التظاهر فيستجيب ويمكن أمره بالتهدئة فيهدأ برصانة تسمح باستنتاج رئيسي، الشارع مِلك النهضة وملك رئيسها. في كل مظاهرة أرسل الغنوشي للعالم رسالة واضحة ودقيقة (حزبي وأنا ضمانة السلم الأهلي والديمقراطية في تونس. بل إن حزبي هو نقطة ارتكاز كل ساع جاد إلى الديمقراطية ويمكنه التعويل على جمهور النهضة. وكل تفاوض مع تونس يجب أن يمر من مكتبي). وعندما ننسب هذا القول سنجد أن أي متحدث سياسي أو اقتصادي يأتي تونس لن يجد محاوراً كفئاً بدأ بالرئيس الذي لا يفاوض.

من المنتصر إذن في المشهد التونسي بعد الانقلاب؟ لقد قدم قيس سعيد للنهضة الخدمة التي طالما رغبت فيها. لقد حررها في مرحلة أولى من عبء حمل حكومة المشيشي على كاهلها. ثم قام ثانية بغربلة أنصار الديمقراطية من كل دعيٍّ زعم المشاركة فيها ففضحه الانقلاب. أما أهم مكسب يمكن للغنوشي وضعه في بنك حزبه ولو بثمن انسحابه من موقعه كرئيس للبرلمان هو أن لن يجرؤ أحد بعد قيس سعيد على المساس بالدستور وبالتجربة الديمقراطية.

إن خلق حالة الاستقرار السياسي هي المحيط الذي يبحث عنه الغنوشي وحزبه وقد وفره لهم الانقلاب الذي لم يملك خطة لشيء فقدم لخصمه اللدود ما يريد دون أن يدفع فيه قطرة دم واحدة. إنه وضع مشابه تماماً لوضع تركيا بعد الانقلاب الفاشل الذي أطلق يد أردوغان في خصومه فاستقام له من بعدهم أمر كثير. يمكن في المستقبل القريب للحالمين بتونس دون إسلاميين أن يواصلوا تحليلاتهم عن اندثار حزب النهضة فبعض الأماني تضيع أصحابها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي