النهج الجامي هو تيار سلفي يدور حول طاعة ولي الأمر كمبدأ مطلق في السياسة، ولذلك تجده يلجأ إلى تبرير أي وضع قائم يخدم السلطات المطلقة للدولة. إن هذا التيار هو امتداد لسلطوية الدولة التي ثارت ضدها الشعوب مدعومة بتيار ديني شعبي نابع من وجدانها الغاضب.

قبل 1989م كان كثير من الباحثين في العلوم السياسية يظنّ أن البلاد المسيحية ذات الأغلبية الكاثوليكية معادية للحراك الشعبي وغير قابلة للديمقراطية بالمجمل... حتى جاءت ثورات أوروبا الشرقية في تلك السنوات، فقلبت التحليلات السياسية وقلبت معها الكهنوت الديني المرتبط بالمؤسسات الاستبدادية، وهنا وجد ذلك الكهنوت الديني التقليدي نفسه في موقع يحتاج معه إلى ابتداع نهج "جامي"، إذا صحّت العبارة تجاه السياسة وتجاه "وليّ الأمر" المسيحي لشرعنة الوضع القائم وللحرب على كل ما هو شعبي.

بينما كانت الثورة البلشفية وبعض الثورات الأخرى ذات طابع علماني أو إلحادي أو غير ديني بالمجمل، كانت ثورات أوروبا الشرقية في أواخر القرن المنصرم ثورات ذات جذور دينية أساسية، واحتضنت الأفكار الدينية، وكانت المجالس والمدارس الدينية مقرّات أساسية لتنمية روح الثورة، وأماكن تقليدية لتطوير العلاقة الشعبية المتجاوزة للشبكة الرسمية التي يسيطر عليها المستبد آنذاك.

أصبحت المقولة الماركسية حول الدين كقوّة مخدّرة وظالمة مقولة خاطئة ومقلوبة ففي أوروبا الشرقية القوى الدينية في الغالب قوى مظلومة وثائرة.

عبد الله العودة

لذلك أصبحت المقولة الماركسية حول الدين كقوّة مخدّرة وظالمة مقولة خاطئة ومقلوبة، ففي أوروبا الشرقية القوى الدينية في الغالب قوى مظلومة وثائرة، وحتى حينما يتم حربها وقمعها كانت تطوّر أساليب شعبية للمخاتلة والصمود، لأنها ترتبط بقيم شعبية تتجاوز قدرة السياسي على السيطرة والاحتكار. ثورة ألمانيا الشرقية -على سبيل المثال- في 1989 كانت تسمى ثورة النور، ويقال إن سبب التسمية مرتبط بالشموع والنور الذي يشعله الثوار للوصول إلى الكنسية، وكان ذلك في تحدٍّ للاتحاد السوفييتي الذي حكم أوربا الشرقية ومنع الارتباطات الكنسية.

ولأن المجال العامّ المدني مغلق بسبب الاحتكار السياسي والثقافي والإعلامي الذي تفرضه الدول الشمولية، فقد تحولت دور العبادة المسيحية إلى مواقع طبيعية لتداول النقاشات السياسية ولمنصات لتفريغ الشحنات ضدّ القمع والاضطهاد الشائع في المجال العامّ.

كانت فكرة "الوطنية" مثلاً التي يقدمها الحزب الشمولي القمعي الحاكم الذي كان يحكم أوروبا الشرقية فكرة مشوهة ومخترَقة. كانت "الوطنية" تعني خدمة الطغمة الفاسدة الحاكمة وخدمة المجموعة الصغيرة التي تتحكم في قرارات ومفاصل الدولة، فهي لم تكُن تعني الشعب أو قيم الناس أو ثقافتهم أو حرياتهم وحقوقهم. كانت باختصار عملية اختطاف بشعة لقيم المواطنة الحقيقية.

ضمن هذا الجو الخانق، وفي المجر كإحدى دول أوروبا الشرقية التي أنتجت الثورة في 1989، كانت مجموعتان دينيتان:

الكنائس الرسمية في المجر، وهي مؤسسات كاثوليكية جرى تدجينها وتهجينها وأصبحت ذراعاً دينيةً للاستبداد تبرر له أفعاله وتقدّم له الشرعية والولاء المطلق، وتؤسس لجامية مسيحية كهنوتية تقدّس الحاكم وتحرق حوله البخور.

كانت "الوطنية" تعني خدمة الطغمة الفاسدة الحاكمة وخدمة المجموعة الصغيرة التي تتحكم في قرارات ومفاصل الدولة.

عبد الله العودة

والمجموعة الدينية الأخرى هي مجموعات القواعد الشعبية الدينية التي تُقاد غالباً من شباب متدين ولكنه ثائر، طوّر مع الوقت شبكة علاقات احتجاجية ترفض الوضع القائم وتطالب بالحقوق، وعلى يد هذه المجموعة كانت شرارات الثورة الأولى وعمودها الفقري في عام 1989.

لم تكُن المؤسسات الكاثوليكية الجامية تعترف بالقواعد الشعبية تلك، وكانت ترى فيها تهديداً لمصالحها ولشعبيتها، لذلك حاربتها، وكانت الكنائس الرسمية الجامية تقدّم خطاباً صارماً يأمر بالسكوت والطاعة لوليّ الأمر في المنشط والمكره، والرضا بالوضع القائم بوصفها قدراً شرعيّاً لا يجوز الاعتراض عليه ولا محاولة إصلاحه.

وكانت تلك الكنائس التي تتبنَّى ما يمكن تسميته بالفكر الجامي، مخترَقة بالكامل من السلطات الاستبدادية: كانت تقوم على أشخاص يعيَّنون مباشرة من الدولة، وتدفع لهم الرواتب والعلاوات من قبل المستبدّ، ويقربهم البلاط إليه لأنه يحتاج إليهم لإضفاء هالة من الشرعية الدينية عليه، ولكي يقمع ويضطهد ويظلم باسم المسيح!

في تشيكوسلوفاكيا عام 1989 انطلقت شرارة الثورة هناك بغطاء تلك القواعد الشعبية، حيث كانت الاحتجاجات والمظاهرات الأساسية لأجل المطالبة بإطلاق سراح قيادات دينية وشخصيات دينية تنتمي إلى القواعد الشعبية وتتحدى الكهنوت الجامي.

وكانت إحدى مظالم القواعد الشعبية أنها ترفض الخطب الدينية الرسمية التي تفرضها الدولة وتكتبها بنفسها وتعمِّمها على دور العبادة، وكان ذلك الاحتكار الديني بمثابة استفزاز يضرب في عمق الضمير الديني الشعبي الذي غذّت فيه هذه الممارسات روح التحدِّي والاحتجاج.

حدث ذلك في رومانيا تحديداً، في نفس السنة كانت الحكومة أسست فيها مؤسسات مسيحية جديدة تريدها أن تكون كنائس جامية رسمية تطوّع الناس للدولة وتعبّدهم للحاكم بأمر المسيح وتعمِّم على الكنائس خطباً موحدة، ولكن تلك الممارسات الاحتكارية لم تزد على أن ساعدت الروح الشعبية على تطوير خطاب ديني شعبي يتجاوز مؤسسات الدولة ويحيي في الناس روح التحدي المرتبط بالحفاظ على القيم الدينية المهددة.

كانت إحدى مظالم القواعد الشعبية أنها ترفض الخطب الدينية الرسمية التي تفرضها الدولة وتكتبها بنفسها وتعمِّمها على دور العبادة، وكان ذلك الاحتكار الديني بمثابة استفزاز يضرب في عمق الضمير الديني الشعبي.

عبد الله العودة

والدولة الرومانية كانت تظنّ أنها باستخدام أبشع صنوف التعذيب وأصلف أشكال الاعتقال والترهيب تستطيع القضاء على الروح الشعبية، لكنها في حقيقة الأمر تهيئ كل الأسباب الطبيعية للروح الشعبية المدفوعة بقيم دينية مثل الدفاع عن المظلوم وردع الظالم.

لذلك في النهاية، انتصرت القواعد الشعبية المتدينة لأنها ترتبط بقيم فطرية تدعو إلى الحقوق والحريات، وتريد ممارسة حقوقها الأساسية في التفكير والتديُّن والعمل الحر، ولكن في كل زمان ومكان هناك في المقابل مؤسَّسات كهنوتية دينية رسمية تجد مصالحها مع المستبدّ فتتشبث به وتجعل مصيرها ورقبتها في رقبته، وكما تقول العرب "في كلّ وادٍ بنو سعد"، وفي كل قرية أكابر جاميتها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي