مع انطلاق المظاهرات في لبنان، واتخاذه حزب الله موقفاً مناوئاً صدرت تكهنات حول احتمالية قيام اشتباك بين الحزب وإسرائيل للتخفيف من حدة الأزمة الداخلية وتلميع صورته.

أثار استهداف حزب الله طائرةً إسرائيلية مُسيَّرة في جنوب لبنان؛ بصاروخ، قيل إنّه صاروخ أرض جو متطوّر، التكهنات عن احتمالات اندلاع مواجهة أوسع بين الطرفين، أو إن كان حزب الله يريد، من خلال كسره قوانين اللعبة واستخدام سلاح جديد متطوّر نسبيّاً، يرد التخلّص من أزمة التظاهرات داخل لبنان، والتي وضع نفسه في مقابلها، وعدّها مدفوعة من قوى خارجية.

بيد أن المناورة على الحافّة هي عنوان الموقف بين المحور الإيراني عموماً، والذي يندرج حزب الله في صدارة طلائعه، وبين "إسرائيل". فعلى المستوى اللبناني، وقبل الحادث المشار إليه في الأسبوع الأخير من شهر تشرين الأول/أكتوبر، أسقط حزب الله طائرة إسرائيلية مُسيَّرة في أيلول/سبتمبر الماضي، وفي آخر آب/أغسطس أسقط طائرة إسرائيلية مُسيَّرة، ومحمّلة بعبوة شديدة الانفجار تزن 5.5 كيلو غرام، وذلك في الضاحية الجنوبية، معقل حزب الله الأهمّ، مما يعني أنّ مهمتها لم تكن استطلاعية، وإنما عملياتية، قيل إنّها تستهدف جهازًا لتحسين دقّة صواريخ ذكيّة يُصنّعها الحزب، بينما أفادت تسريبات أخرى أنّها كانت تستهدف قياديّاً في الحزب.

في كل الأحوال، رفعت حادثة إسقاط الطائرة في الضاحية الجنوبية، من احتماليات المواجهة بين الحزب و"إسرائيل"، ولاسيما مع الانتظار المتوقع حينها لردّ من حزب الله، يستعيد فيه هيبته، ويضبط من خلاله قواعد الاشتباك بينه وبين "إسرائيل"، وهي القواعد التي رُسمت منذ حرب تموز/يوليو 2006، وكُسِرت باستهداف الضاحية الجنوبية في لبنان في آب/أغسطس 2019.

وإذا كان الحزب بالفعل قد ضرب دوريّة إسرائيلية، قرب الحدود مع لبنان، في مطلع أيلول/سبتمبر الماضي، فإنّ العملية كشفت عن رغبة متبادلة بينه وبين "إسرائيل" في عدم الانجرار إلى حرب واسعة، بمعنى أن "إسرائيل"، بالدورية التي قيل إنّها كانت فارغة من الجنود ومسيّرة عن بُعد، وفّرت للحزب، قاصدة، هدفًا يُنزله عن الشجرة، دون أن ينجر الطرفان لحرب واسعة.

الاحتكاك المتزايد بين المحور الإيراني وبين "إسرائيل" يتكثّف منذ فترة طويلة داخل سوريّا، التي تبدو وكأنّها موضع اتفاق ضمنيّ لتنفيس التوتّر بين الطرفين، دون أن يستدعي ذلك انجراراً لما هو أوسع، وإن كانت "إسرائيل" قد قصفت في الآونة الأخيرة خليّة لحزب الله داخل سوريا قالت إنّها كانت تستعد لإطلاق مُسيّرات مفخخة إلى داخل "إسرائيل"، هذا فضلاً عن القصف المتسمر، لما تقول "إسرائيل" إنّها مستودعات صواريخ في سوريا، أو قوافل صواريخ، مُرسلة من إيران إلى حزب الله، وقد اتسعت رُقعة هذا الاحتكاك باستهداف "إسرائيل" تجمّعات للحشد الشعبي العراقي في شهري آب/ أغسطس، أيلول/ سبتمبر الماضيين.

إذا كانت "إسرائيل" بقصفها للحشد الشعبي العراقي، تتعمّد ضرب إيران من خلال وكيل جديد لها، أو ضرب هدف تعتقد أنّ مهماته متصلة بالساحات القريبة منها، أي سوريا ولبنان، فإنّها في الحقيقة قد أخذت فعليّاً توسع من حزامها الأمني مستغلة الرخاوة الموجودة في المنطقة، ومتأهّبة إزاء التحديات المتزايدة، ولا سيما التمدد الإيراني الزاحف نحوها، وهو ما تعزّز بتصريحات علنية عن احتمالات مشاركتها في تحالف لحماية الملاحة في الخليج، أو المساعدة في ضرب الحوثيين في اليمن، وقد اتهمتها إيران بالفعل بالمشاركة في تفجير ناقلة نفط إيرانية في البحر الأحمر بالقرب من سواحل مدينة جدّة السعودية، وذلك في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

جملة هذه الحوادث والمواقف تؤكد أن استهداف حزب الله أخيراً لطائرة إسرائيلية مُسيّرة بصاروخ متطوّر، يتجاوز الأزمة الداخلية في لبنان، والمتمثّلة بالتظاهرات التي يُعارضها الحزب، وهو التقدير نفسه لدى "إسرائيل"، كما ألمحت إلى ذلك تصريحات لكل من رئيس الأركان الإسرائيلي كوخافي، ورئيس الوزراء، وزير الجيش الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حيث أشارت تصريحاتهما عن تزايد احتمالات اندلاع حرب في الشمال مع حزب الله، وإذا كان شكل الاحتكاكات بين الطرفين يعطي انطباعاً بأنّ الطرفين لا يرغبان في التورّط في حرب واسعة، إلا أنّ استمرار الاحتكاكات من شأنه أن يقود إلى الحرب، فأيّ تقدير خاطئ، أو خطأ في تنفيذ عمل عسكريّ، أو سوء فهم لمعلومة استخباراتية، أو ثقة مفرطة بالنفس لا تقرأ الحسابات والتوازنات بشكل جيد، من شأنه أن ينزلق بالجميع نحو المواجهة.

صحيح أنّ إيران تشعر بالقلق حيال المظاهرات في كلّ من العراق ولبنان، وترى أنّ هذه المظاهرات تستهدف نفوذها والقوى الموالية لها في البلدين، وأنّ حزب الله وفي حمأة معارضته للمظاهرات اللبنانية قد يُعنى باستعراض عسكريّ محسوب، من قبيل إسقاط المُسيّرة الإسرائيلية بما يمنح دعايته عن وضعه الخاص كحركة مقاومة مزيداً من المصداقية في ظلّ تخلخل مكانته الداخلية، إلا أنّ سياسات إيران والقوى التابعة لها لا تزال حذرة وتتسم بالبطء الاستراتيجي في تقدّمها، خشية من التورط في حرب مُدمّرة غير محسوبة.

في مكان آخر، من رقعة هذه المواجهة التي تتسع باستمرار، تبدو إيران أكثر ثقة بنفسها في ساحة الخليج، حيث حَقّقت سلسلة عمليات عسكرية واستخباراتية ناجحة، وبما ينم عن تطور قدراتها العسكرية والأمنية، وخاصة في عملياتها في مياه الخليج واستهدافها لمنشأة أرامكو النفطية في السعودية، بالإضافة إلى نجاحات حليفها الحوثي في اليمن في حربه مع السعودية، هذه الثقة ومع سياسات الرئيس الأمريكي ترمب التي يَصْعُب توقعها، واختناق إيران من الحصار المفروض عليها، وربما رغبتها في تنفيذ عمليات مدروسة ولكنّها موجعة، رداً على الاستهداف الإسرائيلي المستمرّ لحلفائها، فإنّ ذلك من شأنه أن يجعل احتمالات الانزلاق إلى الحرب قائمة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي