في حديثه أمام حشدٍ من مُشَرِّعي حزب العدالة والتنمية في أنقرة أمس الثلاثاء 23 أكتوبر/تشرين الأول، ألقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خطابا هاما بشأن قضية جمال خاشقجي.

وبهذا قَدَّم أردوغان للعالم أول روايةٍ تركيةٍ رسميةٍ بالجدول الزمني للاغتيال "المُخطَّط مُسبَّقاً" و"الوحشي" و"السياسي" للصحفي السعودي. وفي الوقت الذي أكد فيه على الكثير مما يعلمه الرأي العام، رغم أنه ترك بعض"الحقائق الكاملة" ليُكشَف عنها لاحقاً، فقد أكد أردوغان أن كاميرات المراقبة بالقنصلية السعودية أُزيلت أقراصها الصلبة قبل وصول خاشقجي وأن جزءاً من الفريق سافر إلى غابة بلغراد في إسطنبول ويالوفا يوم 1أكتوبر/تشرين الأول.

جاء خطاب أردوغان في نهاية المطاف مفنّداً بشكل كامل الرواية السعودية عن "المأساة المُروِّعة"، و"الخطأ الفادح"، و"الشجار بالأيدي" مع عناصر "مارقة" من الأجهزة الأمنية السعودية الذين تصرفوا بشكلٍ مستقلٍ عن ولي العهد محمد بن سلمان. والنتيجة الأهم لذلك الخطاب هي أن العالم صار لديه الآن تأكيد الرئيس التركي بالمقارنة بتأكيدات مسؤولين لم تُذكر أسماؤهم في الأجهزة الأمنية بالبلاد، بشأن رواية أنقرة للأحداث التي أدت إلى مصير خاشقجي.

لم يأت أردوغان على ذكر محمد بن سلمان مطلقاً، لكنه بدا وكأنه يُوَرِّط ولي العهد بالإشارة إلى أن العالم عليه أن يلتفت إلى المتورطين من "القمة إلى القاع".

جورجيو كافييرو

طعنة"مُقنَّعة"لمحمدبنسلمان

أظهر أردوغان احترامه للملك سلمان طوال خطابه، مشيراً إلى ثقته في تعاون الملك السعودي الصادق مع جهود التحقيقات. ومن الجدير بالذكر أن أردوغان لم يأت على ذكر محمد بن سلمان مطلقاً، لكنه بدا وكأنه يُوَرِّط ولي العهد بالإشارة إلى أن العالم عليه أن يلتفت إلى المتورطين من "القمة إلى القاع" في مقتل خاشقجي.

وطالب الرئيس التركي بأن ترد المملكة السعودية على الأسئلة المطروحة.

وتساءل أردوغان: "أين الجثة؟ هناك ادعاءاتٌ بأن الجثة سُلِّمت لمتعهدٍ محلي، لكن من هو ذلك الشخص؟ وليس من المسموح لأحدٍ أن يعتقد أن تلك القضية ستُغلق دون الإجابة على كل تلك الأسئلة".

لماذا تغيرت التفسيرات والروايات؟ لماذا لم يُفتَح مبنى القنصلية للمحققين إلا بعد أيامٍ من وقوع الجريمة، بدلاً من أن يُفتَح المبنى مُباشرةً بعد اختفاء كاتب «واشنطن پوست» المُقيم في ولاية فرجينيا؟ لماذا غادر شبيه خاشقجي الذي يرتدي ملابسه مبنى القنصلية لو لم تكن هناك نيةٌ لقتل المواطن المقيم في الولايات المتحدة؟ ولماذا كان خبير التشريح والطب الشرعي جزءاً من الفريق؟

يبدو أن تسريبات الحكومة التركية البطيئة ضغطت على الرياض للتخلي عن إنكارها في البداية لإيذاء خاشقجي داخل قنصلية المملكة بإسطنبول، ودفعتها للاعتراف علناً بموت الصحفي ومقتله.

جورجيو كافييرو

دعا أردوغان أيضاً لفتح تحقيقٍ مستقلٍ لا يقوده أشخاصٌ يُشتبه في تورُّطِهم بمقتل خاشقجي (أي محمد بن سلمان)، ومحاكمة المُشتبه بهم في تركيا وليس المملكة أو أي دولةٍ أخرى. ويبدو من رسالة أردوغان للمملكة السعودية هي أن القيادة التركية لا تبحث عن مشاكل مع الملك سلمان، لكن القيادة التركية ترغب في تهميش محمد بن سلمان.

ويبدو أن تسريبات الحكومة التركية البطيئة ضغطت على الرياض للتخلي عن إنكارها في البداية لإيذاء خاشقجي داخل قنصلية المملكة بإسطنبول، ودفعتها للاعتراف علناً بموت الصحفي ثم "مقتله" خلال المهمة الدبلوماسية. وفكرة احتواء خطاب أردوغان الأخير على أجزاءٍ محذوفة، تعني ضمنياً أن الرئيس التركي يحتفظ بالأدلة لاستخدامها في الضغط على الرياض وواشنطن.

تفادي الأزمة في العلاقات السعودية-التركية

من المؤكد أنه من السابق لأوانه تحديد تأثير قضية خاشقجي على مستقبل العلاقات بين أنقرة والرياض. وفي الوقت الذي يُمكن أن تتصاعد فيه التوترات بين قادة تركيا والسعودية بشكلٍ كبيرٍ على خلفية هذه الأزمة، يُظهر خطاب أردوغان رغبته في تزويد الرياض بمخرجٍ من الأزمة يحمي علاقاتهم الثنائية من العداء.

وكبراغماتي، يرى أردوغان مصلحته في تفادي تصعيد الأزمة بين تركيا والرياض. ومن عدة جوانب، تتعاون تركيا والمملكة عن قرب ولدى الثنائي الكثير للحفاظ عليه رغم النزاع القائم والتنافس الجيوسياسي بينهما. ويتطلع الاقتصاد التركي للاستفادة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة من المملكة السعودية. علاوةً على ذلك، لدى المملكة السعودية -مثل دول الخليج الأخرى- علاقات اقتصادية هامة مع تركيا، تمتد على قطاعاتٍ متعددةٍ مثل البنوك والسياحة والدفاع والمواصلات. ويسعى الرئيس التركي لتجنيب البلدين خطر الوقوع في أزمةٍ دبلوماسيةٍ ضخمةٍ قد تنتج عن اتهام أردوغان المباشر (بدلاً من الصيغة غير المباشرة التي استخدمها) لولي عهد السعودية بقتل ناقد النظام المُقيم في الولايات المتحدة.

استغل أردوغان نفوذه لإضعاف محمد بن سلمان بشدة، وهو الرجل الذي يُعرف بأنه تلميذ محمد بن زايد. وبتشديد الخناق على ولي العهد السعودي، أوضح أردوغان أنه لا يرغب في التعامل مع وريث الملك سلمان الشرعي كحاكمٍ مُقبلٍ للمملكة السعودية.

جورجيو كافييرو

لابد أن المسؤولين في الرياض يتساءلون عن الأدلة الدامغة التي تمتلكها السلطات التركية لدعم اتهاماتها بشأن مقتل خاشقجي. وبالتأكيد، أثار أردوغان قلق ولي عهد أبوظبي وحاكم الإمارات العربية المتحدة الفعلي، محمد بن زايد، المُتهم بتأدية دورٍ في مؤامرة الانقلاب الفاشلة داخل تركيا عام 2016، إذ استغل أردوغان نفوذه لإضعاف محمد بن سلمان بشدة، وهو الرجل الذي يُعرف بأنه تلميذ محمد بن زايد. وبتشديد الخناق على ولي العهد السعودي، أوضح أردوغان أنه لا يرغب في التعامل مع وريث الملك سلمان الشرعي كحاكمٍ مُقبلٍ للمملكة السعودية.

ومع احتمالية تصاعد التداعيات المأساوية لقضية خاشقجي، يبدو أن أنقرة في وضع قوةٍ يسمح لها بالضغط على الرياض، في خضم صراع النفوذ الجيوسياسي بين تركيا والمملكة بوصفهم قطبين للعالم الإسلامي السني، وهو الأمر الذي ظهر جلياً في أزمة قطر والانقلاب المصري عام 2013. وليس من الواضح تأثير اتهام أردوغان المباشر لمحمد بن سلمان بالمشاركة في مقتل خاشقجي على هذه المنافسة. لكن التوترات بين أنقرة والرياض أضحت على مشارف مستوياتٍ مرتفعة جديدة، في حال فشلت السلطات السعودية في الامتثال للمطالب التركية بالتعاون وسط هذه الملحمة التي لم تبلغ نهايتها بعد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي