في الآونة الأخيرة شهدت سوق الإعلان في مصر تطورات جذرية على مستوى البنية والتقنية، حتى باتت تدلل بذاتها على منطق اقتصاد السوق بشمولية مفهومها وآليات عملها، وتعكس آيدولوجيا الطبقة المهيمنة والمتحكمة في صناعتها.

تغيرت في الآونة الأخيرة وظيفة الإعلان وتعقدت، إذ لم يعد مجرد وسيلة لترويج سلعة ما، بل أصبح هو نفسه سلعة النظام، ومن خلال الإعلان باعتباره إحدى أدوات السلطة الرمزية، استطاعت قوى الليبرالية الجديدة أن تثبت كل مدى، قدرتها على إتقان السير بنصيحة جوستاف فلوبير (1821-1880) "يجب رسم ما هو رديء بشكل جيد".

إذًا، للإعلان مدلولات قد تجاوزت وظيفيته، وبتعبير بيير بورديو (1930-2002) "فلن نتمكن من فهم أي شيء إذا لم نفهم المجال الذي أنتجه، والذي يعطيه قوته"، وبتفكيك آليات عمل سوق الإعلان المرئي تحديداً، يتبين أنه يعمل وفق منطق الليبرالية الجديدة، الصدمة وإبراز المتناقضات والتطويق وإثارة مشاعر الخوف والتحفيز والمخاطرة، جميعها أساسيات جوهرية في بنيته، تتلاعب بسيكولوجيا المتلقي، وبالتبعية المساس بتكوينه العقلي وتغيير تصوُّراته ومبادئه عن واقعه المعيش.

تغيرت وظيفة الإعلان وتعقدت إذ لم يعد مجرد وسيلة لترويج سلعة ما بل أصبح هو نفسه سلعة النظام.

إيمان النمر

ولأن الليبراليين الجدد يشتغلون انطلاقاً من أردأ إشكاليات تورط نظامهم، وهو هدم العقد الاجتماعي وإعادة إنتاج التراتبية الطبقية، فبإرادة قصدية يؤكدون من خلال الإعلان تلك الطبقيةَ ويبرزونها بأوضح صورها حيويةً، لكن في إطار يجعلها مشروعة ومقبولة، بل تُعتنق كنموذج وقدوة باسم النجاح والتحقُّق الذاتي والتقدُّم والطموح والعالمية، إلخ.

ومن صياغة الإعلان تتضح الظروف الاجتماعية الراهنة، وتُمكِّننا تلك الصياغة المنعكسة من تفسير التناقضات الصارخة التي نشاهدها على الشاشة، استفزاز مشاعر الصدمة ما بين إعلانين متتاليين، أحدهما يروّج مشروعات استثمارية ضخمة، وعالَمًا ملوَّنًا بالأحلام المعولمة، ثم إعلان آخر ضاجّ بالفقر والمرض والجوع، يستجدي الحِسّ الإحساني في ظاهره، لكنه ينطوي على ما هو أبعد.

فالتمعُّن في التفاصيل ما بين إعلان "الكومباوند" السكني الفخم وساكنيه الغارقين في الأناقة والنظافة، لا بد أن يقابله أطفال وعجزه مرضى وفقراء مهانون في قرى ومؤسسات متهالكة، رسالة لحظية مكررة ومختصرة وكثيفة ومباشرة، تقول "إن لم تكُن كذلك فستصبح هكذا"، ولك الاختيار، بما يجعلك تعيش منشغلًا دائماً وبأقصى طاقة على حدود المخاطرة، متوترًا خشية السقوط في دوائر لعينة من المرض والفقر والعوز يقطن فيها هؤلاء الشحاذون الفقراء. وفي ذات السياق تتواجه التشكيلات الاجتماعية بذكاء، فالمواطن الفقير الذي اختار فقره كسلاً أو قدراً، يقع عبء إعانته وتكافله على كاهل المواطن الآخر "الناجح" و "الحر في تبرُّعه"، لا الدولة المُلزَمة عقداً اجتماعيّاً، وعلى وجه آخر يُشرعِن لصوصية البعض بتقديمه في قالب المنقذ الإنساني.

الإطار الذي يقدمه الإعلان لمحتواه السلعي منذ سنوات هو إطار النمط المعيشي للطبقة العليا المهيمنة الذي يطوّق المتلقِّي أينما ذهب وحيثما كان بين فواصل مسلسلاته وبرامجه ومبارياته المفضلة.

إيمان النمر

وقد تَطوَّر الإعلان في تقنية تقديمه وبنيته من حيث الموضوع واللغة والزمن المحدد للعرض، إذ بات شكلًا من أشكال الفن التمثيلي، له قالب درامي يعكس قصة أو مضمونًا اجتماعيّاً، ومن المعلوم أن الفن هو إحدى المنظومات الرمزية التي تستغلها الآيدولوجيات في الترويج بشكل خفي وضمني لبسط هيمنتها، وكي يتحقق ذلك يُشترط أن يمتلك مؤدّي الإعلان وزناً رمزيّاً في مجتمعه، وينتمي إلى الطبقة السائدة والمهيمنة التي يروج منطقها. مؤدون يتّسمون بالقبول الشعبي والتأثير الوجداني، بل لا مانع من استدعاء بعض النجوم الجماهيريين الذين رحلوا، بواسطة التقنيات الحديثة، لتمرير رسالة الإعلان باللعب على الوجدان الجمعي وذكرياته الدرامية الأثيرة.

وإعادة إنتاج النجوم هي أحد تمثلات إعادة إنتاج النظام وبناء شروطه الاجتماعية، بما يتطلب تغذية عالَم من التخيلات والتصورات يُفترض من الوعي الجمعي تبنيه، فالإطار الذي يقدمه الإعلان لمحتواه السلعي منذ سنوات، هو إطار النمط المعيشي للطبقة العليا المهيمنة الذي يطوّق المتلقِّي أينما ذهب وحيثما كان، بين فواصل مسلسلاته وبرامجه ومبارياته المفضلة، تصورات تُقدَّم له على أنها اعتباطية وعفوية، تساعده على تحديد نوع المدرسة والمطعم والسيارة والنادي الرياضي والكومباوند ومعاملاته البنكية وأماكن قضاء العطلة الصيفية.

ويتطلب إعادة إنتاج النظام، تقديم مبادئه على أنها مبادئ الجميع وصالحهم، إلى الحد الذي تصبح فيه بديهيات طبيعية لا تقبل الجدل، يجسد ذلك إعلانُ إحدى شركات الاستثمار العقاري، الذي تبدؤه الممثلة الشهيرة بقولها: "أنا ماشية في حياتي بمبدأ، باحب الأسماء الكبيرة، لما بيجيلي اسكريبت، أول حاجة بابصّ عليها هي الاسم، لو لقيت الاسم كبير، بامضي وأنا مغمضة"، وتستكمل دورها الإعلاني باعتقادها أن هذا هو مبدأ الجميع، فما من أحد عاقل لا يبحث عن اسم عائلة النسب، وكذلك أسماء الجامعة والمدرسة والطبيب والماركة التجارية "البراند"، مُنهية الإعلان بنصيحة مشاهديها باتباع الأسماء الكبيرة التي تستحقّ وحدها الثقة، لأنها هي التي "تطورنا".

لكن، كيف يتشكل وينبني هذا الاسم الكبير الذي يستحق ثقتنا ويُسأل عن تطوُّرنا؟ يجيبنا إعلان آخر لإحدى شركات الاتصالات التي تمتلكها الطبقة الحاكمة، والذي يبدؤه الممثل الشهير وهو ينظر إلى صور مَن خلَّدهم التاريخ، بسؤال يبدو كأنه لغز محيِّر مؤرِّق، يستجذب المشاهد ليقدم له خلاصة التجربة "طول عمري باسأل نفسي، إيه اللي بيخلي الناس الناجحين دول ناجحين؟! عندهم إيه أكتر من غيرهم؟!"، هل الذكاء؟ العمل بإتقان وجهد؟ أم الحظ؟ لا، ليست تلك هي شروط النجاح، بل شرطها الأساسي ومفتاح عبورها، هو شيء واحد يتمثل في "العلاقات"، العلاقات والمحسوبية والتكتلات الاجتماعية هي وحدها الكفيلة بإنجاح الفرد وعبوره إلى مصافِّ النخبة، وبالتالي تغيّر مفهوم المساواة والعدالة الاجتماعية، إذ لا يجب على الفرد الذكي والمجتهد مطالبة المستِغلّ بالعدل، بل مداهنته وتملُّقه، بل وطاعته إذا لزم الأمر، مقابل التنعُّم بعالمه البراق.

الاختيار الحر هو العنوان الرئيس الذي يُروَّج به منطق السوق ويبرّر سياساته المتعسفة، ففي إعلان آخر لنفس الشركة يجدّد الممثل من عالمه السعيد المخملي، تساؤله باندهاش وعتب "اللي بيقولوا الحياة صعبة ليه، ناس محتاجة تراجع اختياراتها، الموضوع في إيدك"، أما كيفية هذا الاختيار فتكمن ببساطة في الاقتصاد الطفيلي الذي يتمّ "بضربة واحدة وبكلمة واحدة"!

الاختيار الحر الفردي تروّجه الخطابات النخبوية مستندة إلى سياسة الداروينية الاجتماعية فالفقير هو الذي يتحمل فقره وعناءه بسبب كسله وضعفه ويحقّ للسيد استغلاله مقابل حمايته وإطعامه وتنويره.

إيمان النمر

وفي إعادة إنتاج النظام، تُعاد فلسفة ماضيه، مما هو متماثل مع اشتراطات حاضره، باسم الوطنية والاستقلالية والتنمية، ويرتكز في خطابه على الأكلشيهات والتخيلات الشعبوية عن الماضي الجميل، وابتعاث نماذجه، فعلي سبيل المثال تخبرنا إعلانات أحد البنوك الحكومية بأنّ "طلعت حرب راجع"، لكن كيف؟ بترك الدعة والكسل واستنفار قدراتنا الفردية الكامنة.

هذا الاختيار الحر الفردي تروّجه الخطابات النخبوية، مستندة إلى سياسة الداروينية الاجتماعية التي سادت القرن التاسع عشر، فالفقير هو الذي يتحمل فقره وعناءه بسبب كسله وضعفه وتدنِّيه في سُلّم التطوُّر، ويحقّ للسيد استغلاله مقابل "حمايته، إطعامه، تنويره"، فالبقاء للأقوى، هكذا يقولها صراحةً أحد الممثلين ذو الشعبية الكبيرة المحسوب على النظام السياسي بأحد إعلاناته، التي يؤكّد فيها لعبة السوق، "اللعب مع الكبار يكبره، اللعب مع العيال يصغره، من النجاح الكل اتحيّروا"، وفي الإعلان ينتقل الضوء اللامع على وجهه ومكانه الثري، ثم يخفت على وجوه الفقراء الكسولين، وتثبت ثيمة "البقاء للأقوى" إلى النهاية!

ذلك الإعلان تحديداً يعكس وجوه منطق اقتصاد السوق القبيحة كافة، لأنه بلغته شديدة الشعبية قد أتم استهداف الشرائح الاجتماعية كافة دون مصطلحات مهذَّبة وناعمة ملتوية، ومن صياغته العمومية يعيد باستخفافٍ إلى المخيلة الشعبية الدنيا، صورة "فتوة الحارة" الذي يلتزم الحماية والتنظيم وتوفير ضرورات المعيشة مقابل الإذعان والاستقرار، والأهم أن النظام فيه انتقل من مرحلة الهيمنة الرمزية المضمرة في الإطار، إلى مرحلة العنف الرمزي الصريح الذي يعكس أنه يمتلك درجة عالية من الثقة تسمح له بفرض سيادته بفجاجه مُعلَنة تتعدى معايير الرسم الجيد إلى الرداءة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي