في عملية بدت متزامنة وتحمل هدفاً مشتركاً، قامت إسرائيل بتنفيذ عمليتي اغتيال في غزة ودمشق استهدفت القياديين في حركة الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا في غزة وأكرم العجوري في دمشق.

وفي حين أسفرت عملية الاغتيال في غزة عن استشهاد أبو العطا القيادي البارز في حركة الجهاد الإسلامي، أسفرت العملية في دمشق عن استشهاد نجل القيادي في الجهاد أكرم العجوري.

وتعد هذه الاغتيالات والغارات الإسرائيلية جزء من سلسلة غارات تنفذها إسرائيل ضد أهداف محددة منذ اندلاع الأزمة في سوريا في عدة مناطق في سوريا ولبنان والعراق وغزة. وقد تصاعدت وتيرة هذه العمليات في الأشهر الاخيرة وزادت جرأة إسرائيل في حجم ونوع الاستهداف.

وعند وضع عمليات الاغتيال الأخيرة في غزة ودمشق في سياقها العام، يظهر لنا أن لدى إسرائيل استراتيجية أمنية محددة نابعة من فهمها لما يحدث في المنطقة بشكل عام وتحديد أهدافها الاستراتيجية والأمنية وقائمة أعدائها وأصدقائها.

وهذا الاستراتيجية الإسرائيلية تعمل بشكل منظم ومحدد على إضعاف الفعل الإيراني المواجه لها في المنطقة، ومنع إيران من إنشاء بنى تحتية لمواجهة إسرائيل وكبح جماحها في منطقة هشة ينتاب القوى العربية فيها ضعف غير مسبوق. 

كما تهدف إسرائيل بشكل رئيسي لقطع سبل الإمداد والدعم الإيراني للفلسطينيين ولحزب الله. ومنذ اندلاع الأزمة في سوريا عمدت إسرائيل على تنفيذ عشرات الغارات والاغتيلات ضد مجموعات إيرانية وسورية ولبنانية وفلسطينية كانت تعمل على إبقاء خط الإمداد اللوجستي لدى هذا المحور فعّال رغم حجم الأزمة في سوريا.

ويعد هذا هو المحدد الرئيسي في تحديد طبيعة الأهداف الإسرائيلية في عمليات الاغتيال والقصف التي تنفذها إسرائيل في غزة وسوريا ولبنان والعراق منذ العام 2013. وتؤكد العملية الأخيرة المتزامنة لهدفين في غزة ودمشق بشكل واضح على هذا المحدد؛ وعلى تركيز إسرائيل على قطع هذا الخط.

وتأتي الدوافع والمحددات الأخرى تابعة لهذه المقاربة وليست معاكسة لها. فرغم احتمالية وجود دوافع سياسية لدى نتنياهو من وراء عملية الاغتيال الأخيرة إلا ان هذه الدوافع لا تتعارض مع الخط الاستراتيجي العام لعمليات القصف والاغتيال الإسرائيلي.

وتشير عملية الاغتيال في غزة ودمشق لمحورية وأهمية المقاومة في غزة، وتأثيرها على المنظومة الأمنية لإسرائيل بشكل بالغ في ظل وجود شبكة أمان سياسية ومالية وعسكرية في المنطقة داعمة لهذا الكيان.

وهو ما يتطلب دوما تقدير موقف سليم لقوى المقاومة الفلسطينية حيال علاقاتها الإقليمية، وتأثير هذه العلاقات على الصراع الأكثر الأهمية في المنطقة. وهو الصراع الذي قد يعني لبقية الأطراف صراع قوى ونفوذ ولكنه يعني للفلسطينيين صراع متعلق بوجودهم على أرضهم والحفاظ على هويتهم، وهو ما يجعله بالنسبة لهم على سلم الأولويات دائماً. وهذه السردية الأنسب للفلسطينيين لكي يتبنوها في النظر للصراع في المنطقة ومواجهة أي سردية أخرى تغير في أولوية الخطر الإسرائيلي في المنطقة، وتجعل من الخطر الإيراني مقدماً عليه. 

وفي سياق استراتيجية إسرائيلية شاملة لمواجهة التعاون بين إيران وقوى المقاومة الفلسطينية، تعتمد إسرائيل وسائل متعدد لقطع خط الإمداد بين إيران والقوى المقاومة غير تلك العسكرية والأمنية. حيث يساهم اللوبي الصهيوني في الغرب وفي الولايات المتحدة بشكل خاص على تسليط الضوء على الجهود الإيرانية في مواصلة دعم المقاومة في لبنان وفلسطين. 

وقد فرضت الإدارة الأمريكية في السنوات والأشهر الأخيرة العديد من العقوبات على أفراد وشركات إيرانية تعمل في هذا الصدد. وهو ما يشير إلى حساسية الأمر لدى إسرائيل، وجدية الفعل الإيراني في مواصلة دعم المقاومة ومواجهة المشروع الصهيوني.

كما تعمل إسرائيل وحلفائها بشكل منظم على شيطنة العلاقة بين قوى المقاومة الفلسطينية وإيران وممارسة ضغوط إعلامية وسياسية على قوى مثل حماس من أجل قطع علاقتها بإيران. وقد يسهم في هذه الجهود الضاغطة على قوى المقاومة الفلسطينية قوى وحركات تعد نظرياً معادية للمشروع الصهيوني ولكنها لا تدرك تداعيات أن تترك المقاومة الفلسطينية لوحدها بلا نصير في مواجهة إسرائيل.

إن الاستمرار في تصدير سردية أن الخطر الإيراني على العرب يفوق الخطر الإسرائيلي، والتنظير لها يعد أهم ركائز الإرهاب الفكري والسياسي التي تمارسها قوى عربية متحالفة مع إسرائيل وأخرى تخطئ في تقدير الموقف على قوى المقاومة الفلسطينية وفي علاقتها مع إيران. حيث يسهم ذلك بشكل مباشر في الاستراتيجية الإسرائيلية في عزل الفلسطينيين وإبقائهم بلا حلفاء وبدون أي نوع من أنواع الدعم والتفرد بهم سياسياً وعسكرياً.

الفلسطينيون اليوم بأمس الحاجة لكل أنواع الدعم ولكل القوى المناهضة لهذا الخطر الداهم الذي يهدد المنطقة بأسرها ويعمل على السيطرة عليها واخضاعها لنظريته الأمنية.

لدى إسرائيل شعور بأن يدها مطلقة في فعل ما تريد في المنطقة وتوجيه ضربات عسكرية وأمنية حيثما أرادت. ويسعى نتنياهو لتصدير صورة لإسرائيل بأنها لم تعد دولة معزولة إقليمياً بل تقود محوراً في مقابل دول إقليمية أخرى.

وهي الصورة التي ترغب إسرائيل بترسيخها وتصديرها في إظهار حجم التطبيع مع بعض الدول العربية التي تروج العداء لإيران وتركيا، مقابل التعاون مع إسرائيل. وهذا ما يجب على القوى الإقليمية النظر له بنظرة جدية والعمل على وقفه بكل السبل. لأن لهذا معنى وحيد وهو أن تصفي إسرائيل القضية الفلسطينية وتنفذ سياساتها العنصرية والإحلالية بضرد الفلسطينيين مرة أخرى من أرضهم والسيطرة على أراضيهم وفرض هيمنتها على المنطقة. من المفترض أن تبقى القوى جميعها في المنطقة على وعي بأن إسرائيل مشروع استعماري أجنبي يهدف لاضعاف قوى المنطقة جميعها دون استثناء.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي