من يتابع جيداً المشهد السياسي والثقافي الفرنسي، على مدى عقدين من الزمان، لا يخطئه مشهد أزمة الفرنكفونية الفرنسية، وفي قلب هذه الأزمة أزمة العلمانية "اللائكية" الفرنسية.

وهي النسخة من العلمانية الأكثر تطرفاً مقارنة بنظيراتها الألمانية والبريطانية والأمريكية، والتي من فرط أزمتها، أي العلمانية الفرنسية، لم تعد قادرة على سماع أي نقد أو محاولة تصحيح مسارها، وهي التي بدأت بالانكشاف اليوم أكثر من أي وقت مضى، بتحولها إلى دين في مواجهة الأديان الأخرى والإسلام تحديداً، بحسب ساري حنفي أستاذ علم الاجتماع العربي المعروف.

لكن المتعمق أكثر في تتبع مسار العلمانية الفرنسية منذ قرار عام 1905 القاضي بالفصل التام بين الدولة والكنيسة، لن يجد مطلقاً أن ثمة أي نوع من الصدام بين الدولة والكنيسة في فرنسا، أو صدامها مثلاً مع اليهودية، بقدر ما يلاحظ حالة الصدام الذي تفتعله الدولة الفرنسية بين حين وآخر مع الإسلام ومعتنقيه، كثاني أكبر ديانة انتشاراً في فرنسا. 

صناعة الانعزالية فرنسياً 

تجمع المسلمون الفرنسيون في ضواحي المدن التي بنتها لهم الدولة الفرنسية ذاتها، بعيداً عن قلب العاصمة باريس وبعيداً حتى عن المدن الكبرى، لتحافظ فرنسا بذلك على هوية مدنها الفرنكفونية، من مناظر المسلمين ومساجدهم وأسواقهم ومحجباتهم وملونيهم من الأفارقة المسلمين، وهو ما أسس بعد ذلك لما باتت تصفه فرنسا اليوم بالانعزالية الإسلامية، وهي التي صنعتها سياساتها الإسكانية أولاً وثقافتها الفرنكفونية ثانياً، باعتبار أن هؤلاء المهاجرين مجرد عمالة طارئة يمكن التخلص منهم متى ما أرادت. 

ومن هنا ربما بدأت أولى جذور أزمة العلمانية الفرنكوفونية الفرنسية، التي أسست سياساتها لكل هذه الإشكالية، والتي باتت فرنسا تصفها اليوم بمهددات قيم الجمهورية الفرنسية، ومبادئها العلمانية "اللائكية"، والمتمثلة بالمصطلح الجديد في القاموس السياسي الفرنسي، وهو مصطلح "الانعزالية الإسلامية"، الذي أطلقه مؤخراً ماكرون وتناقلته الآلة الإعلامية الفرنسية. 

لقد كشف مصطلح الانعزالية الإسلامية عن عمق أزمة العلمانية الفرنسية، والتي كان سبب منشئها هو هذه النظرة الاستعلائية تجاه العمالة المهاجرة المسلمين تحديداً، وإبقائها بعيداً عن أي عملية إعادة تأهيل ودمجها في المجتمع، مع احترام خصوصيتها وثقافتها وفقاً للمقاربة العلمانية، والتي ازدادت تعقيداتها مع الأجيال الجديدة الصاعدة والتي نشأت وتربت في هذا المجتمع وتتحدث بلسانه، ولكنها وجدت نفسها أجيالاً مهمشة ومحاصرة في الضواحي والعشوائيات بعيدة عن أي اهتمام حقيقي من قبل الدولة الفرنسية، بل العكس تماماً فلقد قدمت الدولة نفسها كخصم لهذه الأقليات. 

الفرنكفونية كمنتج للتطرف ونقيض للعلمانية 

الجانب الآخر في سياق أزمة العلمانية الفرنسية هو السياق الثقافي المتمثل بالثقافة الفرنكفونية، التي تمثل قالباً ثقافياً جامداً ومحصوراً بالنمط والرؤية الفرنسيتين للآخر أياً كان هذا الآخر، والآخر المسلم تحديداً، بحسب الأزمة الدائرة حالياً التي دفعت ماكرون إلى القول بأن الإسلام يعيش أزمة عالمية، مقدماً نفسه هنا كمصلح اجتماعي ومفكر إسلامي كبير. 

مع أن الأزمة لا تكمن في الإسلام وإنما تكمن في الفرنكفونية ذاتها، كمولدة للإرهاب والتطرف، بحسب الدراسة التي توصل إليها الباحثان ويليام ماكنتس وكرستوفر ميزريول، "بأن أربعاً من الدول الخمس التي تشهد أعلى معدلات الإرهاب في العالم، هي دول فرنكفونية"، في دراستهما تلك التي لخصاها كمقال في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية الفورين أفيرز في 24 مارس/آذار 2016، وتحت عنوان "الرابط الفرنسي، تفسير التطرف السني حول العالم". 

فقد حاول الباحثان بتلك الدراسة البحث عن تفسيرات تساعد على توقع معدلات التطرف في بلد معين، فاكتشفا في بحثهما ذلك مؤشرين اثنين، أولهما: عدد الجهاديين الذين صدرهم كل بلد، وثانيهما: عدد الهجمات الإرهابية التي حدثت في ذلك البلد. فكانت النتيجة صادمة بأن أربعة من خمسة بلدان هي الأكثر تعرضاً للهجمات الإرهابية، هي ذاتها البلدان الأكثر تصديراً للإرهابيين. 

وللأسف كلها بلدان فرنكفونية ثقافياً، وهي فرنسا وهولندا وبلجيكا وتونس، وهذه النتيجة بالطبع كانت صادمة، وأثارت جدلاً كبيراً حينها، ومع ذلك ظهر من يؤيد مثل هذه النتيجة ومن قلب فرنسا ذاتها، حيث خرج الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري بتصريحاته الشهيرة، ليتحدث عن السياسات الغربية عموماً والفرنسية خصوصاً في العالم الإسلامي، أنها من تصنع الإرهاب. 

محطات الأزمة اللائكية للعلمانية 

ربما يعتقد البعضُ أن أزمة الرئيس إيمانويل ماكرون من خلال تصريحاته المعادية للإسلام إنما تمثل بداية لأزمة العلمانية الفرنسية، بل العكس تماماً، فليست هذه التصريحات سوى رأس جبل جليد أزمة العلمانية الفرنسية وعلاقتها المتوترة بالإسلام. 

فبداية هذا التوتر بين اللائكية الفرنسية والإسلام يعود إلى محطات سابقة، تتصاعد مع صعود اليمين المتطرف وتنخفض مع صعود اليسار الفرنسي، ذي الموقف الرافض لربط الإرهاب بالإسلام كدين، وفي عهود رؤساء ومسؤولين فرنسيين سابقين، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 1997 في اجتماع حضره ممثلو الديانات المختلفة، طرح وزير الداخلية الفرنسي حينها جان بيير شوفينمون فكرة إنشاء مؤسسة تعيد دراسة الإسلام وإعادة تقديمه للفرنسيين بشكل أفضل، قائلاً إنه مع احترام الدولة لقرار فصل الدين عن الكنيسة لكنها لا تغفل دور الدين وحضوره المجتمعي، مضيفاً أنه يريد باختصار إسلاماً فرنسياً. 

وهكذا بدأت تحضر فكرة الإسلام الفرنسي أو فرنسة الإسلام، في المجال العام الفرنسي، باعتبارها قضية جوهرية ومركزية بالنسبة إلى الدولة الفرنسية، وهي فكرة تستبطن النظرة الفرنكفونية للآخر الديني المسلم خصوصاً وثقافته، وأهمية ذوبانه ثقافياً وتلاشي هويته داخل منظومة الثقافة الفرنكفونية، لكن المشكلة أن هذه النظرة الفرنكفونية لا تشمل كل الأديان، فقط هدفها الإسلام كما ذهب فرنسوا درويش إلى ذلك. 

وفي 19 أبريل/نيسان 2003 صرح وزير الداخلية الفرنسية حينها نيكولا سركوزي، في حفل نظمه اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية، قائلاً إن على المسلمين أن يظهروا رغبتهم الكاملة في أن يكونوا فرنسيين، داعياً القائمين على تلك المنظمات والفعاليات إلى التواصل الدائم مع الحكومة للنقاش حول ذلك، وفي العام ذاته أعلن عن تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، كأول مؤسسة مقربة ومدعومة حكومياً لتنظيم الحياة الدينية وتخريج الأئمة والدعاة وفقاً للمنهج الفرنكفوني، الذي يريد إسلاماً علمانياً منزوعة منه روح الإسلام وقيمه. 

لكن تبقى أبرز محطة هي إعلان وزير الداخلية الفرنسي دومنيك دو فليبان، في 21 مارس/آذار 2005، عن تشكيل ما أطلق عليه حينها بــ"إسلام دو فرنس" أو "إسلام فرنسا"، ومن خلال التسمية يتضح أن مرحلة الارتياب الفرنسي من الإسلام بلغت مداها، وأنهم بصدد تشكيل إسلام فرنسي عصري خاص على آخر موديل جادت به مختبرات الإسلاموفوبيا الفرنسية، هذه النسخة التي أخذت بالتطور لتظهر اليوم تحت اسم "منتدى أئمة فرنسا"، والذي يتجلى اليوم بأبرز رموزه من حسن الشلغومي إلى طارق أوبرو كممثلين حصريين للإسلام المرغوب والمطلوب فرنسياً. 

تداعيات الأزمة ومستقبلها 

ربما تقود أزمة العلمانية الفرنسية المراقبين للشأن الفرنسي، والمنبهرين بفرنسا الفرنكفونية، إلى الإصابة بمتلازمة جديدة قد نطلق عليها متلازمة فرنسا أو المتلازمة الفرنكفونية، على غرار متلازمة باريس الشهيرة، ومن ثم انخداش تلك الصورة الوردية التي تحاول فرنسا تقديمها عن علمانيتها اللائكية، بعد هذا الانكشاف الكبير لعمق الأزمة الفرنسية المركبة، وهي أزمة هوية انفصامية بين فرنسا الأنوار والحرية وفرنسا اللائكية المتطرفة، والتي انعكست بصورة أوضح تجلياً في أزمة علمانيتها الراهنة. 

حالة الارتباك والانكشاف التي تعيشها فرنسا اليوم، وتحاول الهروب منها إلى الإمام بمزيد من تصعيد الأزمة ضد مسلميها، ستكون انعكاساتها كبيرة فيما يتعلق بسمعتها أولاً في العالم الإسلامي الكبير، كأكبر الأسواق للمنتجات الفرنسية، والذي يرى بذلك أن مقدساته تُهان، وأن أبسط الإيمان هو مقاطعة هذه الدولة اقتصادياً وسياحياً أيضاً، هذا عدا عمَّا حذر منه الكثيرون من أن مثل هذه السياسات العدائية ضد طائفة من مواطنيها ستدفع إلى مزيد من العنف والعنف المضاد، وهذا ما يتجلى اليوم في أزماتها المتلاحقة والتي لن تكون مظاهرات تجريم نشر صور الأمن العام إلا أبسطها، بالنظر إلى ما ينتظرها من أزمات تزداد تعقيداً كلما بالغت الحكومة الفرنسية في عدائها لمسلميها تحت ذرائع حماية العلمانية والجمهورية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRT عربي .    

TRT عربي