تبعث تسريبات المقاول المصري محمد علي الرغبة لدى كثيرين في الرجوع إلى أحداث ثورة 25 يناير ومساءلتها للوقوف على ما تبقى من إرث ثورة الشباب التي سلبها العسكري طموحها الديمقراطي.

على مدى الأيام الماضية يتابع ويتبادل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بشغف واهتمام بالغ، المقاطع المصوَّرة والصوتية التي يبثّها المقاول محمد علي، متهماً النظام المصري ممثلاً في الهيئة الهندسية بمؤسسة الجيش تحديداً، بالتورُّط في أعمال فساد وإهدار للمال العام وكذا إهدار حقوقه المالية هو شخصيّاً، على الرغم من تاريخ العمل بينهما لمدة خمسة عشر عاماً، ويبدو أن تلك المقاطع ألهبت حماسة آخرين ممن كانوا يمثلون "رمزية يناير 2011"، إذ بعد انقطاع وائل غنيم لسنوات عن المشهد العامّ، ظهر مرة أخرى عبر صفحته الخاصة متحدثاً في هيئة مرتبكة وغاضبة عن عدة مسائل اختلط فيها الخاصّ بالعامّ.

وبصرف النظر عن الاختلاف والجدل حول الحكم القيمي على مضامين تلك المقاطع المتداولة على نطاق واسع ومدى عقلانيتها وموضوعيتها من عدمه، فإنها تؤكّد للملاحظ على نحو موضوعي، أنّ ثورة يناير 2011 كانت حدثاً مؤسّساً يستحيل تجاوزه على عكس ما يُعلَن من شهادة وفاتها، حتى بين صفوف المتنكرين لها، بل تثبت مجريات الأحداث أنه لا يزال حدثاً قابلاً للتوظيف والاستغلال واستخدام مفرداته، في صياغات مختلفة، وأيضاً تقييمه أو مدى إمكانية وجدوى تكراره.

ولعلّ في مضامين تلك المقاطع من الجهتين ودينامياتها التفاعلية، كثيراً من الدلالات الكاشفة الإشكالية التي لا تزال تبحث عن أجوبة، وفي الوقت ذاته تعلن مجدَّداً عمَّا أعترى الثورات العربية من ثغرات وبواطن ضعف مكّنَت الأنظمة الرجعية من إعادة إنتاج نفسها، مما يُلزِم ضرورة مساءلة الثورة بمراجعات نقدية جادة، سيما من قِبل فاعليها.

كما لا بد من تشريح البنى الاجتماعية والثقافية وكيفية تكوين أصول الثروات، لمن أيّدوا الفعل الثوري ومثلوه خطابيّاً، ومن الذين يوظفونه اليوم، وكذا تعيين الفئات المنتفعة من النظام وقياس مداها وموقعها من السلطة وما شَكْل هذا الانتفاع وتضاعفاته.

إذ نحن أمام شخص يمثّل مركزية المشهد الراهن، ينتمي إلى الطبقة الوسطى العليا التي استفادت من عمليات خصخصة القطاع العامّ في مصر، الذي بلغ ذروته أواخر التسعينيات، وقد انتعشت على نحو خاص سوق العقارات والتشييد، على أثر ما تَبنَّته الدولة من مشروعات عمرانية وسياحية كبرى سمحت بتوسيع شبكات الانتفاع وتوزيع نسب الربح.

وبناءً عليه تغيرت الخريطة الاجتماعية، إذ تَمكَّن بعض الأفراد والعائلات من الطبقات الدنيا والوسطى محدودة التعليم والكفاءة التقنية، من الاندراج في تلك التشكيلة الاجتماعية الجديدة، وقد تَغذَّت لاحقاً على العقود عالية الربحية الخاصة بإمدادات الجيش في القطاع الخدمي.

هذه الشريحة تحديداً، تَضرَّرَت من الثورة مرتين: مرة حين انهار رأس النظام المرتبطة بشبكاته، والأخرى حين تَمكَّن النظام بعد استعادته، من تقويض مكتسباتها وإقصائها تدريجياً، مما أضرّ بمصالحها ومصالح القطاع الخاصّ المدني بشكل عامّ. أما والحالة هذه، فلا غرابة في تبنِّي بعض أفرادها مفردات الثورة وإعادة توظيفها في ما يمسّ مصالحه.

وقد ينتمي مادّياً بعض الشباب من ممثلي الحدث الثوري الذين شكّلوا رمزيته، وتَصدَّروا المشهد العامّ إلى نفس الطبقة السابقة، وهذه نقطة الاتفاق، لكن على النقيض، فهم مختلفون من حيث التكوين الاجتماعي الثقافي، إذ إن أغلبهم متحصّل على تعليم جامعي وثقافة رفيعة يمكن وصفها بالنخبوية، وينتمى هؤلاء إلى المهنيين من الطبقة الوسطى العليا، التي تَشكَّلَت بشكل رئيس من توسع قاعدة التعليم العامّ والهجرة إلى الخارج، مما سمح لهم بتبني مفاهيم ثقافية حداثية حول مفهوم المواطنة والقانون والأخلاق والقيمة الإنسانية لحرية الفرد والآخر، وما إلى ذلك من تصوُّرات عن الذات والعالَم المحيط.

عبر الثورة أمكن إيجاد مساحة تجمع الأضداد، إذ كانت بمثابة المجال العامّ المفتوح الذي كشف بينهم عن القواسم المشتركة، ومصلحة عامة يمكن الالتفاف حولها، نظراً إلى ما للضرر الذي وقع عليهم بشكل أو بآخر من توغل النظام واحتكاره الحيز الاقتصادي والسياسي لصالح مجموعة مغلقة من ذوي النفوذ باتت تهدّد تطلعات التشكيلات الاجتماعية الصاعدة التي أصبحت واعية نسبيّاً بمصالحها ومطالبة بحقّها في التمثيل السياسي والمجتمعي.

وهذا ما يُحيلنا إلى إشكالية التمثيل ولغة الخطاب، إذ ينكشف مرة تلو أخرى أن أغلب هؤلاء الذين مثلوا الثورة خطابياً، لم يستطعوا التخلص من حمولات الشحنات الانفعالية التي تناسب الفعل الثوري لا الواقع المعيش بتناقضاته وتعقُّد شبكاته، إذ لا يزال البعض يتحدث عن النقاء الثوري والطهرانية الثورية والذاتية الفردية على نحو متصلّب وغالباً استعلائي، وبمفردات ما بعد حداثية وتجريدات مثالية نظرية لا تتناسب وسياق الزمن الاجتماعي المتأخر الذي نعيشه من حيث القبول والاستعداد الذي يسمح بالفعل التبادلي بين المتحدث والمتلقي.

وبتدقيق النظر في المشهد الماثل أمامنا، يتبين مدى السخط على استمرارية هذا الخطاب ورفضه سواء بالنقد أو السخرية، ممَّا أدَّى ضمن أسباب أخرى، إلى النفور وفقدان الثقة بالوجوه القديمة التي مثَّلَت الثورة، ليس رفضاً لذاتها، بل لما أصبحت تمثّله من عجز وهشاشة ومثالية مجردة غير قابلة للتجريب.

فيما يلتفّ العامة حول الخطاب الذي يقدّمه الآخر، الذي وإن كان منتفعاً ومتورطاً في سياسات نفس النظام الذي تعاديه، فإنه قادر على تمثيل الواقع بخطاب وأسلوب شعبوي "خالي التزويق" يناسب العقل الجمعي الذي لا يزال يستدعي حكايات "فتوّة الحارة" وتداعبه مخيّلة البطل الشعبي الذي يدافع عن الفقراء والمحرومين ويتحدى الظالمين ولو بالكلام! في مشهد رمزي وربما هزلي، يجسّد على نحو غير مباشر أحد شعارات ما بعد الثورة "واحد مننا"، انتماء قد لا يعبّر عن الانتماء الطبقي وحسب، بل التوجه السياسي أيضاً لبعض المعارضين.

وعلى الرغم من تناقضات هذا المشهد الجاري وتعقداته وصعوبة بناء توقُّعات مآله، فإنه يشير إلى حدوث حالة من النضج ولو بحدّ أدنى لدى البعض ممن ساهم أو أيّد الثورة، حيث استدراك ضرورة تجاوز اللغة الانفعالية المتشنجة والمشخصنة، ومن ثمّ إعادة النظر في كيفية العمل السياسي وإمكاناته واقعيّاً.

وفي واقع الأمر، يعاني المجتمع الشرق أوسطي بالعموم، وحتى مثقفوه، من البداوة السياسية، إن لم يكن انعدام السياسي وتقطعاته التاريخية، وهذا حديث آخر، ويعود ذلك بالأساس إلى أننا مجتمعات حديثة العهد بالمفاهيم السياسية في إطارها الحداثي، أضف إلى ذلك طبيعة وسيرورة الحكم الاستبدادي الذي يتحكم في تعيين شبكة التابعين والمنتفعين في لعبته التشاركية، عدا احتكاره مفاتيح السلطة، والهيمنة على المجال العامّ، إن لم يكن إغلاقه تماماً بالقسر، حين يفتقر إلى وسائل الهيمنة بالإقناع.

ويخطئ من يعتقد أن الثورة لم تُحدِث أثراً في الجانب السياسي، وإن لم يكُن ملموساً ومباشراً، لكن يمكن ملاحظته في التحولات الثقافية وأنماط التفكير والسلوك عند نسبة كبيرة من الأفراد سيما الشرائح العمرية التي ساهمت أو تأثرت بالمدّ الثوري لاحقاً، إذ إن المطالبة بالحريات الدينية وفتح النقاش حول القضايا الجنسانية، ثم حالة اللا انتماء السياسي إلى النظام ورفض الوصاية الأسرية وغيرها، جميعها تخلخل نسبيّاً النظام الأبوي الذي يؤسّس لأصل التراتبيات السياسية والاجتماعية ويورثها.

ولربما ينحصر هذا الحراك في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضي والإعلام الرقمي البديل على نحو عشوائي ومشتّت ومستنسَخ، ينقصه النضج الكافي لأن يُترجَم إلى فعل، إلا أنه يظل هامش التعبير المتاح الذي يمكن استغلاله في أي فرصة سانحة، إذ أمكن تسكينه وتراكمه داخل الوعي الجمعي.

وإن كانت تلك المضامين المتداولة اليوم، وكيفية التفاعل معها تطمئن النظام بقوته الراهنة نسبة إلى عجز الفئات المعارضة لسياساته والكشف مجدداً عن تمثلات ضعفها، فإن أسلوب الفضائحية والاحتقار الساخر العلني هذا، نعتقد أنه يضرّ بصورة النظام وتماسكه، مما قد يُفضِي به اضطراريّاً إلى فتح المجال العامّ ولو بحدود معيَّنة، وإعادته النظر في مسألة إدراج شرائح اجتماعية جديدة في نسب توزيع الموارد والامتيازات.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي