تسعى الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة إلى استخدام "مشروع غاز المتوسط" كبوابة لدمج إسرائيل في المنطقة لا سيما الخليجية منها وذلك على حساب الدول الإقليمية الكبرى مثل تركيا وإيران.

تنشط خلال الأشهُر الأخيرة تحركات تركية للتنقيب عن الغاز قبالة سواحل جزيرة قبرص المتنازع عليها مع اليونان، وتثير محاولات التنقيب هذه انتقادات واسعة من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية التي لم تُخفِ دعمها لقبرص الرومية في الاستحواذ الحصري على مصادر الغاز الطبيعي في مناطق متنازَع عليها منذ عقود.

لا يقتصر الموقف الغربي على دعم قبرص الرومية التي اكتشفت منذ عام 2009 حقولاً غنية بالغاز قبالة سواحلها، بل يمتد هذا الدعم ليطال إسرائيل التي وضعت يدها على كنز من حقول الغاز في ذات العام، وبعض هذه الحقول متنازَع عليه أيضاً، فهي إما تعود وفق القانون الدولي إلى أراضٍ محتلة قبالة شواطئ غزة، وإما يقع جزء من مخزونها ضمن المياه الإقليمية اللبنانية مثل حقل ليفياثان.

اللافت أن بحيرة الغاز التي تقع أسفل مياه شرق المتوسط، تتمركز غالبيتها في مناطق متنازع عليها، وهو الأمر الذي يزيد تحديات الاستفادة من هذا الغاز ناهيك عن الكلفة الاقتصادية لاستخراجه وتصديره، لا سيما وأن مركزي الغاز يقعان في دولتين صغيرتين هما، جزيرة قبرص وإسرائيل، اللتين يفوق الغاز المكتشَف احتياجهما المحلي بعشرات الأضعاف.

بحيرة الغاز التي تقع أسفل مياه شرق المتوسط تتمركز غالبيتها في مناطق متنازع عليها وهو الأمر الذي يزيد تحديات الاستفادة من هذا الغاز ناهيك عن الكلفة الاقتصادية لاستخراجه وتصديره.

أماني السنوار

ولأجل تفكيك هذه التحديات، سعت كل من إسرائيل وقبرص إلى تشكيل منتدى اقتصادي إقليمي يساعدها على نهب الغاز المكتشف بأقل العقبات، من خلال حشد الدعم السياسي للاستحواذ على الحقول المتنازع عليها، وإيجاد دول مستعدة لاستيراد الغاز بعد استخراجه وإسالته.

وقد انعقد أول اجتماعات هذا المنتدى في يناير من العام الجاري في مصر، بمشاركة إسرائيل وقبرص الرومية اللتين ستستخرجان الغاز قبالة سواحلهما، بالإضافة إلى مصر التي ستُوكَل إليها مهمة إسالة الغاز لعدم امتلاك قبرص وإسرائيل هذه التقنية، بالإضافة إلى شراء القاهرة للغاز الإسرائيلي.

وقد حضر أيضاً كل من الأردن والسلطة الفلسطينية بوصفهما مستهلكَين للغاز التي تسيطر عليه إسرائيل، بالإضافة إلى اليونان وإيطاليا اللتين ستشكّلان الممر الإقليمي للغاز المُسال نحو المستوردين في أوروبا.

بالنسبة إلى الجانب الأوروبي يمثّل هذا المشروع فرصة ذهبية للتخفُّف من الاعتمادية على الغاز الروسي وتحقيق جزء من أمن الطاقة، أما الدعم الأمريكي السخيّ الذي تُوّج بمشاركة وزير الخارجية مايك بومبيو في قمة اقتصادية في تل أبيب مع زعماء إسرائيل وقبرص الرومية واليونان في مارس الماضي، فلا يُمكِن تفسيره بالأسباب الاقتصادية، بل يأتي لصالح دعم قبرص الرومية وإسرائيل على حساب القبارصة الأتراك والفلسطينيين، إلى جانب قطع الطريق على كل من روسيا وإيران اللتين تسابقان الزمن لمساعدة سوريا على الاستفادة من الغاز المكتشف حديثاً في أراضيها وتصديره عبر البحر المتوسط نحو تركيا ثم أوروبا وبتكلفة إنتاج أقل وأسعار أفضل.

ولا تقتصر مخاطر المضي قدماً بالمشروع القبرصي-الإسرائيلي على نهب حقول غاز متنازع عليها، أو تقويض محاولات إيران وروسيا استخراج الغاز السوري فحسب، بل قد يهدّد على المدى البعيد مكانة قطر في سوق الغاز الطبيعي، وقد يفتح الباب أيضاً لانضمام دول خليجية إلى منتدى الغاز الإسرائيلي-القبرصي لتكون أول مشاركة خليجية في منتدى تطبيعي مباشر مع دولة الاحتلال.

وقد لاحت إشارات ذلك من خلال إعلان إماراتي-سعودي-بحريني عن دراسة فكرة إنشاء أنابيب لنقل الغاز الخليجي نحو البحر المتوسط ثم باتجاه أوروبا، في ذات الأسبوع الذي عُقد به المنتدى الاقتصادي في مصر.

لا تقتصر مخاطر المشروع القبرصي-الإسرائيلي على نهب حقول غاز متنازع عليها بل قد يهدّد على المدى البعيد مكانة قطر في سوق الغاز الطبيعي.

أماني السنوار

وعلى الرغم من التكلفة العالية لمشروع أنابيب شرق المتوسط، فإن الرهان الإسرائيلي-الأمريكي على المشروع يشي بأبعاد سياسية تفوق الأهمية الاقتصادية للفكرة، لا سيما في ظلّ وعي صناع القرار إلى الانتقادات المتعددة التي باتت تتلقاها نظرية الجيويوبولتيك التقليدية التي قلّلَت أهمية مصادر الطاقة الهيدروكربونية كأحد أهمّ أسباب القوة الإقليمية، وركزت على اعتبارات أخرى كالموقع والمساحة والموارد البشرية.

وبنظرة سريعة نحو الدول المؤهلة للعب دور إقليمي هامّ في الشرق الأوسط وفق اعتبارات الجغرافيا السياسية، نجد أنها أصبحت دولاً ممزقة ومدمرة أو تعاني من عقوبات أمريكية وغربية قاسية مثل: مصر وإيران والعراق وسوريا، بينما يتصدر المشهد دول خليجية أصغر من حيث الحجم والموارد البشرية نظراً إلى غناها بالمصادر الهيدروكربونية وتمتُّعها بتحالفات مع الغرب وفّرَت لها الحماية، وهذا ما تسعى له كل من قبرص وإسرائيل.

ختاماً، هناك الكثير ليُقال بلغة الأرقام حول مخزونات غاز شرق المتوسط وتكلفة الاستخراج والتصدير، لكن وضع مشروع أنابيب شرق المتوسط في سياق أهدافه السياسية من تهميش لقوى إقليمية هامة مثل: تركيا وإيران وروسيا، في مقابل تعزيز مكانة إسرائيل وقبرص الرومية واليونان في صراعاتهما الإقليمية، وإدماج دولة الاحتلال في المنطقة (لا سيما الخليجية) عبر بوابة الاقتصاد والطاقة، إلى جانب استحواذ حلفاء واشنطن في المنطقة على تجارة الغاز، يذلّل الكثير من الصعوبات الاقتصادية، خصوصاً إن تم التجديد لإدارة ترمب القادرة على تحصيل التمويل اللازم من دول الخليج لمثل هذا المشروع، بالإضافة إلى التمويل الأوروبي المعلن عنه أصلاً، ومن المرتقب أن يُكشف مع نهاية 2019 الجاري الكثير من التفاصيل التمويلية والإنشائية الخاصة بهذا المشروع!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي