عندما تَنْقَتِلُ الإنسانية وتتضخم الأنا وتتحرك لعبة المصالح، تصير لغة العنف الأكثر استعمالاً في تأزيم الأوضاع ومُراكمة الخسارات، حينها يبحث "إنسان العنف" عن مبرراتٍ لِفِعْلِهِ اللاإنساني،

فَيَتَوَسَّلُ بالدين أو الطائفية أو العرقية أو اللغة أو اللا قضية واللا رهان، فيتولد الإرهاب مستهدفاً أَهَمَّ حَقَّيْنِ في الوجود، وهما: الحق في الحياة والحق في السكينة والأمن.

تبدأ المأساة بفكرة أو قضية خاسرة، تستجمع حولها أتباعاً ومؤيدين، وتجد لها عرابين ومستفيدين من"خيراتها أو لعناتها"، وتنطلق نحو الهدم والقتل والترويع والإرهاب، وبِدَمٍ بارد، ومن غير إحساس بالذنب، ما دامت الخلفية المؤطرة تمنح للإرهابي شرعية الفعل وتبريراته، عبر استعمال تعسفي للنصوص الدينية أو تأويل ملتبس للقضايا التاريخية والوقائع السياسية والثقافية.

إن الإرهاب برأي مُعْتنقِيه، يُعد حلاً لتدبير الخلاف وإثبات نقيض الأطروحة القائمة، ولهذا يعتبرونه "جهاداً" و"نضالاً" و"دفاعاً عن النفس" و"انتقاماً" وهلم جراً من تسميات، تعلن أزمة الخطاب ومأزقية السياق. ليبقى في النهاية، ولو كره أصحابه، دالاً على كل "عنف مسلح يستهدف الإنسانية، تحت أي دافع أو غطاء ديني أو سياسي أو ثقافي أو إيديولوجي أو سوسيو اقتصادي"، فالإرهاب لا دين له، ولا مبرر له، مهما تعالت دفوعات منفذيه، ومهما "أبدعوا" دفاعاً عن مطالبهم، فلا شيء يبرر قتل الأبرياء، ولا شيء يوجب اندلاق الدم والدمع، فصوت الحياة والنور يعلو على كل المشانق والمقاصل والتفجيرات التي تصنع الموت والظلام.

لكن لنتساءل عن آليات إنتاج هذا الإرهاب الذي يتواصل بصيغ متعددة من الغرب إلى الشرق، تارة باسم الدين وأخرى باسم العرق والهوية، ومرات كثيرة باسم مصالح و"لعب الكبار"، فكيف يولد الإرهاب؟ وما هي مفاقسه ومحاضنه الأولية؟ وكيف يتم الاستثمار فيه وتطوير طروحاته واشتغالاته الميدانية؟ ومن يفيد منه تحديداً؟

طبعاً في حالة الإرهاب الإيديو-ديني المتنامي في السجل التداولي العربي الإسلامي، يجد الكثير من المحللين في فرضيات الفقر والجهل وسوء الأحوال الاجتماعية، فضلاً عن "الجهل المقدس" المتصل بسوء تأويل النص الديني، يجدون فيها الإمكان التفسيري القوي لصناعة الإرهاب، حيث تفسر كل واقعة إرهابية، حصراً، بغسل الأدمغة والتطرف الديني والشرط الاقتصادي.

وبالطبع، فإن هذا التخريج يمتلك بعض الوجاهة في القراءة والتحليل، إلا أن اعتماده بالمطلق ينطوي على كثير من الالتباس، لأنه يلغي تفسيراً آخر مفتوحاً على احتمالات البعد الخارجي، وممكنات الصراعات الجيو استراتيجية وتبعات الاستبداد السياسي.

من المؤكد أن "الجهل المقدس"بتعبير أوليفيه روا، يعد سبباً مسؤولاً عن انخراط كثير من الشباب في أتون التطرف، فالفهم المختزل والجامد للدين أوقع الكثير منهم في شباك الجماعات المتطرفة، وقادهم إلى نهايات كارثية حلماً بالحور العين.

فالتطرف برأي روا لا يأتي من تطرف الإسلام ولكن ينجم عن مسار "أسلمة التطرف"، أي عبر الاستعمال التعسفي للنصوص التي تؤمّن الفهم الذي يتأسس على اعتبار "المختلف" عدواً استراتيجياً تتوجب تصفيته، لنيل النصر أو الشهادة، اعتماداً على خلفية اعتقادية صارمة، تميز بين دار الكفر ودار الإسلام، وبين الرشد والضلال، وصولاً إلى التكفير وإقامة الحدود والأمر بالقتل.

ما يثير القلق أكثر فأكثر هو الخطاب الوثوقي الذي يستند إليه الإرهابي في أدائه اليومي، إنه، وفي مختلف أبنية الإرهاب، مُنتصرٌ لذاته وإيديولوجيته؛ إذ يعتبر نفسه على حق والكل على باطل، وأنه مظلوم والكل يستهدفه، وأنه، وهذا هو الأهم، يحمل رسالة مقدسة لتغيير العالم، وإعادة بناء وتأصيل الواقع. ففي كل المنظومات الإرهابية نجد درجات عليا من اليقينية والمظلومية والتبشيرية، وذلك تحت مسميات الخلافة الراشدة والدولة الإسلامية والهجرة والتكفير والحاكمية لله والتحرير والاستقلال.

إلا أن وقائع الإرهاب في عالم اليوم، لا تنضبط دائما لنفس الفرضية التفسيرية، خصوصاً مع واقعة "الذئاب المنفردة" والجماعات الطائفية والعرقية الجديدة، والتي لم تنتجها الشروط السوسيواقتصادية الصعبة، وإنما أنتجتها المعادلات "الميتا دولية"الكبرى، فتنظيم القاعدة أو تنظيم داعش، ظهرا معاً في سياق عالمي موسوم بالبحث عن "عدو"، تُبنى حوله ومن خلاله التحالفات وتُضرب عبره الصفقات وتُحَيَّنُ بواسطته العلاقات والجوارات.

كان من الضروري أن يبحث "نظام العالم الجديد" بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، عن "عدو إيديولوجي" جديد، لتصريف وتوظيف العائد العسكري ومراكمة الأرباح السياسية والاقتصادية، ولهذا وجد "أباطرة" هذا النظام في المسائل الدينية والطائفية والعرقية والثقافية، الدال والمدلول المناسبين، لصب الزيت على النار، وإنضاج فكر التطرف المفضي إلى ارتكاب أفعال إرهابية. لينطلق "موسم" من "القتل بدم بارد" باسم الدين والعرق والهوية والانتماء، في خروج سافر على روح كل الأديان والشرائع والأعراف والمواثيق الدولية.

إن احتدام الصراعات الداخلية وبروز الخطر الإرهابي، يفرض على الدول إعادة النظر في خطوطها الدفاعية واستراتيجياتها الأمنية لمواجهة العنف الإيديو-ديني، وهو ما يتطلب الرفع من حجم الإنفاق العسكري والأمني، عبر إبرام صفقات مع ذات الجهات التي قد تكون مساهمة، بمقدار ما، في صناعة الخطر إياه، ولو عن طريق غض الطرف عن تحركات جيوسياسية، ترصدها الأقمار الصناعية أو من خلال استقراء حالات ومآلات ممكنة تتوصل إليها الاستخبارات ومراكز الرصد والبحث، خصوصاً وأن ما يحدث اليوم في العالم العربي تحديداً، كان موضوع تقارير وخبرات تعود إلى تسعينيات القرن الفائت.

وفقاً لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام، فإن 38% من مبيعات شركات السلاح الأكثر شهرة في العالم والمتوزعة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وألمانيا، كانت من نصيب دول الشرق الأوسط، وأن 48% كانت من نصيب الهند والصين والجزائر، و11% فقط هي التي كانت من نصيب مجموع الدول الأوروبية، وهو ما يعني أن المناطق الأكثر التهاباً وتوتراً في العالم هي الأكثر إقبالاً على شراء السلاح، فيما المناطق التي لم تندلع فيها الحروب الهوياتية والسجالات الطائفية، تبدو غير معنية بصفقات التسليح.

هنا يدفعنا الفضول إلى طرح سؤال آخر: ألا يمكن القضاء على الإرهاب؟ ألا يمكن تجفيف منابعه، حسب تعبيرات الإدارة الأمريكية؟ أم أن الإرهاب ضروري لاستمرار النسق؟

لقد بات الإرهاب صناعة عالمية تديرها قوى لامرئية، وتنفذها "ذئاب منفردة" أو "جماعات مرتزقة"، في إطار "لعبة" ميتا دولية تتجاوز مبررات وموجبات الصراع والاقتتال إلى رهانات التحكم والتفرقة والإخضاع، فبالقدر الذي تفيد منه إمبراطوريات السلاح في الرفع من معاملاتها المالية الفلكية، بالقدر ذاته تستفيد الأنظمة الاستبدادية من تجديد سلطويتها عبر توطين "حالة الطوارئ" وانتهاج القمع تحت يافطة الحرب على الإرهاب.

وفي هذا الصدد يوضح ماركوس بيكل في كتابه الموسوم بـ"المستفيدون من الإرهاب"، بأن شركات السلاح حققت خلال سنة 2015 أرباحاً صافية تقدر بـ370 مليار دولار، مؤكداً أنها ليست الوحيدة التي تفيد من الإرهاب، بل إن الأنظمة العربية ذاتها، تجد الغطاء السياسي لممارساتها القمعية، من داخل براديغم الحرب على الإرهاب، إذ توفر لها الدول المصدِّرة للسلاح الحماية الدولية وترفع عنها المسؤولية الأخلاقية، بل والجنائية، حيال كل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ما دامت تشكل زبوناً وفيّاً وكريماً، لا ينتهي من شراء الأسلحة.

إلى ذلك كله يبقى الإرهاب الواقعةَ الأكثر بشاعة في تاريخ الإنسانية، إنه يسرق منا الطمأنينة والسكينة، وينشر الهلع واللا أمن، والمطلوب اليوم بإلحاح هو العمل على عدم توليد أسباب الشر، التي تنتج الإرهاب، مهما كانت دوافعها وأطرها المرجعية؛ فالإنسان هو من يدفع فاتورة الإرهاب، يؤدي الثمن غالياً من أمنه وخبزه واستقراره وسلامته. فمتى يعتبر الجميع من درس الإرهاب؟ ومتى تنسحب"مافياته"من وطننا العربي؟

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي