مع اقتراب موعد الانتخابات المبكرة في تونس، يرقب الجميع حزب النهضة منتظرين موقفه من الدفع بأحد قياداته أو من عدمه للمنافسة على منصب الرئيس التونسي المقبل.

مهرجان الترشحات لرئاسة الجمهورية متواصل في تونس، وسيستمر حتى يوم 12 من أغسطس/آب تاريخ إغلاق باب الترشحات وإعلان القائمة النهائية.

تقدم للمنصب أشخاص مثيرون للشفقة، وآخرون مثيرون للسخرية، وانكشفت نرجسية الكثير من المغرورين؛ لكن مرشح الحزب الأقوى لم يعرف بعد. 

حزب النهضة يحاور نفسه في اجتماع لا نهاية له يجري في منطقة "الحمامات"، وكلما طال الحوار كشف الحزب عن خوفه من تحمل المسؤولية في مرحلة حرجة من تاريخ البلاد.

خوف سيرتد على الحزب في الفترة السياسية القادمة ( 2019-2024). سننظر في أسباب التردد الذي نفسره بالخوف.

لا ذنب لحزب النهضة في قوته

تفككت الأحزاب القائمة قبل الثورة وسقط زعماؤها في النسيان. ولم تفلح الأحزاب الجديدة وهي أكثر من مائتي حزب في بناء ماكينات سياسية فعالة.

لكن حزب النهضة ظل متماسكا وقويا وموحدا وراء قيادته التاريخية. تعرض إلى نكسات وعاش صعوبات كبيرة في تجربة الحكم الأولى (2012-2014) وظل محل انتقاد في مرحلة التوافق والمشاركة (2014-2019) لكنه خرج من كل ذلك قويا ومتماسكا، وهذا حقه الذي لا ينازع فيه. كما أنه لا ذنب له في تفكك منافسيه وتلاشيهم.

نجد حزب النهضة يتهرب من تحمل مسؤوليته في ترتيب المرحلة ويسعى رغم قوته إلى الاختفاء خلف خطاب توافقي بدعوى أن المرحلة تقتضي مشاركة واسعة في إدارة البلاد.

نور الدين العلوي

هذه القوة تستدعي المسؤولية، فالبلد بلا قيادة وإن كثرت الأسماء والزعامات. وهذا الفراغ فتح الباب لكثير من النكرات والمغامرين ليحتلوا المشهد السياسي. 

وكان من أثر ظهورهم امتهان المنصب، وابتذال السياسة، وتحقير الجمهور الناخب الذي ينظر إليه الكثير منهم كقطعان هائمة يسهل الضحك عليها بمعونات غذائية.

هنا نجد حزب النهضة يتهرب من تحمل مسؤوليته في ترتيب المرحلة، ويسعى رغم قوته إلى الاختفاء خلف خطاب توافقي بدعوى أن المرحلة تقتضي مشاركة واسعة في إدارة البلاد، والحزب لا يمكنه التفرد بالحكم.

لكن هذا الخطاب استنفد أغراضه في المرحلة السابقة خاصة وأنه لا يوجد بديل في حجم الرئيس الباجي وحزبه ليتم التحالف معه.

تسريبات مضطربة من اجتماع مجلس شورىالنهضة

تتضارب التسريبات منذ يوم الجمعة الماضي ولم يرشح موقف نهائي عن اجتماع مجلس شورى حزب النهضة، ويروج أن الحزب منقسم بالنصف بين من يرغب في ترشيح قيادي من داخل الحزب، ومن يدفع إلى التصويت لمرشح مستقل من خارجه. 

الأسماء المتداولة هي عبد الفتاح مورو رئيس البرلمان بالنيابة، وعلي لعريض رئيس الحكومة السابق ويروج أيضا اسم حمادي الجبالي القيادي الذي استقال من الحزب بعد سقوط حكومته في 2013.

بينما يسرب البعض أن الحزب سيقدم مصطفي بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي السابق بصفته شخصية مستقلة وازنة. ولكن أصواتا كثيرة ترجح الوقوف مع عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع الحالي، والذي كان أيضا من الأطقم الوزارية في حكومات بن علي حيث امسك ملفي الصحة والتعليم.

لكن حتى عشية الاثنين الخامس من أغسطس/آب لا يقين. وقد مكثت بعض الشخصيات تنتظر موقف الحزب لتقدم ترشحاتها، فمرشح من داخل الحزب يعني أن خزان النهضة الانتخابي قد حجز للحزب، ولن يطمع أحد في نيل تصويته على غرار ما حصل في 2014 حيث مالت قواعد الحزب وكثير من قيادته إلى الدكتور منصف المرزوقي فضمن الدور الثاني حينها.

ما هو الوزن الحقيقي للدكتور بن جعفر لكي يقدمه الحزب هذا سؤال يتردد بكثرة. فالرجل خرج من حزبه التكتل وهو حزب لا امتداد له في الشارع إذ لم يفز بأي مقعد نيابي في انتخابات 2014. وقد نسي الناس ذكره بمجرد تقاعد السيد بن جعفر.

ما نعلمه يقينا أيضا أن قطيعة سياسية حصلت بين الدكتور المرزوقي الرئيس السابق والمرشح المحتمل (لم يتقدم حتى اللحظة بملف ترشيح) وحزب النهضة ولم يأت ذكر الدكتور في أية تسريبات.

تبريرات كاشفة للخوف

المغامرين بتحد الاستعمار الفرنسي أفلحوا في بناء وعي استقلالي أنتج تقدما ويكفي أن نتذكر الحالة الرواندية.

نور الدين العلوي

بين الخوف والحذر تتكرر تبريرات قواعد الحزب التي نحاورها في المواقع الاجتماعية. حتى حفظناها عن ظهر قلب يذكرون بمصير الرئيس مرسي والإخوان أولا، ثم يضعون الضغوط الدولية ضدهم حتى حولوا الإمارات إلى غول حقيقي قادر على كل الشرور، ويختمون باتفاق جماعي: الوقت لم يحن بعد. ولكن متى يحين الوقت هنا تتوقف التبريرات وينكشف الخوف. 

نعم توجد ضغوط دولية على كل ديمقراطية ناشئة؛ فالقوى الاستعمارية ما تزال موجودة وفاعلة ولها أجنداتها ولن تتوقف.

ولا نميل إلى تهويل انحيازها ضد الإسلاميين بالذات فهذا خطاب ضحية يستطيب وضعه. لقد خربت فرنسا مثلا تجارب كثيرة لحكم وطني في أفريقيا ولم يكن إسلاميا. ولكن المغامرين بتحد الاستعمار الفرنسي أفلحوا في بناء وعي استقلالي أنتج تقدما ويكفي أن نتذكر الحالة الرواندية. أما حالة الشيلي فتعتبر مثالا قياديا للتحدي الوطني. الذي أنتج ديمقراطية وتنمية. نعم دفع ثمن غال ولكن هل من نجاح بدون ثمن؟

نعم يوجد رفض داخلي للحزب من قبل شرائح محددة وهذه الشرائح لن تغير موقفها من الحزب مادام موجودا على الأرض. فموقفها ذوقي أكثر منه سياسي، وهي تكرر نفس الخطاب منذ السبعينات (تاريخ ظهور الحركة الإسلامية في تونس).

لكن بموازاتها توجد شرائح اجتماعية غير معنية بإسلام الإسلاميين بل معنية بقيادة تقدم برامج وازنة، وتفرض نوعية حكم ينتج تنمية حقيقية، ويحافظ على الحريات ويقوي بنيان الدولة. وهؤلاء يتجاهل الحزب وجودهم مركزا نظره على الذين ينكرون وجوده بما يسهل له التهرب من المسؤولية في لحظة تحمل المسؤولية.

حظي الحزب بتصويت شعبي كاسح في 2011 ولم يفلح في استثماره، فنكص كثيره، وبقيت للحزب قاعدته الصلبة فزرع فيها الخوف من المغامرة.

ذلك التصويت ثم ذلك النكوص علامة وعي فالذي لا يحسن الحكم يعاقب وهنا لا يقدم الإسلاميون تفسيرا لعجزهم وفشلهم بل يذهبون إلى تبريرات جوهرها الخوف. إذا يعلقون كل الخيبة على القوى الخارجية المعادية وعلى رفض النخبة لوجودهم في الداخل.

نستشعر هذا الخوف والتخويف في اجتماع مجلس الشورى المنعقد بعد، ونرجح أن سيكون رأي المكتب التنفيذي غالبا بالوقوف وراء شخص من المنظومة القديمة بديلا للباجي ويبرز اسم الزبيدي، واسم يوسف الشاهد رئيس الحكومة الحالي.

توجد شرائح اجتماعية غير معنية بإسلام الإسلاميين بل معنية بقيادة تقدم برامج وازنة وتفرض نوعية حكم ينتج تنمية حقيقية ويحافظ على الحريات ويقوي بنيان الدولة.

نور الدين العلوي

الزبيدي ممثل لوبي جهوي وازن ولكنه لوبي يمنح نفسه حقا غير ديمقراطي (كأن الحكم إرث خاص به). ليس للرجل أية امتيازات بل يحمل عار المشاركة في حكومات بن علي الفاسدة. أما الشاهد فيمثل لوبي العاصمة الذي يعتبر نفسه أيضا صاحب حق أزلي في الحكم. وكلاهما يفكر من خارج الديمقراطية وإن ادعاها.

إن معاودة التحالف مع المنظومة القديمة (مهما كان ممثلها) لن يقدم بالبلد بل سيجهز على التجربة الديمقراطية برمتها ويكون حزب النهضة من ضحاياه. فقد تسللت المنظومة التي أسقطتها الثورة عائدة بسلاسة تحت أنظار الجميع وهي تنتظر الخطوة الأخيرة لتستعيد قاعدة الحكم الجهوية والمالية ومسح مكتسبات الثورة وقد تذهب إلى حد تعديل الدستور وخاصة الباب السابع (الحكم المحلي) الذي لا يزال يتهددها بالتفكيك النهائي.

لماذا قد تفعل النهضة ذلك؟ نعتقد أن الإجابة أوسع من الحالة التونسية بل تفتح على نقاش في العمق في تجارب الإسلام السياسي السني عامة، وتجربة الإخوان المسلمين ومن تفرع منهم في الأقطار العربية خاصة.

مجال للتفكير سيقدم حزب النهضة فيه أدلة عن قصور في المخيال السياسي والعجز عن الحسم في حينه.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي