التدقيق القانوني من قبل واشنطن ضد شركات تكنولوجيا المعلومات قد يؤدي إلى سنوات من الصداع بالنسبة لهذه الشركات، مما يزيد من احتمال رفع دعاوى قضائية لتفكيكها أو فرض غرامات باهظة عليها أو قوانين جديدة تحد من نفوذها.

في مقال سابق على منصة TRTعربي، حمل عنوان "الاحتكار التكنولوجي: كيف يضر بنا كمستخدمين؟". تحدثتُ حول السياسة الاحتكارية للشركات العملاقة في قطاع تكنولوجيا المعلومات، وحول الاضرار التي تطال صحة التنافس الاقتصادي وبالتالي كل المستخدمين خاصة وان هذا القطاع قد بات يشكل شريان الحياة لكثير من المجتمعات.

ويمكن تلخيص الاثار السلبية الناجمة عن السياسيات الاحتكارية ضمن ضررين أساسيين. يتمثل الضرر الأول في حرمان السوق من أهم اسسه التي تجعله سوقاً حرة: الخاصية التنافسية.

وتكمن أهمية هذه الخاصية في قدرتها على الحفاظ على ديناميكية السوق في توفير الفرص، والبدائل لدى المستهلكين، والمحافظة على الأداء الأجود، والمنتج الأكثر فاعلية.

أما الضرر الثاني فيتمحور حول تآكل الخصوصية الفردية للمستخدمين، حيث يجدون أنفسهم أمام عدد قليل من الشركات التي تحتكر تريليونات من البيانات الخاصة وتخضع من جانبها إلى الاستخدام التجاري غير المرخص أو للخروقات الأمنية.

ويبدو أن هذه الشركات الاحتكارية مثل جوجل وأمازون وفيسبوك ومايكروسوفت وأوبر، والتي تمتعت لفترات طويلة بغياب المراقبة الحكومية مارست خلالها هذا النوع من السياسية الاحتكارية بسلام، قد اقتربت من الاصطدام بحائط المشرعين في الكونجرس، وتحقيقات الجهات الفيدرالية المختصة الذين باتوا يصرون على إخضاع هذه الشركات إلى قانون مكابحة الاحتكار؛ وهو القانون الذي بات يقض مضاجع أصحاب هذه الشركات الذين التزموا الصمت حتى هذه اللحظة فيما يبدو أنه تعبير عن حالة من القلق الحقيقي ينتابهم.

أعلنت اللجنة القضائية في مجلس النواب الأمريكي عن أن التحقيق حول سياسة الاحتكار واسعة النطاق التي تتبناها شركات تكنولوجيا المعلومات العملاقة ستبدأ في 11 يونيو/حزيران الجاري بسماع حول تأثير عمالقة التكنولوجيا على الصحافة المحلية.

وبهذه الخطوة قد نكون بالفعل قاب قوسين أو أدنى من انتهاء شهر العسل السياسات الاحتكارية وفتح باب مسار طويل وشاق لوضع هذه الشركات تحت الفحص والتدقيق والتحكم.

تثير تحركات المشرعين الكثير من المخاوف لدى الشركات شركات تكنولوجيا المعلومات، التي تأخذها على محمل الجد بسبب تداعياتها المحتملة على قدراتها التنافسية؛ وعلى قدرتها على الاستمرار كوحدات متماسكة، في حين تتعالى أصوات تدعو إلى ضرورة العمل على تفكيك هذه الشركات العملاقة إلى كيانات أصغر؛ وأخيراً على عائداتها المالية حيث الكل منهم يعي تماماً حجم المبالغ المالية الضخمة التي دفعتها شركة جوجول –على سبيل المثال- للاتحاد الأوروبي على إثر اتهامها بانتهاك سياسة الاحتكار والتي تقدر بحوالي 9.3 مليار دولار.

لا شك أن الهدف الرئيسي وراء هذه التحركات التشريعية يأتي تحت مظلة العمل نحو تعديل سلوكها من أجل ضمان بيئة أكثر تنافسية في سوق التكنولوجيا للأهمية القصوى التي بات يلعبها هذا القطاع في نمو الاقتصاد العالمي.

ليس هذا وحسب، فالمشرعين باتوا أكثر إدراكاً من ذي قبل لأهمية هذه الشركات ودور تقنياتها الحاسم في الأمن القومي، ومسار بناء المجتمعات، ورفاهية المواطنين. إن تكنولوجيا المعلومات -كما هو معلوم- باتت تؤثر في كل شيء تقريباً من تخصيص الموارد إلى توزيع الثروة والنمو.

هذا الإدراك لم يأت من فراغ، وهذا بالضبط ما يثير فزع أصحاب تلك الشركات. فبالإضافة إلى أهمية قطاع تكنولوجيا المعلومات بشكل عام، إلا أن المشاكل الأخيرة التي تورطت فيها هذه الشركات والتي تتمحور حول نشر خطاب الكراهية، والتلاعب بالانتخابات، والاختراقات الأمنية التي هددت الملايين من المعلومات الشخصية تعدّ الإطار الذهني والمعرفي الذي يستفز المشرعين للخوض في السياسات التي من شأنها ضبط هذه الشركات، وجعلها تتصرف بشكل أكثر عقلانية.

هناك أيضا حالة من الاجماع بين المشرعيين الديمقراطيين والجمهوريين على ضرورة إعادة ضبط قطاع تكنولوجيا المعلومات، وإخضاع شركات هذا القطاع لقانون مكافحة الاحتكار. وربما يعدّ هذا الاجماع من الأمثلة القليلة التي باتت توحد المشرعين من الحزبين في بيئة تتصف بالكثير من الاستقطاب السياسي في واشنطن.

قد يدعو تحرك المشرعين هذا إلى التفاؤل، فكلنا أصبح يعي أهمية وجود قوانين حاسمة تنظم قطاع تكنولوجيا المعلومات سواء من الناحية التنافسية أو من الناحية الأمنية. ولكن علينا ألا نغرق في التفاؤل لسببين:

أولاً، أن عمل المشرعين سوف يأخذ وقتاً طويلاً. فليس من السهل تطويع قانون مكافحة الاحتكار والذي وضع قبل أن توجد شركات تكنولوجيا المعلومات بوقت طويل ليناسب هذه الشركات من حيث حجمها أو طبيعة عملها.

هذا فضلا عن الممانعة التي سوف تبديها هذه الشركات، وحملات الضغط التي سوف تمارسها من أجل الحد أو تعطيل عمل المشرعين. فالتأثير الذي تملكه هذه الشركات، ونفوذها لا ينكره أحد، ولطالما راهنت هذه الشركات على جماعات الضغط التي تمولها بشكل جيد لتمرير سياساتها.

ثانياً، المخاوف من وضع المسار القانوني للمشرعين ضمن الصراعات والتجاذبات السياسية. فمن المتوقع جداً أن الخسائر المحتملة لن تكون من نصيب هذه الشركات فقط، بل من نصيب المستخدمين أيضا. لقد أثبتت الأحداث مؤخراً حجم الاستغلال السياسي للبيانات الشخصية في العملية الانتخابية، كالانتخابات الأمريكية عام 2016، والتصويت على البريكسيت، والانتخابات الأوروبية. وهو ما يجعل المستخدمين في مرمى الخطر في حال تم الزج بشركات تكنولوجيا المعلومات في التنافس والصراعات السياسية.

على أي حال، لم تبدأ إجراءات التحقيق مع هذه الشركات من قبل الجهات المختصة. لكن التدقيق من واشنطن قد يؤدي إلى سنوات من الصداع بالنسبة لهذه الشركات، مما يزيد من احتمال رفع دعاوى قضائية لتفكيكها أو فرض غرامات باهظة عليها أو قوانين جديدة تحد من نفوذها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي