كشفت دراسة نشرتها مجلة ذي أتلانتيك أن الأجهزة الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي تعمل على تدمير الجيل الحالي من الشباب.

جان توينج، إحدى المتخصصات في دراسة الأجيال خصوصاً من الناحية السيكولوجية، تحدثت في مقال لها نشرته مجلة ذي أتلانتيك أن الأجهزة الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي تعمل على تدمير الجيل الحالي من الشباب، و هو الجيل الذي تنعته توينج بـ IGen ، مواليد الفترة ما بين 1997 و 2012. وهذا التدمير لا يشمل فقط حياتهم المادية والنفسية، وإنما أيضاً حياتهم العقلية.

رصدت توينج في مقالها تأثير تكنولوجيا الأجهزة الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي على جيل الشباب من خلال بعض السلوكيات التي بات يطرأ عليها اختلاف ملحوظ مقارنة بالسلوكيات ذاتها التي كانت الأجيال السابقة أو الجيل السابق، على أقل تقدير، يتبعها.

وترتبط هذه السلوكيات خاصة بتصرف الشباب داخل البيت، وممارسة الأنشطة الاجتماعية عامة التي تشمل رغبتهم في الخروج مع أصدقائهم، ممارستهم الجنس والمواعدة، الشرب، إلى جانب سعيهم نحو الاستقلالية. وقد خلصت توينج إلى أن هذه السلوكيات انعكست على الحالة النفسية لهذا الجيل الذي بات يتصف بأنه أكثر انعزالية، وشعوراً بالوحدة والتعاسة والتوتر والكآبة.

على سبيل المثال، انخفض عدد المراهقين الذين يجتمعون مع أصدقائهم كل يوم تقريباً بأكثر من 40 % من عام 2000 إلى عام 2015. تقلص أيضاً عدد المراهقين الذين يرتادون الحفلات أو الذين يتسكعون في الشارع أوالذين يقومون بممارسة ألعاب جماعية كالتزلج وكرة السلة والسباحة. فهذه الأنشطة تم استبدالها جميعاً بمساحات افتراضية يمكن الوصول إليها بكل سهولة وراحة من خلال تطبيقات الويب الكثيرة والمتنوعة التي تزخر بها شاشات هواتفهم الذكية.

المراهقون الذين يقضون ثلاث ساعات في اليوم أو أكثر على الأجهزة الإلكترونية هم أكثر عرضة بنسبة 35% لتبنّي أحد عوامل خطر الانتحار.

إقبال حسين

ومن نافلة القول التذكير بأن المعايير التي اتخذتها توينج فيما يتعلق بالمواعدة وممارسة الجنس والشرب لا تنطبق على مجتمعاتنا العربية. مع ذلك تبقى استنتاجاتها العامة المتعلقة بانعكاس التكنولوجيا على جيل الشباب مشتركة، بغضّ النظر عن طبيعة المجتمع شرقياً كان أم غربياً؛ فقد أصبحت هذه التأثيرات عابرة للثقافات بشكل لا يمكن نكرانه.

من هذه التأثيرات التي تسترعى النظر ما يتعلق منها بالانتحار.

فالمراهقون الذين يقضون ثلاث ساعات في اليوم أو أكثر على الأجهزة الإلكترونية هم أكثر عرضة بنسبة 35% لتبنّي أحد عوامل خطر الانتحار، مثل وضع خطة للانتحار على سبيل المثال. ومن الجدير بالذكر أن هذه النسبة أكبر بكثير من نسبة الخطر المرتبط بمشاهدة التلفزيون. وبينما معدل القتل بين المراهقين انخفض، فقد زاد معدل الانتحار بينهم. ويمكن فهم هذه الظاهرة نظراً لأن المراهقين بدأوا يقضون وقتاً أقل معاً، وبالتالي أصبحوا أقل عرضة لقتل بعضهم البعض، في حين أن نسبة قتلهم أنفسهم قد ارتفعت.

من جهتي أتفق مع توينج بالكثير مما خلصت إليه؛ خصوصاً أنني أنتمي، نوعاً ما، إلى هذا الجيل؛ فقد حصلت على أول جهاز خلوي وأنا بعمر الرابعة عشرة. وبالرغم من أنه لم يكن جهازاً ذكياً بالمعنى الحرفي في ذلك الوقت، ولكن بمجرد امتلاكه بتّ أمتلك جهازاً وهبني نوعاً من الخصوصية المرحب بها؛ بحيث أصبحت قادرة على الاتصال بمن أشاء وقتما أشاء. وهكذا فإن امتلاكه شكّل تحولاً جوهرياً في فهمي للحياة من حولي.

سريعاً تحولت إلى امتلاك الجهاز الذكي في عام 2012. وهو العام نفسه الذي حدثت فيه طفرة ملحوظة في عدد من يحملون الأجهزة الذكية من بين المراهقين، والذين يمتلكون أيضاً واحداً أو أكثر من حسابات منصات التواصل الاجتماعي. لقد كان ولوجي إلى عالم التطبيقات مدهشاً ولكنه مربكاً بالوقت ذاته. لقد كان جميلاً أن تلتقي مصادفة بأصدقاء لك لم ترهم منذ فترة طويلة وقد أصبحتم أصدقاء عبر الفيسبوك أو التويتر.

ولكن في المقابل كان مُربكاً انشدادي المتزايد إلى الشاشة ومراقبتها على مدار الساعة، والبقاء "أونلاين" طوال الوقت لإشباع رغبتي في التواصل والبقاء على اطلاع على كل ما يدور من حولي خصوصاً بين الأصدقاء أو بين دوائر المقربين من معارفي.

في عام 2012 حدثت فيه طفرة ملحوظة في عدد من يحملون الأجهزة الذكية من بين المراهقين والذين يمتلكون أيضاً واحداً أو أكثر من حسابات منصات التواصل الاجتماعي.

إقبال حسين

لقد أصبح إدماني على الشاشة جزءاً من إدمان جيلي كله عليها، وهو إدمان يتصف بشيئين: بأنه بمحض إرادتنا، وبأننا لا نرغب بالفكاك منه؛ لأننا ببساطة سنكون عندها خارج التاريخ. وهنا أصِل إلى النقطة التي أختلف فيها مع توينج في مقالتها المذكورة؛ فإذا كانت توينج توحي بأن الضرر يتوقف على امتلاك هذه التكنولوجيا وانتشارها بأيدي المراهقين، فإنها سكتت عن المستوى الأعمق أوالمدى الأبعد للمشكلة وهي عندما نصبح نحن كشباب ومن خلال اعتمادنا المفرط على هذه التكنولوجيا وهذه الأجهزة عرضة للقرصنة النفسية والذهنية من أساطيل التكنولوجيا، وهم الشركات العملاقة المتخصصة بأنظمة المعلومات، والحكومات، وجماعات الضغط.

لقد باتت هذه الشركات، من خلال جمعها كميات ضخمة من المعلومات عنا وكذلك الحكومات وجماعات الضغط، تعرف عنّا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، وهو ما يجعلنا معرضين للتجاوب اللا إرادي مع أهدافهم. علينا أن نتذكر هنا أن جزءاً كبيراً من انسياقنا وراء هذه التكنولوجيا يمر عبر الجزء اللاواعي من عقولنا، وهو المنطقة المظلمة التي تتشكل فيها عواطفنا وعقائدنا، وهو ما باتت هذه المنظمات الحكومية وغير الحكومية قادرة على توجيهها والعبث بها بشكل احترافي.

إن المظاهر السلبية المتعلقة بتكنولوجيا الأجهزة الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي المتعلقة بالسلوك الانعزالي أو بمشاعر الوحدة، تصغر إذا ما قارناها مع مظاهر خسارة معركة استقلالنا الفكري والنفسي الذي باتت تلك المنظمات تتحكم فيه بشكل أكبر مع مرور الوقت. وهو الشيء الذي بات مُلحاً، وعلينا العمل على تفاديه إذا أردنا أن نحفظ جيلنا والأجيال التالية من التحول إلى روبوتات بيولوجية يتم التحكم فيها من قِبل تلك المنظمات والشركات.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي