على الرغم من السيادة السعودية على الحرمين فإن سياسة محمد بن سلمان القمعية أدت إلى تآكل مكانة السعودية في العالم الإسلامي. في المقابل تُعَدّ إعادة آيا صوفيا إلى أصله مسجداً، عاملاً معزّزاً لدور تركيا.

لقد ترسخ لدينا، ومنذ نعومة أظفارنا، ذلك المخيال الجمعي الواسع عن بلاد الحرمين، بأنها بلادٌ يسودها الأمن والأمان. هذا لم يتأتِ فقط من القصص الشعبية أو من المواعظ الدينية التي كنا نتلقاها بين الفينة والأخرى عن هذا الموضوع، بل من خلال اتصالنا المباشر بالقرآن الكريم وسنة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، إنها مرتبطة لدينا بفرحة الأعياد، خصوصاً عيد الأضحى المبارك وموسم الحج.

هذه الصورة باتت تهتز بقوة بفعل سياسات محمد من سلمان الذي استطاع أن ينزع تلك الصورة الآمنة عن بلاد الحرمين في مخيالنا ليستبدل بها صورة تزخر بالخوف والتهديد والوعيد. اليوم لا تحتاج إلى أكثر من كلمة تنتقد فيها الديوان الملكي، على سبيل المثال، حتى يتم زجك بالسجن والحكم عليك بالموت البطيء كالصحافي السعودي صالح الشيحي.

للمزيد حول الموضوع، يمكنك قراءة:
كيف سيعزز "أياصوفيا" برمزيته دور تركيا في العالم الإسلامي؟

والأمر لا يتعلق بمعارضي الداخل فقط. لقد أصبح أي أحد يعترض على سياسات السعودية أو ينتقد الأمير محمد بن سلمان معرضاً للاعتقال في حال أراد التوجه إلى السعودية لأداء مناسك الحج أو العمرة على سبيل المثال. إن مكانة السعودية الدينية تتأتى من وجود الحرمين فيها، وإنه من المؤلم أن يتم تسييس شعائر الله بحيث تصبح العبادة مقترنة بالخوف، أو أن تصبح الشعائر ذاتها مصدراً للمراقبة الذاتية بحيث من أراد الاستمتاع بالعبادة فعليه الحذر ثم الحذر من الاقتراب من أي اعتراض كان على محمد بن سلمان وسياساته.

لقد أكد الله عز وجل أن البيت الحرام قد وُضع للناس كافة، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والفكرية والدينية والعرقية، وجعله آمناً إذ قال عزّ وجل: "وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا". فالشخص الذي يتوجه طلباً للمثوبة من عند الله إلى بيته يجب أن يكون آمناً في نفسه وماله وعياله، لا يخشى الاعتقال أو التغيب أو الطرد.

لم يعد هذا الشعور يلازم كثيرين وهم ينوون التوجه إلى مكة والمدينة، الخاضعتين للسلطات السعودية، من أجل أداء مناسك العمرة أو الحج، خصوصاً ونحن نتفيأ ظلالهما هذه الأيام، فالكثير من الناس باتوا يحسبون لسفرهم هذا ألف حساب، خصوصاً في ظل سياسة القمع التي باتت تفرضها السلطات السعودية على المعارضين لها في الداخل والخارج. هذه السياسة التي باتت تترصد الناس حتى لكتاباتهم على السوشيال ميديا.

فالكل مراقَب، والواحد منّا لا يدري أي ملف قد رصدته له السلطات السعودية وتنتظره حتى يعبر حدودها لتقتصّ منه. فإلحاق العقوبة بسبب حرية الفكر والتعبير أصبح ديدن العديد من الحكومات القمعية كالسعودية والإماراتية. ويكفي النظر إلى معتقلي الرأي في السعودية الذين زُجّ بهم في السجون، وباتوا يتعرضون للإهمال والتعذيب، الأمر الذي أدى بالعديد منهم إلى الموت، مثل المعارض السعودي البارز عبد الله الحامد.

للمزيد حول الموضوع، يمكنك قراءة:
من دلالات إعادة آيا صوفيا إلى أصله مسجداً (2)

لقد ضرب الله مثل أظلم الظلم في أولئك الذين يمنعون مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه ويسعون في خرابها، إذ قال سبحانه وتعالي في الآية 14 من سورة البقرة: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ". والمنع هنا والخراب لا يقتضي أن يكون ظاهرياً من قبيل إغلاق المساجد أو هدمها، بل ينطبق أيضا على منع المصلين من الوصول إليها وعمارتها.

فما نفع المساجد إذا لم يكن مصلّون يملؤون جنباتها بالصلاة والدعاء والتبتل إلى الله بشكل آمن؟ إن وضع العراقيل أما عباد الله للوصول إلى المساجد، أو ترهيبهم، أو زرع الخوف من قلوبهم، يُعتبر من خراب المساجد الذي ضرب الله به المثل كأظلم الظلم. واليوم، وعلى عكس ما ينبغي أن يكون، فإن طريق الحرم مفروشة بالخوف والترهيب بسبب سياسات محمد بن سلمان.

ويكفي هنا النظر على سبيل التدليل إلى الطريقة التي عومل بها حُجاج قطر من منع وتضييق على أثر سياسة المقاطعة التي اتبعتها السعودية والإمارات والبحرين ومصر وفرضتها على قطر عام 2017. إن عواصم الحصار، وعلى رأسها الرياض بطبيعة الحال، لم تتوانَ عن حرمان حجاج بيت الله من القطريين من الوصول إلى مهوى الأفئدة والأرواح في بيت الله الحرام وروضة نبيه عليه الصلاة والسلام.

هكذا بكل ظلم ووقاحة انسحب الخلاف السياسي إلى شعائر الله التي قال فيها سبحانه وتعالى: “ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ" (سورة الحج 32). قد اعتدت عواصم الحصار على شعائر الله عندما سعت لتسييس فريضة الحج ومنع حجاج الله من الوصول إلى بيته الحرام آمنين مطمئنين.

لقد عمّر محمد بن سلمان خلال سنوات قليلة من صعوده السياسي مملكة من الخوف والترهيب، ليس على الصعيد السياسي وحسب بل على الصعيد الديني أيضاً. وبدلاً من أن تكون السعودية رائدة قوى التسامح في العالم الإسلامي، بل في العالم أجمع، وتتحدث باسم المسلمين في كل مكان وتدافع عنهم نظراً إلى مكانة الحرمين، باتت رمزاً للخوف والقمع. وقد أدّت هذه السياسية إلى تآكل مكانة السعودية، وأدى الوصول غير الآمن إلى مشاعر الله الحرام إلى زيادة هذا التآكل.

إن الصورة التي تتصدر عن السعودية الآن في الأوساط الدولية هي صورة اغتيال المعارضين وتقطيع أوصالهم في القنصليات الدبلوماسية. حتى السياسات الانفتاحية التي جاء الأمير للتبشير بها قد أتت بنتائج عكسية، فلم يكن الانفتاح يعني الحرية بل الإلهاء من خلال الحفلات الماجنة، واستحضار سيدات التعري لاتخاذ صور شبه عارية بالقرب من مدينة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وبذلك يكون الأمير الشابّ قد عبث حتى بالمكانة الدينية التي كانت تحظى بها السعودية في قلوب المسلمين في السابق.

لا شكّ أن وجود الحرمين في السعودية يُعَدّ من أبرز مصادر قوتها الناعمة على الصعيدين الإسلامي والدولي، ولكن هذه القوة لا يمكن ترجمتها إلى رصيد يخدم مكانة السعودية ما دامت سياسة القمع في الداخل والحروب في الخارج. إن استثمار المكانة الدينية هذه يستلزم اتباع سياسة انفتاحية حقيقية على مكونات المجتمع، وتتماشى في الوقت ذاته مع روح الأمة ومكانتها.

إن الصورة التي تتصدر عن السعودية الآن في الأوساط الدولية هي صورة اغتيال المعارضين وتقطيع أوصالهم في القنصليات الدبلوماسية

إن الصورة المعتمة التي تخلّفها سياسة القمع على المكانة الدينية لبعض الرموز التاريخية تظهر أيضاً في مصر من خلال سعي نظام السيسي هناك إلى السيطرة على الأزهر وإخضاعه للدولة باسم القانون، وحرمانه من الحرية والاستقلالية النسبية التي كان يتمتع بها. إن كلّاً من مصر والسعودية في ظل سياسات القمع التي ينتهجونها، وفي ظل سياسة القبضة الحديدة التي يمارسونها في حق مجتمعاتهم، إنما يحرمون بلدانهم من استثمار هذه الرموز الدينية التي توفّر لهم عادة مكانة قيادية في العالمين الإسلامي والدولي.

لذلك لا نستغرب الخوف والمكايدة التي أبدتها جهات محسوبة على كل من السعودية والإمارات ومصر لتركيا على أثر إعادة آيا صوفيا مسجداً كما كان عليه الأمر لأكثر من أربعة قرون قبل أن يتحول إلى متحف في بداية القرن العشرين. إن هذه الإعادة ستمنح تركيا رمزية دينية معتبَرة تعزّز دورها القيادي في العالم الإسلامي وهو ما تخشاه هذه البلدان بكل تأكيد، خصوصاً أن هذه المخاوف مصحوبة باعتبارات سياسية وجيوسياسية طفت على ساحة الأحدث مؤخراً، كما هو الحال في ليبيا على سبيل المثال، التي تسعى فيها تركيا لقطع الطرق أمام تيار الثورات المضادة والانقلابيين.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي