إعادة آيا صوفيا إلى أصله مسجداً تؤكد الاعتزاز بالسياسة الشرعية التي انتهجها السلطان الشاب محمد الفاتح وسائر السلاطين الذين جاؤوا بعده مع كل رعاياهم، مجسدين بذلك رسالة الإسلام الحضارية، وقيمه الإنسانية.

بعد أن أتم السلطان الشاب محمد الفاتح فتح القسطنطينية، وبعد أن طمأن البطريرك ورعيته مؤكداً لهم أنه سيحفظ حياتهم وحريتهم، وبعد أن أنهى جولته في آيا صوفيا، رفع يديه ودعا الله تعالى قائلاً:"يا الله! يا رب! لا أحد باقٍ من الصغار، ومن السلاطين والوزراء. وآلاف المرات أشكرك لأنك جعلت عبداً مثلي سبباً لمثل هذا الفتح العظيم".

وهكذا رد السلطان الشاب فتح القسطنطينية إلى الله تعالى ولم يرده إلى نفسه، وبذلك تمثل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده"، فالنصر والفتح من عند الله تعالى سواء كان فتح مكة المكرمة أو القسطنطينية.

حول الموضوع، اقرأ أيضا:

دلالات إعادة آيا صوفيا إلى أصله مسجداً (1)

وبعد أن أنهى السلطان الشاب دعاءه أمر واحداً من الأئمة برفع الأذان في آيا صوفيا، فكان أول أذان يُرفع في سماء القسطنطينية بعد الفتح العظيم، وأصغى جيش الفتح إلى الأذان خاشعين دامعي الأعين. وما أشبه رفع الأذان في آيا صوفيا في تلك اللحظات برفع الأذان من على سطح الكعبة الشريفة في لحظات ما بعد فتح مكة المكرمة، حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن رباح رضي الله عنه أن يصعد سطح الكعبة ويرفع الأذان، وهكذا أصبح رفع الأذان يحمل دلالة شكر الله تعالى على كل فتح عظيم في مسيرة الأمة الإسلامية.

أردوغان يصل إلى مسجد آيا صوفيا لأداء أول صلاة جمعة فيه منذ 86 عاماً
أردوغان يصل إلى مسجد آيا صوفيا لأداء أول صلاة جمعة فيه منذ 86 عاماً (AA)

فهكذا كان عند فتح مكة المكرمة وهكذا كان عند فتح القسطنطينية، وهكذا حَمَل نفس الدلالة عندما ارتفع في مسجد آيا صوفيا قبل أيام عندما عاد إلى أصله جامعاً، ممَّا يجعلني أقول مستبشراً: إن هذا يبشرنا أن الأمة الإسلامية بين يدي فتح عظيم يلتحم ببركته مع بركة فتح مكة المكرمة ومع بركة فتح القسطنطينية، ثم أقيمت أول صلاة جمعة في آيا صوفيا بعد فتح القسطنطينية بتاريخ 1 يونيو/حزيران 1453، وكان شيخ السلطان الشاب العالم آق شمس الدين خطيب تلك الجمعة.

فإذا كان القاضي ابن شداد هو الذي خطب في أول صلاة جمعة في المسجد الأقصى المبارك بعد أن حرره صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين، فإن العالم آق شمس الدين هو الذي خطب في أول صلاة جمعة في مسجد آيا صوفيا بعد فتح القسطنطينية، ولمن لا يعلم فإن من يرفع الأذان أو يصلي في مسجد آيا صوفيا فإنه عندما يتجه نحو القبلة، أي نحو المسجد الحرام، في أذانه أو صلاته فإنه يتجه تلقائياً إلى المسجد الأقصى، إذ إنه يقع جغرافياً في خط القبلة الرابط بين المسجد الحرام ومسجد آيا صوفيا.

وهكذا شاء الله تعالى هذا التوافق الرباني في خط القبلة الواحد بين مسجد آيا صوفيا والأقصى والحرام ليؤكد وحدة المصير بين هذه المساجد الثلاث، ويؤكد وحدة المصير بين مكة المكرمة حاضنة المسجد الحرام، والقدس الشريف حاضنة المسجد الأقصى، وإسطنبول حاضنة مسجد آيا صوفيا. ومن هنا تأتي خطوة إعادة آيا صوفيا إلى أصله مسجداً.

ثم بعد أن قام السلطان الشاب ببسط الأمن والأمان في كل القسطنطينية عاد الهاربون منها إليها، وعادت رعية البطريرك آمنة مطمئنة إلى بيوتها وأعمالها بلا خوف ولا وجل، وأيقنوا جميعاً أن السلطان الشاب ضمن لها سلامة حياتهم وممتلكاتهم وأعراضهم.

حول الموضوع، اقرأ أيضا:

لماذا عاد آيا صوفيا مسجداً؟

ثم أعاد السلطان الشاب مكانة الكنيسة الأرثوذكسية لتمثل الشعب المسيحي وتكون راعية لهم. وتم تعيين البطريرك (جورجيوس سكولاريوس) الملقب (جناديوس) في رئاسة الكنيسة الأرثوذكسية في إسطنبول. وبعد أن تم هذا التعيين دعا الفاتح جناديوس إلى وليمة واستقبله بحفاوة ومودة وإكرام، وأهداه تاجاً وصولجاناً ثم ودعه باحتفال كبير، وقال له على مسمع كل من شارك في ذاك الاحتفال: "يمكنكم الاستفادة من صحبتي في كل وقت، وتمتلكون حقوق أسلافكم وامتيازاتهم بكل شأن".

وكما كانت المراسيم تجري في العهد البيزنطي عند تنصيب رئاسة الكنيسة الأرثوذكسية، أقيمت هذه المراسيم لجناديوس وتمت مرافقته حتى كنيسة الحواريين التي خصصت بيتاً للبطريرك الجديد، في حفل شارك فيه الوزراء والقادة والأعيان بتوجيه من السلطان محمد الفاتح.

وفي هذه الأجواء منح السلطان الشاب محمد الفاتح مرسوماً للبطريرك الجديد كتب فيه "لا أحد له سيطرة على البطريرك، هو والرهبان الكبار من ضمن حاشيته معفون دائماً من الخدمات العامة"، وكُتبَ أيضاً أن هذا الامتياز منح لأهل الروم، كنائسهم لن تحول إلى مساجد، وطقوس زواجهم ودفنهم وسائر أمورهم سَتُقام وفقاً لقواعد الكنيسة الرومانية كما كانت في الماضي.

وهكذا حصلت الكنيسة الأرثوذكسية على حقوق حرية العبادة، وإقامة مجلس السنودس، وتنظيم الجماعات، وصلاحية تغييرها عند اللزوم، وتبعية بعض الكنائس لنفسها. وهكذا ازدادت أهمية البطريرك بعد هذا التاريخ، واستمرت تبعية الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لبطريرك إسطنبول كحال الأرثوذكس في فلسطين وقبرص.

ثم تولت الخلافة العثمانية مهمة توفير الأمن للبطريرك وسائر البطارقة، وخصصت لذلك وحدة حراسة مكونة من كبار عساكر الإنكشاريين. وإن هذه المعاملة الراقية والشفافة التي تعامل بها السلطان الفاتح مع الكنيسة ورعاياها تجسد رسالة التسامح الإسلامية التي تعاملت بها الخلافة الإسلامية مع أهل الكتاب في كل مرحلة من التاريخ الإسلامي، التزاماً بتوجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية. ووفق هذا النهج الرائع سار السلاطين العثمانيون.

وفي عام 1461 أحضر السلطان الفاتح الأسقف الأرمني خواكيم إلى إسطنبول ومنحه منصب بطريرك أرمني، ومنحه كل الحقوق التي منحها للبطريرك الأرثوذكسي.

وإلى جانب ذلك منح السلطان الفاتح مرسوماً لليهود ضمن لهم الحفاظ على معابدهم اليهودية والحفاظ على أرواحهم، ومنحهم حرية قراءة توراتهم وعبادتهم بموجب معتقداتهم.

ولعل كل هذه المواقف من السلطان الشاب محمد الفاتح دفعت المؤرخ الفرنسي جان بول رو أن يكتب شهادة حق بَيّن فيها أن الخلافة العثمانية حرصت على العيش في سلام وإخلاص مع كل رعاياها سواء كانوا مسلمين أو مسيحين أو يهوداً، وأنها ساهمت في بناء الحضارة العالمية أكبر مساهمة.

بناء على كل ما ورد أعلاه فإن إعادة آيا صوفيا إلى أصله مسجداً تؤكد الاعتزاز بالسياسة الشرعية التي انتهجها السلطان الشاب محمد الفاتح وسائر السلاطين الذين جاؤوا بعده مع كل رعاياهم، مجسدين بذلك رسالة الإسلام الحضارية، وقيمه الإنسانية، وحرصه على الحفاظ على سيادة الأمة الإسلامية واستقلالها وحريتها وكرامتها.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي