العلم الإيراني بجانب محطة لتكرير النفط (Raheb Homavandi/Reuters)

وبمجرد خروج تصريحات من مسؤولين أمريكيين وإيرانيين تشير إلى قرب التوصل إلى اتفاق بين الطرفين انخفضت أسعار النفط بمقدار 2%.

تخضع إيران في الوقت الحالي لعقوبات أمريكية تمنعها من تصدير النفط، حيث انسحب ترمب في عام 2018 من الاتفاق النووي الذي وقعت عليه كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا في عام 2015 وكان ينص على الحد من الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية، وفرض ترمب على إيران حزمة من العقوبات القاسية كان في مقدمتها وقف صادرات النفط الإيرانية مع عقوبات أخرى تمتد لقطاعات أخرى تشمل البنوك والشحن والتجارة والتأمين.

سيكون من المهم إلقاء الضوء على معدلات إنتاج النفط الإيراني وحجم الصادرات قبل وأثناء العقوبات الأمريكية حتى يمكننا تصور ماذا يعني استئناف إيران لصادراتها النفطية وكيف سينعكس على العرض والطلب في أسواق النفط العالمية وكيف سيؤثر هذا المشهد الجديد على علاقات إيران الإقليمية والدولية.

وصل إنتاج النفط الإيراني قبل العقوبات التي فرضها ترمب في مايو/أيار 2018 إلى 4 ملايين برميل يومياً وبلغت الصادرات 3.2 مليون برميل يومياً، في حين تراجعت هذه الأرقام بشكل حاد بعد العقوبات الأمريكية حيث واصلت إيران مبيعات النفط بشكل سري وبأسعار منخفضة جداً تستطيع من خلالها إغراء المشترين بالمخاطرة وتجاوز العقوبات الأمريكية ووصلت الصادرات الإيرانية وفقاً للتقديرات إلى مليون برميل يومياً وانخفضت هذه النسبة خلال عام 2020 بسبب جائحة كورونا لتصل إلى 600 ألف برميل نفط يومياً.

مع بداية عام 2021، رفعت إيران من صادراتها النفطية بالرغم من العقوبات الأمريكية وتزامنت هذه الزيادة في الصادرات مع خسارة ترمب للانتخابات الأمريكية وفي نفس الوقت زيادة الطلب العالمي على النفط بعد بدء التعافي الجزئي من جائحة كورونا، وتصل الصادرات الإيرانية للنفط في الوقت الحالي إلى 1.7 برميل نفط يومياً تذهب أغلبها إلى الصين بأسعار منخفضة وتذهب بعض الصادرات إلى سوريا والإمارات وماليزيا.

رفع العقوبات الأمريكية المتوقع خلال المحادثات الجارية سيمنح إيران الفرصة للعودة إلى معدلات إنتاجها الطبيعية وهو أمر بالرغم من صعوبة تحقيقه في وقت قصير لكن يبدو أن الاستعدادات في حقول النفط الإيرانية لرفع مستويات الإنتاج بدأت منذ فترة وهو ما يعني إمكانية وصول إيران إلى معدلات الإنتاج الطبيعية في غضون شهور قليلة وعودة التصدير إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.

هذا يعني أن إيران ستحاول خلال فترة وجيزة رفع صادراتها اليومية من النفط من 1.7 مليون برميل إلى 3.2 مليون برميل، بمعنى آخر زيادة صادراتها بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً وهو رقم ضخم كافٍ لتعويض إيران خسائرها من العقوبات التي وصلت إلى عشرات مليارات الدولارات وتسببت مع جائحة كورونا في إصابة البلاد بحالة ركود اقتصادي. ولا يتوقف الطموح الإيراني عند هذا الحد ولكن يمتد إلى الرغبة في العودة إلى مستويات إنتاج النفط في الحقبة الذهبية في السبعينيات والتي وصل إنتاج النفط الإيراني فيها إلى 6 ملايين برميل يومياً، لتستعيد إيران دورها مرة أخرى كلاعب رئيس وحيوي في خريطة النفط العالمية وتكتسب مزيداً من النفوذ السياسي.

يبدو أن الاستعدادات الإيرانية لاستناف صادراتها النفطية بالمعدلات الطبيعية لم تتوقف عند تجهيز حقول النفط للزيادة المتوقعة ولكنها امتدت إلى إنشاء مشاريع جديدة تعبر عن استراتيجية مختلفة عن تلك التي اتبعتها في العقود السابقة. أعلنت إيران في شهر مايو/أيار الماضي عن بدء العمل بخط أنابيب نفط جديد يتجاوز مضيق هرمز، حيث يصل الخط الذي يمتد بطول 1000 كم محطة جور النفطية بميناء جاسك أمام خليج عمان، ويستطيع الخط الذي وصلت تكلفته إلى 2 مليار دولار نقل مليون برميل نفط يومياً (الخريطة رقم 1). يعد خط أنابيب النفط "غوره-جاسك" (Goureh-Jask Pipeline) واحدة من الخطوات المهمة التي تحاول إيران من خلالها تغيير الوضع الجيوسياسي لمضيق هرمز، حيث يمثل المضيق مفتاح صادرات النفط والغاز لدول الخليج وإيران والعراق، ويمر في الوقت الحالي من خلاله 20% من الطلب العالمي اليومي للنفط والذي تتضمنه معظم صادرات النفط الإيراني، وهو وضع جعل من المضيق بؤرة جيوسياسية متوترة تسعى القوى الإقليمية والدولية للسيطرة عليه والتحكم وتأمين تدفقات النفط من خلاله.

سيقدم الخط فرصة لإيران لتجاوز مضيق هرمز وتجنب المخاطر الجيوسياسية التي تحيط به وتصدير النفط عبر ميناء يطل على خليج عمان بما يمنح إيران القدرة على مواصلة صادراتها النفطية في حال تعطل تدفقات النفط من المضيق لأي أسباب وتوترات سياسية في المستقبل.

يعد خط أنابيب النفط "غوره-جاسك" . المصدر World Oil (Others)

على الجانب الآخر، ستساهم زيادة صادرات النفط الإيرانية في تهدئة علاقات إيران بمحيطها الإقليمي والدولي، فإذا كانت هناك دوافع للسعودية لتهدئة العلاقات مع إيران في الوقت الحالي فيمكن أن تمثل عودة إيران لاستئناف صادراتها النفطية دافعاً آخر للتهدئة والتفاهمات بين الطرفين.

سيؤدي استئناف صادرات النفط الإيرانية إلى زيادة العرض مقابل الطلب في أسواق النفط العالمية والذي يمكن أن ينعكس على أسعار النفط ويتسبب في تراجعها، سيدفع ذلك المعطى الجديد في خريطة إنتاج وتصدير النفط العالمية الدول الأعضاء في اتفاقية "أوبك بلس" وعلى رأسهم السعودية للتنسيق مع إيران بهدف الحفاظ على استقرار أسعار النفط ومنع تراجعها عن حاجز الـ60 دولار، وستحاول السعودية -التي سعت بشكل جاد منذ بداية جائحة كورونا للحفاظ على التوازن بين العرض والطلب في أسواق النفط ودفعت أعضاء تحالف أوبك بلس إلى الالتزام بتخفيض الإنتاج بنسب محددة- الوصول إلى تفاهمات مع إيران، لاسيما وأن الأخيرة ليست طرفاً في اتفاق أوبك بلس وغير ملزمة بنسب خفض الإنتاج التي يقرها التحالف كل فترة قصيرة خلال جائحة كورونا.

لايمكن النظر إلى عودة الولايات المتحدة مجدداً إلى الاتفاق النووي مع إيران دون الأخذ في الاعتبار باتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين إيران والصين الموقعة في مارس/آذار 2021، والتي يبدو أنها مثلت أحد الحوافز الرئيسية التي دفعت الولايات المتحدة للتعجيل بإعادة انضمامها للاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران، وتهدف الولايات المتحدة وأوروبا من هذه الخطوة إلى ترسيخ سياسة متوازنة مع إيران تسمح لأوروبا باستمرار علاقتها الاقتصادية القوية مع إيران وتمنع الأخيرة من الانحياز الكامل نحو المعسكر الصيني. في الوقت ذاته، سيكون من المتوقع بعد إحياء الاتفاق النووي أن تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران حالة هدوء أو ما يمكن أن نطلق عليه هدنة ليست بالقصيرة، ستحاول إيران خلالها أن تتعافى من صدمتي عقوبات ترمب وجائحة كورونا، لاسيما مع قدوم قيادة سياسية جديدة بعد الانتخابات الرئاسية في 18 يونيو/حزيران القادم حيث ستكون الأوضاع الداخلية والحالة الاقتصادية على قائمة أولوياتها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي