اعتاد نظام عبد الفتاح السيسي أن يعلّق جميع اخفاقاته على طرف ثالث، وغالباً ما يكون هذا الطرف هو جماعة الاخوان المسلمين. وتعدّ أزمة الأطباء مؤخراً فصلاً جديداً من هذا المسلس المتكرر.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي 
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي  (AP)

لطالما لعبت البروباغندا دوراً حاسماً في دعم سياسة الأنظمة السياسية، خصوصاً الشمولية منها. في السابق، وإبان حكم النازيين لألمانيا، قال جوزيف جوبلز الذي شغل منصب وزير الإعلام في عهد هتلر: "إذا اخترعت كذبة كبيرة وظللت ترددها بإخلاص، فسيصدقها الناس في النهاية".

"الجماعة الإرهابية، أهل الشر، السبب هو جماعة الإخوان المسلمين"... منذ قدوم السيسي بالانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013 كم مرة استمعت في القنوات الفضائية المصرية إلى تلك العبارات الثلاث؟ وكم مرة قرأتها في صحف مصرية مقربة من النظام كصحيفة اليوم السابع وغيرها؟

الإجابة ستكون "آلاف المرات"، فقد استخدم النظام المصري وأذرعه الإعلامية داخل مدينة الإنتاج الإعلامي استراتيجية دوامة الصمت التي أسستها الباحثة الألمانية إليزابيث نيومان عام 1974م، والتي تعتمد على افتراض رئيسي فحواه أن وسائل الإعلام عندما تتبنى رأياً أو اتجاهاً بعينه خلال مدة زمنية محددة، فإن عامة الشعب سوف يتحرك في الاتجاه الذي تدعمه وسائل الإعلام، وبالتالي يتكون الرأي العام بما يتسق مع الأفكار التي تدعمها وسائل الإعلام.

وتتضمن دوامة الصمت أن الأفراد المعارضين لما يُقال في وسائل الإعلام، يتخذون مع الوقت موقف الصمت تجنباً للاضطهاد وخوفاً من الحصار المجتمعي والبطش الأمني، مما يزيد حالة التأييد الوهمي أو قلة الاعتراضات على ما تتبناه الدولة السلطوية من خلال وسائل إعلامها.

ففي مصر، أصبحت جماعة الإخوان المسلمين هي حقل التجارب والمشجب الذي يعلّق عليه النظام العسكري المصري كل إخفاقاته. وفي الوقت الذي يعاني العالم فيه من وباء فيروس كورونا، وتتحدث صفحات الصحف الكبرى في تركيا وبريطانيا والولايات المتحدة وأوروبا عن بطولات وتضحيات أعضاء الأطقم الطبية من أطباء وصيادلة وتمريض وعمال، وتنتشر مقاطع مصورة كل يوم على مواقع التواصل الاجتماعي لتوضح تحية هذا الشعب أو ذاك لجهود الأطقم الطبية، تأتيك المفاجأة من مصر حيث اتهم الإعلام المصري الأطباء المطالبين بتوفير وسائل الحماية الشخصية لهم في مواجهة كورونا بأنهم مدفوعون من جماعة الإخوان المسلمين.

ومن الأمثلة على ذلك ما كتبه الصحفي المقرب من النظام دندراوي الهواري في صحيفة "اليوم السابع"، من أن مرشد الإخوان المسلمين محمد بديع هو طبيب بيطري، وقيادات الجماعة جلهم من الأطباء مثل محمد البلتاجي، وعصام العريان، وبالتالي فإن أي طبيب محتجّ أو يهدّد بالاستقالة ما هو إلا خلية إخوانية تريد تدمير مصر وتحريض الأطباء ضد النظام.

لاحقاً أثبتت النقابة العامة لأطباء مصر زيف وعبث هذا الاتهام حين أرسلت بخطاب احتجاج رسمي إلى رئاسة الوزراء المصرية تشكو إليها ضعف الإمكانيات، واحتجاج الأطباء، مما استدعى اجتماعاً عاجلاً بين رئيس الحكومة مصطفى مدبولي ونقيب الأطباء في مصر الدكتور حسين خيري.

ليس هذا وحسب، ففي عام 2016 تقدم المحامي عبد المجيد جابر ببلاغ إلى النيابة العامة حمل رقم 1226 لسنة 2016 اتهم فيه جماعة الإخوان المسلمين بأنها وراء إلقاء التماسيح في نهر النيل لإثارة الخوف والفزع في نفوس المصريين.

ولا عجب أيضاً من موقف وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة في عام 2015 باتهام جماعة الإخوان المسلمين بأنها وراء تسميم المياه في مصر عبر إلقاء كميات من الفوسفات في نهر النيل لقتل المسلمين وتدمير حياتهم على حد قوله.

والأغرب أن الجماعة، التي تقول قيادتها إن عدد معتقليها في السجون المصرية تجاوز ستين ألف معتقل، تستطيع وفقاً لبيان وزارة الداخلية المصرية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 أن تمول تنظيماً أسماه النظام المصري تنظيم "سد البلاعات"، وهو ما قالته وزارة الداخلية في بيانها الذي اتهم جماعة الإخوان المسلمين بسد المصارف ومواسير الصرف الصحي عبر إلقاء مواد أسمنتية لإيجاد حالة من السخط الجماهيري ضد النظام القائم.

كوميديا اتهامات النظام المصري لجماعة الإخوان المسلمين لم تنقطع، إذ قال أحد المسؤولين في وزارة الصحة المصرية في عام 2019 إن الزيادة السكانية في مصر سببها الرئيسي هو جماعة الإخوان المسلمين لتشجيعهم على الإنجاب وعدم تنظيم الأسرة وربطه بأحكام الدين الإسلامي فترة حكمهم.

إن عبد الفتاح السيسي نفسه لا يتوقف عن الحديث والإشارة إلى مجموعات وجماعات تتربص بمصر والمصريين، تشكك في الإنجازات وتنشر الروح التشاؤمية بين المصريين لإسقاط ما يسميه السيسي "هيبة الدولة المصرية" وعودة هؤلاء للحكم مرة أخرى.

السؤال الذي لا ينتبه السيسي لإجابته هو: كيف لجماعة مقهورة مطاردة، ويقبع قيادات الصف الأول والثاني وربما الثالث والرابع من تنظيمها في السجون فضلاً عن المطاردات والتصفيات التي تلاحق منتسبيها، كيف لتلك الجماعة التي تتلقى ضربات وضربات على مدار سنوات سبع عجاف لها أن تقوم بكل هذه الأعمال، وإن كانت جماعة الإخوان المسلمين بهذا القدر من القوة والانتشار والنجاعة فلماذا لا تعود للحكم مرة أخرى إذاً؟

"مصر شعبها مع مَن غلب" مقولة قالها الحجاج بن يوسف الثقفي يوماً ما، وكوني مواطناً مصرياً أقول إنها مقولة صحيحة لدرجة كبيرة، فالشعب المصري دائماً ما ينبهر بالحاكم القوى الذي يحكم ولو كان جباراً ظالماً، ويتجرأ على الحاكم الضعيف الذي يحكم ولو كان متواضعاً بسيطاً.

هذا ما فعله الإعلام المصري بالرئيس الراحل محمد مرسي حين سخّروا قنواتهم للسخرية منه والتقليل من شأنه ليل نهار، فأصبح ضعيفاً في عيون قطاع كبير من الشعب المصري. الأمر الآن يسير بصورة عكسية مع السيسي، فإعلامه يضخّم قوة الإخوان المسلمين، ويتحدث عن تحركاتهم في الداخل والخارج من أجل أن يظهر السيسي بمظهر الرجل القوي القادر على تحدي وقمع هذه القوة الكبرى. ولكن إلى أي مدى سوف يستمر الشعب المصري في تصديقه هذه المسرحة قبل أن ينتفض على كل هذه الأكاذيب؟ هذا ما سوف تجيب عنه الأيام المقبلة.

إن دوامة الصمت يبدو أنها لن تدوم طويلاً في مصر، فمواقع التواصل الاجتماعي تعجّ بآلاف المنشورات التي تنتقد السيسي وإدارته في أزمة كورونا، وأصبح من مؤيديه من يسخر من بياناته الرسمية حين يتهم الإخوان المسلمين بأي تهمة جديدة، وإن أزمة الأطباء والقطاع الصحي المهترئ في مواجهة أزمة كورونا من السوء بحيث لا يمكن تحميلها لجماعة هنا أو هناك. إنه عجز واضح للنظام، وهذا ما بات الجميع تقريباً مقتنعاً به.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي