بعد النجاح الذي حققه تيار اليمين المتطرف في انتخابات ولايتي ساكسونيا وبراندنبورغ في ألمانيا مؤخراً، عاد الحديث حول المدى الذي وصلت إليه السياسية الألمانية في تحولها نحو اليمين.

في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري، أجريت انتخابات مجالس (برلمان) ولايتين بجمهورية ألمانيا الاتحادية من أصل 16 ولاية تتشكل منها البلاد. ووفقاً لنتائج الانتخابات، حقق اليمينيون المتطرفون المركز الثاني في ولايتي ساكسونيا وبراندنبورغ شرقي البلاد، وأصبحوا يمتلكون ثاني أقوى أحزاب مجلسي الولايتين.

ثمة سؤال مهم يطرح نفسه هنا، وهو ماذا تعني هذه النتائج بالنسبة لمستقبل اليمينيين المتطرفين عند النظر إلى الحياة السياسية في ألمانيا وكذلك في الولايتين المعنيتين. ومن أجل فهم هذا الأمر بشكل أفضل، ينبغي تذكُّر التطورات السياسية التي شهدتها ألمانيا في السنوات القليلة الماضية، وعمل تقييم عام عن الموضوع.

بداية الصعود اليميني

في عام 2017، أجريت انتخابات المجلس الفيدرالي (البوندستاغ) في ألمانيا، ولأول مرة منذ عام 1945 تمكَّن حزب سياسي عنصري ويميني متطرف من الدخول إلى البرلمان وهو حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) الذي يتبنى أجندة سياسية تركز على تيار اليمين المتطرف وتناهض الإسلام واللاجئين والوحدة مع أوروبا. وقد خرج الحزب من انتخابات 2017 كثالث أقوى حزب في البرلمان.

وعليه باتت أكبر كتلتين سياسيتين في ألمانيا، وهما الاتحاد المسيحي الديمقراطي وحليفه البافاري الاتحاد المسيحي الاجتماعي (CDU/CSU) من جهة، والحزب الديمقراطي الاشتراكي (SPD) من جهة أخرى، مضطرة لتشكيل حكومة ائتلافية مجدداً تحت اسم "التحالف الكبير". إذ فشلت المساعي كافة لتأسيس تحالف مع أطراف أخرى.

وعلى هذا النحو، تمكنت أنجيلا ميركل التي ترأست حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي طوال الفترة بين عامي 2000 و 2018، فضلاً عن رئاسة الحكومة اعتباراً من عام 2005، من تشكيل حكومة ائتلافية للمرة الرابعة.

وعلى الجانب الآخر، ارتقى حزب البديل اليميني ليصبح زعيم المعارضة في البرلمان. ومن ثم أصبح عاملاً مؤثراً في السياسة الألمانية. ومن الجدير الإشارة إليه أن الحكومة الائتلافية بين الديمقراطيين المسيحيين والديمقراطيين الاشتراكيين تشكلت على أساس هش، وفي المرحلة ما بعد تأسيس الحكومة وتحديداً في مارس/آذار 2018، جرت أحاديث عديدة في مناسبات عدة عن احتمالية إنهاء التحالف الحكومي.

تحالف حكومي هش

ويأتي على رأس الهزات التي طرأت على هذا التحالف، الخلاف بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي) ووزير داخليتها هورست زيهوفر (الاتحاد المسيحي الاجتماعي) بشأن موجات اللاجئين وفي مقدمتهم السوريين التي بدأت تعصف بالبلاد اعتباراً من عام 2015.

وفي هذا السياق، تبنى زيهوفر موقفاً معارضاً لسياسة ميركل المعتدلة بشأن اللاجئين التي تتبعها منذ بدء الأزمة في 2015. وموقف زيهوفر يرجع إلى حرصه على الحفاظ على ناخبي التيار المحافظ في ولاية بافاريا (جنوب شرق) وعدم السماح لحزب البديل المتطرف من استقطابهم.

وقد أشار تواصل الانتقادات المتبادلة من الجانبين أمام الرأي العام إلى أن هذا التحالف لن يتمكن من الصمود طويلاً. وحتى لو نجح لاحقاً في تجاوز بعض الأزمات بفضل تنازلات من جانب ميركل، فإن كثيراً من التكهنات لا تزال متواصلة حول قدرة الحزبين الشقيقين على الحفاظ على هذا التحالف حتى عام 2021.

موقف آخر كان سبباً في حدوث شروخ في التحالف، وهو الموقف المتسامح الذي أظهره رئيس الاستخبارات الداخلية الألمانية السابق هانز غيورغ ماسن (عضو بحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي) تجاه ممارسات تيار اليمين المتطرف في ولاية ساكسونيا (شرق).

فقد تعالت دعوات من الحزب الديمقراطي الاشتراكي الشريك في الحكومة من أجل إقصاء "ماسن" من منصبه، فيما دعمه وزير الداخلية زيهوفر، ما أثار انتقادات عديدة من جانب وسائل إعلام، وكيانات ليبرالية ديمقراطية ومعارضين لليمين. وفي نهاية المطاف خضع زيهوفر إلى هذه الضغوطات واستبعد ماسن من منصبه، ليزيح مؤقتاً هذه الأزمة من أمام التحالف الحكومي.

تراجع أحزاب الوسط

ومن ناحية أخرى، فبعد مرور الانتخابات البرلمانية في عام 2017، مُني حزبا التحالف الحكومي: الاتحاد المسيحي الديمقراطي والحزب الديمقراطي الاشتراكي، بخسائر فادحة في انتخابات المجالس المحلية في ثلاث ولايات بألمانيا، جرت في عامي 2018 و 2019. لدرجة أن زعيمة الاشتراكيين أندريا ناليس التي كانت تولت حديثاً رئاسة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في 2018، أعلنت استقالتها عقب ظهور نتائج انتخابات ولاية بريمن التي تعد قلعة الحزب شمالي البلاد.

ومنذ مايو/أيار 2019، يُدار الحزب من جانب إدارة ثلاثية مؤقتة، لكن الناخب يرى بشكل طبيعي هذا الوضع كفراغ إداري. كذلك تعرّض حزبا الاتحاد المسيحي الديمقراطي وحليفه البافاري الاتحاد المسيحي الاجتماعي لخسائر مشابهة في ولايتي هيسن (وسط) وبافاريا (جنوب شرق).

الأمر الذي دفع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى التنحي من رئاسة حزبها عقب الخسائر الفادحة التي تلقاها في هيسن، لتحل محلها أنيغريت كرامب كارنباور التي دعمتها ميركل لرئاسة الحزب. لكن ميركل أعلنت أنها ستبقى في رئاسة الحكومة حتى عام 2021.

اليمين ينمو شرقاً

وفي مثل هذه الظروف والأجواء، أجريت في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري انتخابات مجلسي ولايتي ساكسونيا وبراندنبورغ شرقي ألمانيا. وهاتان الولايتان منذ اتحاد ألمانيا الشرقية والغربية في عام 1990 لم يتمكنا من الارتقاء إلى مستويات الرفاهية والتعليم والتنمية التي تزخر بها الولايات الغربية.

ومنذ تأسيس حزب البديل اليميني المتطرف في عام 2013 وهو يتمتع بقوة كبيرة في الولايتين. على سبيل المثال، تمكن حزب البديل من دخول مجلسي الولايتين لأول مرة في انتخابات 2014. كذلك يحصل على أصوات تتجاوز 20% في استطلاعات الرأي التي تجرى في هاتين الولايتين كافة منذ عام 2016. ومنذ ذلك الحين لم يتغير شيء على هذا الوضع.

وعند النظر إلى نتائج انتخابات هاتين الولايتين، نرى أن وسائل الإعلام الغربية أشادت بعدم تحقيق حزب البديل المركز الأول في الانتخابات، وعليه جرى التخلص من كابوس كان محتملاً حدوثه بدرجة كبيرة. ووفقاً للنتائج، حصل حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي (الديمقراطيون المسيحيون) على 32% من الأصوات في ساكسونيا ليحقق المركز الأول، في مقابل 27.5% لحزب البديل اليميني المتطرف ليكون ثاني أقوى حزب سياسي بالولاية.

النقطة الأهم هنا ليست هي زيادة أصوات حزب البديل مقارنة بالأصوات التي حصل عليها في انتخابات 2014، وتقدر هذه الزيادة بـ17%، أو خسارة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي 7.3% من الأصوات التي حصل عليها في 2014، وإنما الأمر الواجب التركيز عليه هو مقارنة نسب الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب المعنية في انتخابات الاتحاد الأوروبي الأخيرة 2019، وانتخابات المجلس الفيدرالي (البرلمان) في 2017 مع نسب الأصوات التي حصلت عليها في انتخابات الولايات الأخيرة.

ووفقاً لذلك، يلاحظ زيادة نسبة أصوات حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي تقريبا 6% مقارنة بـ2017، أما الحزب الديمقراطي الاشتراكي فقد خسر كتلة كبيرة من ناخبيه، لاسيما في ولاية ساكسونيا، لتهبط أصواته إلى 7.7%.

وعلى وتيرة مماثلة، خسر حزب اليسار أيضاً نسبة كبيرة من أصواته مقارنة بنتائج الانتخابات السابقة للولاية، ليحصل على 10.4% من إجمالي أصوات الناخبين. أما حزب الخضر فقد زاد من أصواته قليلاً، ليصل إلى 8.6% من إجمالي أصوات الناخبين. أما الحزب الديمقراطي الحر (FDP) فقد فشل في تجاوز العتبة الانتخابية المحددة بـ5%، ولم يتمكن من دخول المجلس. وعلى هذا النحو دفع الحزب بشكل ما فاتورة قرار الانسحاب بشكل أحادي من مباحثات تشكيل حكومة ائتلافية في عام 2017 مع كل من حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي وحليفه البافاري الاتحاد المسيحي الاجتماعيإلى جانب حزب الخضر.

أما بالنسبة لحزب البديل، فنسبة 27.5% من الأصوات التي حققها في ساكسونيا تعد أعلى نسبة أصوات يحصل عليها في انتخابات ولاية حتى اليوم.

وفي ولاية براندنبورغ، استطاع الحزب الديمقراطي الاشتراكي تحقيق المركز الأول بنسبة أصوات بلغت 26%، وذلك على الرغم من أدائه السيئ على نطاق فيدرالي وفي ولايات أخرى، وحتى خسارته 5.7% من أصوات ناخبيه في الانتخابات السابقة للولاية.

وتعد هذه النسبة التي حققها الحزب الديمقراطي الاشتراكي هي الأسوأ للحزب في براندنبورغ. أما حزب البديل فقد حقق المركز الثاني في هذه الولاية أيضاً، بواقع نسبة أصوات وصلت 23.5%، محققاً زيادة 11% عن أصواته في الانتخابات السابقة. وجاء في المركز الثالث حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي بـ15.6% بعد خسارته 7.4% من أصواته في الانتخابات السابقة.

أما حزب اليسار، شريك الحزب الديمقراطي الاشتراكي في حكومة الولاية الائتلافية فقد خسر نحو 8% من أصواته، ليكتفي بـ10.7% من الأصوات. فيما حصل حزب الخضر على 10.8% من الأصوات، وحلّ حزب الديمقراطي الحر متأخرا بـ4.1% من الأصوات، ليفشل مجدداً في تجاوز العتبة الانتخابية.

غير أنه عند النظر إلى الصورة كاملة، يمكننا الخروج بعدد من المستخلصات أو الاستنتاجات المهمة. في البداية ينبغي ألا ننسى أن في كلا الولايتين لن يقبل حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي والحزب الديمقراطي الاشتراكي تشكيل حكومة ائتلافية مع الحزب البديل. فكل الأحزاب صرحت بذلك قبل الانتخابات، لاسيما رئيس وزراء ولاية ساكسونيا (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) الذي أجرى حملة انتخابية فعالة في هذا الصدد.

أمر أخر من المهم الإشارة إليه، يتمثل في منهج النأي بالنفس والنقد العلني الذي تبناه الاتحاد المسيحي الديمقراطي تجاه بعض المسؤولين البيروقراطيين القدامي وأعضاء الحزب القريبين من حزب البديل أمثال رئيس الاستخبارات الداخلية ماسن.

فهذا النهج كانت له أثار إيجابية على الحزب. لأنه من الواجب معرفة أن ناخب حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي لن يقبل سياسية "تقليد" حزب البديل. فعلى أي حال، سيفضّل الناخب الذي يميل إلى تيار اليمين المتطرف إعطاء صوته حزب البديل، بدلاً من حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي.

تطبيع اليمين في الحياة السياسية الألمانية

ومن أبرز الاستنتاجات أيضاً الممكن استخراجها من نتائج الانتخابات، هو أن حزب البديل للأسف صار مع مرور الوقت يحصل على صورة أكثر طبيعية واعتيادية، فضلاً عن سعيه للبقاء بصورة دائمة في قلب المجتمع في الولايات المذكورة.فهو يمتلك دعماً مهماً من جانب الجيش، والشرطة، والشركات المتوسطة، ويُتوقع أنه سيجبر الآخرين على المدى البعيد للتحالف معه من أجل تشكيل حكومات ائتلافية.

في الوقت الحالي، تأخذ سياسة التيار الرئيسي في ألمانيا نفساً عميقاً، لفشل حزب البديل في الحصول على المركز الأول في الانتخابات، وتعتبر ذلك نجاحاً مهماً. غير أنه عند حساب إجمالي الأصوات التي حصل عليها حزب البديل في كلتا الولايتين، يتضح لنا أن حزب البديل هو من حقق المركز الأول. لذا فمن الصعب الحديث عن نجاح ملموس.

وكما فشلت هذه الخيارات في حل المشاكل الحالية، يُتوقع أيضاً أن تواجهها صعوبة في الوقوف أمام انتشار اليمين والتطبيع معه على المدى البعيد. كما يتوقع أن تفتح التحالفات الثلاثية والرباعية في تشكيل الحكومات الباب أمام اضطرابات وحالة من عدم الاستقرار في الحياة السياسية بألمانيا التي تعاني بالفعل من حكومة ائتلافية ثنائية.

وعليه، ثمة مهام وواجبات مهمة تفرض نفسها على كاهل الأحزاب المركزية في البلاد، وبخاصة مع اقتراب انتخابات محلية أخرى في ولاية تورنغن (وسط) المهمة حيث يتوقع حصول حزب البديل اليميني على نتائج قوية جداً.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي