يشهد العالم الآن تزايد موجات العنف وتنوع هويات فاعليها، باسم الدين والإثنية واسترجاع المجد التاريخي، تُستنفر المشاعر بنسختها الحيوانية المنزوعة من العقلانية، ويتساقط الضحايا وتُسفك دماؤهم بكل برود كما جرى في العالم في ثلاثينيات القرن المنصرم.

تستوجب حالة صعود اليمين والانتشار المزايد للأفكار الفاشية تشريحاً موضوعياً لئلا يستفحل العنف، ويُتخذ كذريعة هوياتية دينية قابلة للتمدد.

اقتصاد متهالك ويمين مُستَغِل

لتجييش هذا العنف وتغذيته اشتراطات بنيوية حذّر منها العديد من الاقتصاديين والاجتماعيين منذ عقد التسعينيات، إذ بدا أن النظام الرأسمالي دخل في حالة من الإنهاك تنذر بصدمات عنيفة، على الرغم من قضائه على خصمه الإيديولوجي، وتزايد معدلات الوفرة، لكن التوجه نحو مزيد من العسكرة والعولمة وتنقلات رأس المال واليد العاملة من الدول الأوروبية الصناعية وإليها، بحثاً عن عمالة رخيصة وشروط إنتاج وتكلفة أقل، ثم زيادة الهجرات ومعدلات اللجوء من الدول العربية بعد ثورات الربيع العربي، كلها أسباب أدت إلى تغير الخريطة الديموغرافية والتركيبات الاجتماعية داخل أوروبا المنهكة اقتصادياً وسياسياً.

في تلك الآونة والظروف كان اليمين الرأسمالي الغربي يدافع عن المنظومة الأخلاقية والتقاليد المحلية ضد العولمة والثقافة الكونية والفردية، لكن قواعد المعادلة الاقتصادية النيوليبرالية، حتّمت عليه الانضمام النفعي إلى جوقة التعددية الثقافية التي تدعم الحقوق الفردية بما فيها قضايا النسوية والجنسانية وحق الحياة، أي ما يخالف عقيدته وإيديولوجيته، وذلك من أجل الحفاظ على امتيازاته الطبقية.

وفي ظل سياسات التعددية الثقافية تلك، والصوابية السياسية التي اعتلت منابر الأكاديميات الأوروبية بدافع "التكفير عن ذنوب الاستعمار"، إذ تسيدت دراسات نقد الاستشراق وما بعد الكولنيالية، ما سمح لكثير من الحركات والأفراد، بصفتهم "ضحايا" الاستعمار، أن يحصلوا على منح وظيفية وتمويلية لمشروعاتهم، ورفع مكانتهم الاجتماعية والمهنية لمجرد أنهم ضحايا ومهمشون، وبات ما يُسمى"بيزنس الهامشية وحقوق الإنسان" يحقق مكاسب مضمونة للتغطية على المشكلات الاقتصادية والرفاه الاجتماعي المنهار.

لم يكن هناك من مكافئ إيديولوجي قوي ضد سياسات النيوليبرالية ومشروعاتها الحقوقية الزائفة المستغلة، فقوى اليسار كانت قد سقطت مع سقوط الاتحاد السوفيتي 1989، وانسحقت داخل ماكينة الاستهلاك الثقافي، وحسب راسل جاكوبي "لقد حل التحليل الثقافي محل مناهج التحليل الاقتصادي والاجتماعي، إن التعددية الثقافية كانت تعبيراً عن الإنهاك السياسي"، كانت محفزاً للتمايز الهوياتي الديني والإثني، للاستمتاع بمميزات العرض النيوليبرالي المقدم لكل من يثبت أنه ضحية، وللتدليل على سياسات الغرب الديمقراطي الذي يدافع عن الحريات والمظاليم، ثم لإذكاء فتنة العنف في بؤر الصراع والحروب الأهلية بدول العالم الثالث (مع تحفظي على التوصيف).

فوضى وعدمية

تحت عنوان "حقاً كنا متدينين" كتب الألماني أنسلم نيفت المتراجع عن يمينيته، عام 2017، مقالاً يتفق مضمونه، ويفسر مدلول العلامات والمانيفستو الذي نشره مجرم حادث نيوزيلندا الأخير، شرح فيه دوافع انضمامه إلى حركات اليمين في التسعينيات، حيث شيوع الإحساس بالكآبة والعدمية والفوضى، وانهيار الروابط الاجتماعية واليوتوبيات الفكرية، ما أدى إلى الانقلاب على مشروع التنوير الحداثي والعقلانية والمعرفة المعلوماتية. وبتعبير أحدهم "نحن لا نريد مكاناً في الصالون، بل نريد نهاية الحفلة".

جدير بالذكر أن هؤلاء الشباب "وقود أحزاب اليمين" لم يتخذوا موقفاً حاسماً تجاه الديانة المسيحية أو الديانة الإبراهيمية على وجه العمو - وإن بدرجات متباينة، بل إن بعضهم ينظر إليها بعين الاحتقار وتمثل لهم ديانة عبيد ضعفاء، وهم الباحثون عن القوة والمجد، والإنسان في منظورهم شرير بالطبيعة والمطلق، والأرض ما هي إلا مسرح أبدي للمعركة.

يرتهن تيار اليمين المتطرف للقوة لا الحوار شأنهم شأن كل حركة يمينية ترتكن على الماضي المجيد وتستلهم انتصارات الأسلاف الأسطورية وعصور الأبطال الخالدين.

إيمان النمر

وبحسب مقاله "لم تكن الصورة المعادية للإسلام موجودة في بداية التسعينيات لدى العديد من اليمنيين المتطرفين، بل على العكس، فانطلاقاً من تصور المستشرقة اليمينية المتطرفة زيغرد هونكة حلمنا بمحور معاد لليبرالية، بين أوروبا بوثنيتها المحدثة، والخلافة في الشرق الأوسط ... فقط بعد باريس لم يعد المحمديون ينتمون إلينا ... وحين غدا اليمين الجديد ينظر إلى الإسلام بوصفه العدو عادّاً الغرب اليهودي المسيحي شيئاً قيماً، فإن قسماً آخر أُصيب بالدهشة ... غير أن ازدياد الانحياز المعادي للإسلام كان إستراتيجية ذكية لكسب جزء كبير من البرجوازية في المركب".

الماضي المجيد والتوفيقية الزائفة

ولأنّ الحداثة والتنوير والعقلانية جميعها علامات انحطاط أوروبا - بحسب منطقهم، يرتهن هؤلاء للقوة لا الحوار، وشأنهم شأن كل حركة يمينية، ترتكن على الماضي المجيد، وتستلهم انتصارات الأسلاف الأسطورية وعصور الأبطال الخالدين، لتوضع بشكل زائف في قالب حداثي"متناقض". ومنطق القوة يلزمه عناصر متكافئة، لذا يستدعون مثلاً أمجاد الإغريق واليونان، وفي التحديثات اليمينية، حين بات الإسلام هو المعادل لمفهوم الآخر والعدو، ولاعتبارات أخرى يصعب حصرها هنا، فهو نموذج ممتاز كي يصبح مكافئاً تاريخياً، بخاصة مع تديين القضية الفلسطينية وإدارتها على أساس الحق الديني، لا السياسي الذي يرتكز على حق الأرض والتاريخ.

على هذا النحو، يتنحى الحاضر لصالح اجترار ماضٍ كان متمايزاً ومعيارياً يعوض هذا الإحساس بالفوضوية والعدمية والميوعة، وهو ما يفسر استدعاء تاريخ معارك وأحداث بعينها، كانت فاصلة بين القوتين، ما يشترط أن يعود كل فريق إلى أرضه، تغذي هذه التخيلات المزاج العام الكثيف بالكآبة وغياب المعنى والرغبة في التدمير، وانتظار نهاية العالم الذي أصبح مصطلحاً مستخدماً بكثرة في الحديث العام وموضوعات الأدب والميديا في السنوات الأخيرة.

حب التنوع الفردي وغياب المعيار الذي يحتكم إليه الجسد الاجتماعي والإرادة المشتركة وفساد السياسة واختلال الاقتصاد لصالح رغبات أنانية وفوضوية هو ما أدى إلى النازية والفاشية.

إيمان النمر

يلعب اليمين الرأسمالي على هذا الوتر وينقلب ضد الحريات الفردية التي انتهت صلاحيتها الاستخدامية، وبناءً على سياسات التفتيت الهوياتي، توفر محورين متصارعين للخير والشر، كي تدار السياسة بآليات الميتافيزيقا؛ إذ يُستحضر الدين وتنبعث القوميات بعمومية وكثافة، ويتم التنديد بالثقافة الكونية والإنسانية، للتغطية على الإخفاق المزري الذي أصاب النظام العالمي. وقد اجتمعت الشواهد والمحفزات بتهديد الاقتصاد الصيني، والخوف من الخطر النووي الذي أصبح شبحاً كليَّ الحضور، ما يصب في صالح الأنظمة الشمولية والشعبوية وينبئ بمزيد من تصاعدها.

حب التنوع الفردي، وغياب المعيار الذي يحتكم إليه الجسد الاجتماعي والإرادة المشتركة وفساد السياسة واختلال الاقتصاد، لصالح رغبات أنانية وفوضوية هو ما أدى إلى النازية والفاشية، وساهم في بزوغ حركات العنف والعنصرية في ثلاثينيات القرن العشرين في العالم أجمع، نجده في مصر قد قوّض مفهوم المواطنة السياسية التي كانت أهم مكتسبات ثورة1919، ما مهّد الطريق للنظام العسكري1952، وفي مراسلات العمال إلى الهيئات الإدارية تفوح الكراهية الشعبوية ضد البقية من الأجانب والمسيحيين بحجة الظلم الاجتماعي والاقتصادي، ثم التدمير باسم الهوية الدينية من السبعينيات وما زال، الهوية الإثنية هي ما أبادت ملايين البشر في القرن الأفريقي وجنوب آسيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وأقامت جدران الفصل العنصري في عديد من الدول، والقائمة تطول.

الإقليمية والتجزيء الإنساني باسم الدين والقوميات والهويات العرقية، وفقدان اليقين في الحوار العقلاني لصالح القوة والمال هو ما يؤدي إلى الدم والمتاجرة بالدم، مهما اختلف الزمان والمكان، نذكر أنّ العديد من الشعراء والكتاب قد انضموا إلى النازية والفاشيست حين انعدم كل أمل في التغيير، لكن هؤلاء البشر الذين خرجوا واحتجوا وأدانوا إراقة الدم، وهذا الشاب الذي صفع وجه المسئول الأسترالي بالبيضة احتجاجاً على تصريحاته العنصرية، هذا الغضب الثوري الذي ما يزال يعبر عن نفسه في فرنسا والسودان والجزائر طلباً للعدل، جميعها تحيى الأمل في أنّنا ما زلنا نمتلك عقلاً مسؤولاً.

على الجانب السياسي العملي نرجّح عدم قيام حروب عالمية مثل تلك التي جرت في أعقاب الفاشية، لكن ستبقى بؤر للصراع المزمن جاهزة للاشتعال كلما تأزم النظام العالمي، واحتاج إلى الضغط على أطراف النزاع، أما المتاجرون بالدم الذين يجزِّئون حكمة الرحمة والإنسانية حصراً لضحاياهم ومكتساباتهم، فهؤلاء هم وقود جنون العنف شرقاً وغرباً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي