إنَّ السياسات التي يتبعها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الداخلية منها أم الخارجية من قبيل تكتيم الاصوات المعتدلة، والحروب الفاشلة، والسياسات الاقتصادية المتعجّلة من شأنها أن تقوض استقرار المملكة.

يقال إن الأمور إذا تواترت وفق سياقات محددة تصبح نمطاً. وفي الغالب تقود الأنماط إلى ذات النتائج أو إلى ذات النهايات. في السعودية، يبدو أن النمط الذي ابتدعه الأمير محمد بن سلمان هو إسكات أصوات الاعتدال عبر التخلص منهم. مع وفاة مناضل حقوق الإنسان الدكتور عبد الله الحامد الذي لطالما نادى بالسلمية طريقاً للتغير، يضيف ابن سلمان إلى لائحة انتهاكاته علماً آخر من أعلام العالم العربي الذين ينادون بالإصلاح.

لم يتعافَ العالم من الصدمة التي تلقاها على أثر اغتيال الصحافي الراحل جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018، حتى فوجئ بوفاة الحامد في سجون النظام السعودي قبل يومين بسبب الإهمال الطبي المقصود الذي تَعرَّض له. ولا ندري من سيكون التالي ضمن هذه اللائحة السوداء التي اختصّ ابن سلمان بها نفسه خصوصاً في ظل وجود عدد كبير من القامات العلمية والإصلاحية ونشطاء حقوق الإنسان في السجون من أمثال سلمان العودة، وعوض القرني، وعلي العمري، ولجين الهذلول وغيرهم.

وفي هذا السياق طبعاً علينا أن لا ننسى اغتيال عبد الرحيم الحويطي في منزله قبل ذلك بقليل على أثر رفضه إخلاء منزله لصالح مشروع "نيوم" الذي يبشر به ابن سلمان.

إن هذا النمط المتبَع من وليّ العهد الشاب، بالإضافة إلى أنه يتنافى مع كل دعاوى الإصلاح التي بشَّر بها بداية عهده، فإنه يطرح الكثير من التساؤلات عن قدرة السعودية كنظام على تجاوز النتائج المترتبة عليه خصوصاً إذا وُضع في سياق الظروف الداخلية والإقليمية والدولية التي تواجهها المملكة.

فعلى صعيد السياسة الداخلية فإن سجلّ وليّ العهد في ما يتعلق بحقوق الإنسان يكاد يكون الأسوأ منذ تأسيس المملكة، فما زالت المملكة تعتقل العشرات من النساء المدافعات سلمياً عن حقوق المرأة السعودية، وعلى الرغم من الكثير من التقارير التي أشارت إلى سياسة التعذيب الممنهج التي تمارس ضدهن، فإن السلطات السعودية ما زالت تنكر بإصرار جميع هذه الاتهامات.

كما تواصل السلطات السعودية السعي لتنفيذ حكم الإعدام على بعض المعتقلين مثل سلمان العودة وحسن فرحان المالكي بناء على اتهامات تتعلق بالتعبير عن أفكارهم الدينية والسياسية بشكل سلمي. وهي اتهامات أقل ما يقال عنها أنها مدعاة للسخرية خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن شخصية مثل العودة تم اعتقاله على أثر تغريدة على تويتر دعا فيها إلى إصلاح ذات البين بين النظام السعودي ومن خلفه الإمارات والبحرين مع دولة قطر بعيد فرض الحصار عليها.

إن هذا النهج الخشن في إسكات الأصوات الإصلاحية التي تطالب بالتغيير السلمي لهو أمر مقلق على استقرار ومستقبل السعودية. فمن شأن إسكات الأصوات السلمية أن يفتح الباب واسعاً أمام المتطرفين والراديكاليين لكي يقولوا كلمتهم، وهؤلاء يفضلون دائماً اللجوء إلى العنف لتنفيذ أجندتهم، ولا شك أن هذا الطريق لا يأتي بخير نظراً للتجارب الكثيرة من حولنا والتي حولت دولاً مثل سوريا واليمن وليبيا إلى دولاً فاشلة، أو محطمة على أقل تقدير، جرّاء دوامة العنف والعنف المضاد التي عصفت بها.

وإذا كانت سياسة القبضة الحديدة مع المعارضة الإصلاحية، ونشطاء التغيير السلمي من شأنها أن تهز دعائم العقد المجتمعي حول حكم آل سعود، فإن سياسة العصا الغليظة ضد العائلة الحاكمة، وضد رجال الأعمال المحسوبين عليها من شأنها أن تهزّ أركان التضامن العائلي الداخلي، وهو ما يهدّد استمرار العائلة في الحكم. فتحت ذريعة مكافحة الفساد تم اعتقال العشرات من أمراء العائلة المالكة ورجال الأعمال، كان من ضمنهم الوليد بن طلال، في فندق "ريتز كارلتون" لمدة قاربت ثلاثة أشهر عام 2017، ولم يتم الإفراج عنهم إلا بعد عقد تسويات مالية إذ حصّلت الحكومة السعودية من المعتقلين مبلغاً قُدر حينها بنحو 107 مليارات.

وقد عاود ابن سلمان الكرة في مطلع عام 2020 عندما اعتقل مجموعة من أمراء العائلة المالكة الكبار من ضمنهم عمه الأمير أحمد بن عبد العزيز وولي العهد الأسبق محمد بن نايف، وذلك على خلفية ادعاءات تتعلق بتحركات داخلية للإطاحة بمحمد بن سلمان من ولاية العهد.

بعيداً عن ملف حقوق الإنسان ولكن مرتبطاً بالشأن الداخلي وتحديداً بالملف الاقتصادي فإن المملكة في عهد محمد بن سلمان بدأت تعاني بشكل كبير جراء سياسة الإنفاق الكبيرة على الحروب ومشاريع التوسع الخارجية، وسوء إدارة ملف النفط. إن حرب الأسعار التي دخلها ابن سلمان مع روسيا على أثر فشل اجتماع أوبك+ في مارس/آذار الماضي لتخفيض الإنتاج بالتزامن مع انخفاض الطلب العالمي جراء تفشي فيروس كورونا قد أودت بأسعار النفط إلى الحضيض في مشهد لم يرَ العالم مثله منذ خمسينيات القرن العشرين.

ففي فبراير/شباط الماضي، وحتى قبل أن يضرب فيروس كورونا المستجد الاقتصاد الدولي، كان صندوق النقد الدولي قد حذّر السعودية من أنها بحلول عام 2034 ستكون مدينة بشكل صافٍ لبقية العالم. هذا التوقع كان مبنيّاً على أساس أن أسعار النفط في عام 2020 ستبقى بحدود 55 دولاراً للبرميل، ولكن بما أن الأسعار هوت بشكل كبير إلى ما دون الـ30 دولاراً للبرميل حاليّاً فإن هذا التوقع قد يتحقق في وقت أقرب.

إن هبوط أسعار النفط، والسياسة النقدية المتهورة وعدم تحقيق التنوع في الاقتصاد، سيدفع السعودية إلى الاقتراض وإلى اتخاذ سياسة تقشفية ربما تكون قاسية. هذا ما أكده وزير المالية محمد الجدعان في مؤتمر صحفي مؤخراً عندما صرّح بأن المملكة بصدد اقتراض مبلغ يقدر بنحو 220 مليار ريال سعودي أي 58 مليار دولار هذا العام.

لقد كانت الأريحية المادية التي تتمتع بها السعودية بفضل مخزوناتها الهائلة من النفط عامل توازن واستقرار لها في وجه التقلبات الداخلية والتحديات الخارجية. نحن لا ننسى سياسة الإنفاق الواسعة التي انتهجها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز إبان انطلاق شرارة الربيع العربي من أجل تسكين فئات الشعب واسترضائه. قد تجد المملكة نفسها في ظل أي موجة مشابهة في المستقبل عاجزة عن اتباع ذات النهج نظراً إلى العجز المالي الذي مُنيَت به ميزانيتها، وبذلك تكون أكثر عرضة للسخط الداخلي.

وأخيراً، وعلى مستوى السياسية الخارجية، يكفي النظر إلى الحرب التي تشنّها السعودية على اليمن منذ ما يزيد على خمس سنوات، فقد وضعت هذه الحرب مصداقية الرياض أمام المجتمع الدولي على المحكّ. فحتى هذه اللحظة لم تنجح الحرب في تحقيق أهدافها، فلا هي استعادت الشرعية في اليمن ولا هي حرّرت صنعاء من مليشيا الحوثي أو على الأقلّ أضعفتهم. بل على العكس، أثبت الحوثي قدرته على نقل المعركة إلى داخل الأراضي السعودية، وما استهداف مستودعات أرامكو إلا أحد الأمثلة على ذلك.

هذا فضلاً عن الصورة التي ارتبط بهذه الحرب في ما يخصّ وضع حقوق الإنسان في اليمن. لقد أدّت الحرب إلى الآن إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين وشردت الملايين، وتسببت في أكبر مجاعة في تاريخ اليمن الحديث، وأفضت إلى جعل اليمن ساحة حرب بالوكالة أدّت في النهاية إلى تحويله إلى دولة فاشلة. وإلى الآن لم تقدّم السعودية أي خارطة طريق لإنهاء الحرب، والخروج من المستنقع اليمني الذي يبدو أنه بات مصدر استنزاف كبيراً لها.

إن نمط تكتيم الأصوات المعتدلة والتي تطالب بالتغيير السلمي من شأنه أن يقضم ما تَبقَّى من الصورة الإصلاحية التي حاول محمد بن سلمان الترويج بها لنفسه، الأمر الذي سوف يسلب منه مصداقيته. إن غياب المصداقية تجاه المجتمع المحلي أو المجتمع الدولي في ظلّ مؤشرات متواضعة للاقتصاد وحروب خارجية باهظة الثمن وفاشلة، من شأنه أن يضع استقرار المملكة على المحكّ، وهو الأمر الذي يجب أن ينتبه له عقلاء الجزيرة ويضعوا له حدّاً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي