لم أجد بُدّاً من استعمال ذات التعبير الذي استعمله أمير البيان شكيب أرسلان قبل زهاء قرن، في كتاب له شهير "لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم"، وضع العالم العربي مزرٍ، ويزداد سوءاً و إيلاماً بالنظر إلى مؤهلاته وموقعه وتاريخه.

عقب الحرب العالمية الثانية، كان العالم العربي ضمن ما سمِّي بالعملاقة الثقافية الكبرى، إلى جانب كل من الصين والهند؛ الصين والهند شقا طريقهما، والعالم العربي يترنّح، ويعشو يوماً عن يوم.

أممٌ إسلامية ترسمت سبيلها وتفرض وجودها، وتنجح في المعايير التي يجعلها الغرب مناط التقدم؛ وهي: الديمقراطية، أو اختيار الحكام من قِبل شعوبهم، والمعرفة، والاقتصاد.

العالم العربي غائب في سجلات هذه المعايير الثلاثة، لا الشعوب تختار حكامها، ولا المؤسسات التعليمية تزجي معارف عصرية من شأنها الارتقاء بالاقتصاد، أتيح لها استيعاب شبيبتها وإدماجها في سوق العمل والحياة، والتصدي للمطالب الاجتماعية لمختلف شرائحها، عدا دول بترولية تقوم، مثلما قالت صحيفة دو أكونوميست في ملف عن العالم العربي سنة 2014، على اقتصاديات ريعية، السّمة الغالبة للاقتصاد في العالم العربي هي احتكار الثروة، وعدم السماح بالتنافس الشريف والشفافية.

منذ 2002 قدّمت الأمم المتحدة تقريراً مريعاً عن واقع العالم العربي، قام به علماء أغلبهم من العالم العربي، شخّصوا أدواءه الكبرى، من سوء حكامه، وهو تعبير رشيق للتدليل على انعدام الديمقراطية، إلى اقتصاديات ريعية، إلى وضعية ثقافية فقيرة، من خلال ضعف نسبة التعليم ونوعيته، وهزال ما ينشر، وضحالة ما يُترجم، إلى أوضاع اجتماعية تنوء تحتها المرأة والأقليات ولا تسعف في إدماج الشباب.

التغيير هو التقاء مجموعة من العناصر قلما التقت في العالم العربي، وهي: وعي الجماهير، وتبصّر ذوي الرأي أو أصحاب الفكر، واستماتة القادة أو أصحاب الفعل السياسي.

حسن أوريد

كان لزاماً أن يهتزّ هذا العالم؛ واهتز، لكن منذ أن اهتز، وأزاح ديكتاتوريات وأولغارشيات، غارَ في مشاكل أكثر تعقيدا، وأخطر على نسيجه، منها صراعات الهوّية، والطائفية، بأشكال مختلفة. إذن هل يمكن للعالم العربي أن يظل في الوضع الذي عليه؟ كلاّ؛ لأن بقاء الأمور، بالشكل الذي هي عليه، معناه الانتحار.

الديناميات الشعبية مهمة، وهي تعبّر عن وعي، و هي طاقة خلاقة، ولكنها لا تكفي، فالتغيير هو التقاء مجموعة من العناصر قلما التقت في العالم العربي، وهي: وعي الجماهير، وتبصّر ذوي الرأي أو أصحاب الفكر، واستماتة القادة أو أصحاب الفعل السياسي.

لا يمكن لأيٍّ زاعم أن يزعم غياب الديناميات الشعبية أو القول إن الشعوب لا تطرح الأسئلة الحقة، أو انعدام الوعي، ولكن الغائب هو الفكر ذلك التصوّر الذي يوجه الدينامية الشعبية. لا يمكن أن ننجح إلا فيما فكرنا فيه أو تصورناه، هل العالم العربي، بالشكل الذي يبدو به في جامعة الدول العربية، وقممها، أو بعض المنظمات الإقليمية، هو الإطار الذي من شأنه رفع التحدي؟

ألا ينبغي التفكير في العالم العربي أسوة بما أقدم عليه الفيلسوف الفرنسي "إدغار موران" حينما جعل أوربا كلها موضعا للفكر؟ فوصفات كل من "ساطع الحصري"، و"مشيل عفلق" لم تعد مجدية. قد تكون رؤى "أنطون سعادة" ملائمة أكثر للواقع الراهن من خلال التنظير للوحدات الثقافية المنسجمة الأربعة: الجزيرة العربية، والهلال الخصيب، ووادي النيل، وبلاد المغرب.

الغائب في تجربة العالم العربي هو المدرسة لم ينتقل دور المدرسة من وظيفة تعليمية إلى تربوية.

حسن أوريد

فمن خلال استقراء تجارب أمم انتقلت من طور إلى طور، نجد دوماً أنها اعتمدت على مؤسسات، غالبا هي الجيش، أو حزب وحيد أو مهيمن، وعلى خيارات اقتصادية تصنيعية (أو المعامل)، وأخيراً المدرسة، أو فلنقل ثورة ثقافية.

الغائب في تجربة العالم العربي، هو المدرسة، لم ينتقل دور المدرسة من وظيفة تعليمية إلى تربوية، أي أداة لبناء مشروع مجتمعي حديث؛ و لأنها لم ترتبط بمشروع تحديثي أضحت عبئا وكلاًّ.

ومع ذلك لا يمكن الزعم أن مسألة التربية لم تحظ بالاهتمام، ولم يطرحها مفكرون أفذاذ، ولكن جهود هؤلاء كانت نفخة في رماد؛ منها ما أقدم عليه "طه حسين" في كتابه مستقبل الثقافة في مصر. وكان أيضا ما اضطلع به رجل الفكر والتربية والعمل "فاضل الجمالي" بالعراق، الذي شغل منصب وزير التربية الوطنية فوزيراً للخارجية فرئيساً للحكومة. حيث أدخل "الجمالي" نظريات "جون ديوي" في المنظومة التربوية العراقية قبل أن تطبق في الولايات المتحدة، والمؤلم أن رجلا مثل هذا، حُكم عليه بالإعدام عقب انقلاب 1958. تحوّل إلى سجن مؤبد، ثم سُمح له بالعيش في تونس، عيشة الكفاف.

في بلاد المغرب، أستشهد بشخصين طرحا قضية التربية، من منظور تحديثي لنقل المجتمعات المغاربية من طور لطور، التونسي محمود المسعدي، وكان أديباً ومسؤولاً تربوياً، يعود له الفضل فيما عرفته تونس من طفرة تعليمية وفكرية، ولو لم يكن صاحب تنظير، ثم مصطفى الأشرف، وكان من قيادي الثورة الجزائرية.

الخيارات التي أوحى به من أجل تعليم حديث في الجزائر المستقلة لم تتطابق مع الخيارات الأيديولوجية والثقافية السارية حينها، وأضاعت الجزائر فرصة تعليم عصري، شأنها شأن المغرب.

لن تستقيم الأمور في العالم العربي إلا إذ قامت الدولة وترسانتها على سيادة القانون عوض فعل الأمير والمؤسسات عوض النزوات.

حسن أوريد

من العسير جداً، في هذا الحيز رسم خطاطة للمستقبل، ولكن بالنظر إلى ما يعتمل من حراك، لا بد من تصور، والرأي قبل شجاعة الشجعان كما يقول المتنبي، والرأي في تصوري، هو عدم الخلط ما بين الدولة والنظام، ما زال هذا الخطأ مستشرياً، بل مقصوداً؛ لأن ما يُنعت بالدولة في أدبيات الخطب الرسمية، هو في الحقيقة أنظمة تدافع عن مصالحها ووجودها، ومستعدة لاستخدام القوة، ضد مناوئيها.

استعمال القوة، أو العنف، بما فيه العنف الرمزي ضد المعارضين، ومنه الكذب والاختلاق والتضليل، مؤشر على انتفاء الدولة، كيف يكونون وطنيين من هم في منظومة ولو هي آشرة؟ وكيف يُنعت من لا يشاطرونهم الرؤى بالخونة أو المُغرر بهم؟ أو يخدمون أجندات مضمرة، ولو هم من ضحّى بالغالي والنفيس من أجل بلدانهم؟

لن تستقيم الأمور في العالم العربي، إلا إذ قامت الدولة وترسانتها على سيادة القانون عوض فعل الأمير، والمؤسسات عوض النزوات، والأحكام القضائية عوض العرفية، والشعب مصدر الشرعية، أو البطل الأوحد كما حملت لافتة في مسيرات الجزائر الجمعة المنصرمة، فالبلدان ليست مِلكيات لحكام ولا ضيعات شخصية، ولا الشعوب أقناناً.

مع ضرورة الانتباه إلى التربية، أي بناء إنسان جديد وتصور مجتمعي جديد، مطابق للتجربة الكونية، أسوة بما قامت به تركيا وكوريا الجنوبية، بل الرواندا.

ومثلما يقول الشاعر الألماني نوفاليس، فحينما نحلم أننا نحلم، فساعة اليقظة قريبة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي