تباينت التقديرات حول احتمالية حضور أمير دولة قطر الشيخ تميم، القمة الخليجية التي انعقدت قبل أيام في العاصمة السعودية الرياض.

في الكويت، الدولة التي تلعب دور الوسيط في الأزمة، كان تفاؤل بحضور الأمير القطري، بينما كان الرأي العام في الدوحة أكثر قناعة بأن الأمير لن يحضر، والسبب أن مبررات حضوره لم تنضج بعد.

حضور الأمير مع استمرار الحصار: الجمع بينهما غير منطقي

قبل يوم واحد من القمة المزمعة، غادر الأمير القطري البلاد متوجاً إلى رواندا، للمشاركة في حفل توزيع جوائز لمكافحة الفساد، مما أعطى إشارة قوية حول عدم مشاركته بالقمة.

وبتقديري أن عدم مشاركة الأمير تميم آل ثاني في القمة، يأتي في ظل استمرار إجراءات الحصار المفروضة من السعودية والإمارات والبحرين.

فالأجواء مغلقة أمام الطائرات القطرية، والحدود مغلقة أمام تنقلات المواطنين القطريين، كما لم تعلن الدول الثلاث انتهاء مطالبها، فهل يعقل أن يحضر الأمير وكأن أمراً لم يكن.

المقاربة القطرية: حوار بدون شروط 

ومع بدء الأزمة، دعت دول الحصار قطر إلى تنفيذ 13 مطلباً، أهمها إغلاق قناة الجزيرة الإخبارية، وتخفيض العلاقة مع إيران، وقطع العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين.

قطر رفضت كل الشروط، وأعلنت أنه لا مساومة على سيادتها وقراراها وسياستها الخارجية، وكان الخطاب الرسمي القطري طوال سنتَي الأزمة يصر على أن الحوار مرحب به، بشرط أن يكون متكافئاً ومن دون شروط مسبقة.

قطر حريصة على إنهاء الحصار، لكنها ليست متعبة منه كما الطرف الآخر، لذلك يرى القطريون أنهم غير مضطرين إلى تقديم تنازلات مؤلمة لا تعالج "التنمر المحتمل" لدول الحصار.

من هنا أيضاً يمكن فهم عدم حضور أمير قطر للقمة المنعقدة في إحدى دول الحصار "السعودية" فحضوره مع استمرار الإجراءات الحصارية يعني أنه قبِل الحوار وفق شروط المحاصرين لبلده.

المصالحة تحتاج إلى حدث استثنائي

بتقديري إن الرؤية القطرية تقوم على أن قمة الثلاثاء الماضي، لن تكون "استثنائية" لإحداث مصالحة، والسبب أنه لم يسبقها كثير من التطورات، حتى تكون مختلفة بشكل حقيقي.

ويذكر أنه لا توجد إجراءات حقيقية لإنهاء الأزمة وتحقيق المصالحة، من قبيل رفع الإجراءات عن قطر، سواء فتح الأجواء أمام الطائرات أو حركة المسافرين والبضائع التي تعبر إلى قطر. أي إجراءات حسن نية.

ما جرى فقط كان سماح دول الحصار لفرقها الرياضية بالمشاركة في بطولة كأس الخليج الرابعة والعشرين في الدوحة، وعلى الرغم من قيمة الخطوة، فإنها لم ترقً –وفق وجهة النظر القطرية- إلى مستوى الإجراء الاستثنائي.

المقاربة والقناعة المنطقية تقول إن المصالحة تحتاج إلى حدث وقمة خاصة استثنائية، كما أن مكانها يجب أن يكون ذا دلالة، وأتوقع أن القطريين مقتنعين بتلك المعادلة بما أسفر عن غياب الأمير.

هل نضجت اشتراطات المصالحة؟

هذا سؤال مهم، بمعنى هل الحوارات الجارية والوساطات المنعقدة تمكنت من تحقيق اختراقات وازنة يمكن من خلالها الحديث عن مصالحة حقيقية إجرائية بعيداً عن أجواء التفاؤل.

فعلى الرغم من غياب أمير قطر عن المشاركة في القمة الخليجية للمرة الثانية عن التوالي، فإنه رفع مستوى تمثيل بلاده فيها عبر تكليف رئيس الوزراء عبد الله بن ناصر بن خليفة آل ثاني بقيادة وفد بلاده مقارنة بقمة العام الماضي، إذ ترأس وفد الدوحة آنذاك، وزير الدولة للشؤون الخارجية سلطان المريخي.

عبد الله بن ناصر بن خليفة آل ثاني رئيس الوزراء القطري، يحضر جلسة قمة مجلس التعاون الخليجي التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض في 10 ديسمبر/كانون الأول 2019
عبد الله بن ناصر بن خليفة آل ثاني رئيس الوزراء القطري، يحضر جلسة قمة مجلس التعاون الخليجي التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض في 10 ديسمبر/كانون الأول 2019 (AFP)

هذا يدل على أن حوارات وأجواء تتطور، لكنها نضجت وفق الرؤية القطرية إلى مستوى لا يرقى معه اشتباك الرجل الأول في الدولة القطرية معه، وهنا كان القرار بالغياب عن القمة.

كما كان من الملاحظ أن حضور الأمير القطري سيقدم تنازلاً مجانياً في المفاوضات الجارية في الخفاء، ولعل السياسة القطرية تملك من الحنكة ما يجعلها مؤهلة لفهم كل تلك المعطيات.

مصر والإمارات في وادٍ والسعودية في وادٍ آخر

من جهة أخرى، تبدو ملاحظة هامة تلك التي تتحدث عن أن الإمارات ومصر غير راغبتين في المصالحة على الطريقة السعودية، وهذا يعني وجود حالة عدم حسم لدى دول الحصار في رسم معالم المصالحة واشتراطاتها.

المفاوضات الجارية هي الأقدر عند القطريين لمعرفة كيفية "الحسم السعودي" للمصالحة، فما هو كائن في الغرف المغلقة يعطي إشارات أوضح لقيمة وفاعلية حضور الأمير من عدمه.

وتبدو مجسات الاستشعار القطرية قد قرأت وجود عدم توافق ووجود فوارق في المواقف من المصالحة بين دول الحصار، وهذا يفسر القرار القطري من عدم حضور الأمير ولو من زاوية جانبية.

السبب الأهم: الأمير يمثل شعباً محاصراً

بتقديري، إن السبب الأهم والعامل الأثقل في غياب الأمير القطري عن قمة الرياض الأخيرة يكمن في التفاتته نحو شعبه المحاصر منذ سنتين ونصف.

لا يعقل أن يشارك الأمير في قمة تُعقد في عاصمة تحاصر شعبه، تلك مفارقة لا يمكن تجاوزها وطنياً وقيمياً، فالخلاف في الأساس سياسي، وجرت معاقبة الشعب القطري لأجله، فالمنطق يقول يجب على الأمير أن ينحاز إلى شعبه.

من هنا أيضاً نفهم أن الاتجاه العام لدى الشعب القطري قبل القمة كان متجهاً نحو الرغبة "في عدم حضور الأمير" فالحصار يجب أن يُرفع أولاً ثم تأتي مقاربة "عناق الخشوم".

في الختام، غياب الأمير عن قمة الرياض لا يعني انتهاء أجواء المصالحة أو انتكاسة الجهود، فيوجد "تفهُّم" لذلك الغياب على الرغم من بعض الانتقادات القادمة من الإمارات والبحرين.

ولعل تلك الانتقادات ستتزايد إذا ما حضر الأمير القطري "قمة كوالالمبور" الإسلامية، لكن على الرغم من ذلك توجد أطراف متعَبة من الأزمة، وأقصد الرياض التي تريد إنزال كيس الملح عن كاهلها.

قادم الأيام، ستتبدى فيه الكثير، وأتوقع أن التباطؤ سيكون سيد الموقف، ومع ذلك كل الأزمات لها نهايات، والأهم أن نراقب التموضع القادم للخليج العربي المزدحم بالتحديات.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي