تصاعدت الكثير من الدعوات إلى ضرورة تنحي زوكربيرغ بعد العديد من الفضائح التي منيت بها فيسبوك. الحل لا يكمن برحيل مؤسس فيسبوك عن مجلس إدارة الشركة بل بإعادة النظر بسياسة إدارتها تجاه زيادة مشاركة المستخدمين بآلية صنع القرار.

بعد أن وصل عدد مستخدميها إلى أكثر من مليارَي مشترك، هل يمكن أن نعتبر فيسبوك شركة خاصة يتم اتخاذ القرار فيها ضمن مجلس إدارتها الذي يسيطر عليه مارك زوكربيرغ؟ إذا اعتبرنا هؤلاء المشتركين هم مواطنين فيسبوكيين -إذا صحت العبارة- فإن عدد مواطني منصة فيسبوك الرقمية يفوق عدد مواطني أكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم وهي الصين.

والمفارقة هنا أن هؤلاء المواطنين الرقميين في فيسبوك لا يشاركون إلا قليلاً في صنع القرار المتعلق بالمنصبة التي يمضون عليها الكثير من أوقاتهم وتؤثر في حياتهم بشكل مباشر سواء على الصعيد الشخصي أو على صعيد أعمالهم أو مشاركتهم السياسية وحتى على صعيد أمنهم، وهو ما يتعارض مع المبادئ والأفكار الديمقراطية التي تحاول فيسبوك الترويج لها!

لقد تم البحث كثيراً في السنوات القليلة الماضية حول دور منصات التواصل الاجتماعي وخصوصاً فيسبوك في دعم التحول الديمقراطي، وتعزيز حرية التعبير، ومقاومة الاستبداد، كما تم الكتابة طويلاً بطريقة مغايرة عن دورها في نشر خطاب الكراهية وتسهيل حملات التضليل التي أثرت بشكل مباشر على العملية الديمقراطية في العديد من الدول أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية عام 2016.

هذه الجوانب مهمة، وما زالت حتى الآن تشغل الرأي العامّ العالمي. ولكن ماذا عن جانب آخر لا يقل أهمية، وهو المتعلق بتعزيز المشاركة الديمقراطية لمستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في اتخاذ القرار بخصوص إدارة هذه المنصات وحوكمتها.

إن آلية اتخاذ القرار داخل إدارة مجالس هذه المنصات ليست ديمقراطية. وبالنظر إلى أن هذه المنصات باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، وتؤثر بشكل مباشر على أمننا الشخصي والمجتمعي على حد سواء، فإن الحق في المشاركة في اتخاذ القرار، ورسم سياسات هذه المنصات يُعتبر من الحقوق الأساسية التي يجب أن تُكفل لجميع المستخدمين. وعليه فإن مجالس إدارة هذه المنصات يجب أن تكون منتخبة.

بعد الفضائح التي مُنيت بها شبكة فيسبوك مؤخراً والتي تمتد من التدخل الروسي بالانتخابات الأمريكية والتلاعب بآراء الناخبين، إلى فضيحة كامبريدج أناليتيكا وتسريب البيانات الشخصية إلى القصور في التصدي لخطاب الكراهية خصوصاً في أثناء مجزرة المسجدين في نيوزيلاندا، تصاعدت الدعوات إلى ضرورة أن يتنحى زوكربيرغ عن منصبه.

والفكرة هنا برأيي لا تكمن باستبدال شخص مكان شخص آخر. هل ستفرق كثيراً لدى المستخدمين إذا رحل زوكربيرغ الذي يحتلّ منصبَي رئيس الشركة ورئيس مجلس إدارتها والإتيان بآخر مثل شيريل كارا ساندبرغ التي تشغل منصب مدير العمليات في الشركة، على سبيل المثال؟

الأمر لا يتعلق بالأشخاص بقدر تعلقه بآلية صنع القرار وسياسة الشفافية والمحاسبة التي تعتمدها شركة فيسبوك وأخواتها من شركات تكنولوجيا المعلومات. إن حجم المسؤولية التي تضطلع بها منصات التواصل الاجتماعي يحتّم عليها، وعلينا أيضًا كناشطين مجتمع مدني أن نصوغ عقداً اجتماعيّاً-رقميّاً جديداً يصل بنا إلى أرضية مشتركة نصون فيها حقوقنا ونحفظ خصوصيتنا، في الوقت الذي يحقق فيه لهذه الشركات المنفعة التي تسعى إليها، وهي التي أصبحت للأسف مرتكزة على الربح المالي وزيادة العوائد.

لا أقول هذا الأمر من فراغ، فكثير من الأمثلة تدلل على المدى الذي قد تشكله القرارات غير الديمقراطية في فيسبوك على حياتنا. فلنأخذ مثلا كيف أثر التغيير المفاجئ في سياسة الخصوصية لدى فيسبوك عام 2009 على حياة آلاف من المحتجين في إيران الذي خرجوا ضد التزوير الذي شاب الانتخابات الرئاسية الإيرانية وهو ما عُرف حينها "بالحركة الخضراء".

اندلعت الاحتجاجات في إيران ضد إعادة انتخاب الرئيس السابق أحمدي نجاد في حزيران/يونيو 2009. وقد خرج عشرات الآلاف من مؤيدي المعارضة إلى الشوارع معبرين عن رفضهم لهذه الانتخابات. وقتها سارعت فيسبوك بالتعاون مع ناشطين إيرانيين إلى إتاحة استخدام منصة فيسبوك باللغة الفارسية، وهو ما اعتُبر انتصاراً للمتظاهرين الذين سارعوا إلى استثمار هذه الأداة بخصائصها التشبيكية العالية للتجمع وسرعة الاحتجاج.

ولكن بعد ذلك بوقت قصير، وبشكل مفاجئ جدّاً أقدمت فيسبوك على إحداث تغيير جوهري في سياسة الخصوصية التي كانت متبعة، ففي التاسع من ديسمبر/كانون الثاني 2009 تفاجأ مستخدمي فسبوك برسالة تنبههم بأن تحديثاً قد حصل على شروط الخصوصية. فحتى ذلك الحين كان المستخدمون قادرين على إخفاء قائمة الأصدقاء لديهم، وجعلها محجوبة عن الجميع بمن فيهم الأصدقاء المشتركون.

ولكن بين عشية وضحاها، تم إلغاء هذه الخاصية، وأصبحت بذلك قائمة الأصدقاء متاحة بشكل عام للجميع. ليس هذا وحسب بل وأصبحت أيضا صورة البروفايل متاحة بشكل عام، والاسم، والجنس، ومكان السكن، ونوع العمل، والمجموعات التي ينتسب إليها المستخدم.

انتشرت موجة من الصدمة بين المتظاهرين الإيرانيين، ففي ظل المقاربة الأمنية الخشية التي تبناها النظام ضدهم، أصبحوا الآن معرَّضين أكثر من ذي قبل لآلة بطش أجهزته الأمنية عندما أصبح متاحاً لهم معرفة معلوماتهم الشخصية على حساباتهم في فيسبوك.

سارع آلالف من المتظاهرين فوراً إلى إلغاء حساباتهم على المنصة، وانتشرت موجة احتجاجات واسعة على فيسبوك تطالب القائمين عليها بإرجاع سياسة الخصوصية إلى سالف عهدها. كانت التعديلات الجديدة لسياسة الخصوصية نابعة من قناعة زوكربيرغ بأن الانفتاحية والشفافية بين أصدقاء فيسبوك تصب في فلسفة المنصة المبنية على التعارف والمشاركة.

على الرغم من أن فيسبوك أعادت مباشرة تقييم سياسة الخصوصية لديها، وأعادت خاصية إخفاء قائمة الأصدقاء، لكن ضررا لا يمكن تلافيه قد وقع وكانت تكلفة هذه السياسة باهظة الثمن على المتظاهرين على الأرض.

لا أحد في مأمن من التعرض لمثل هذا الموقف لاحقاً، إن ما حدث مرة يمكن أن يتكرر مرة أخرى. والبحث عن استبدال مستر مارك بغيره لا يجدي نفعاً، نحن نحتاج إلى مقاربة أخرى، يمتلك المستخدم فيها حقه في صناعة القرارات التي ترتبط مباشره بخصوصيته وأمنه وسلامته الشخصية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي