تسببت الحملة الأمنية التي يقودها وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ضد المعارضين -وأفراد عائلته- في تصعيب الأمر على المراقبين في أن يصدقوا النسخة السعودية من رواية اختفاء الصحفي جمال خاشقجي. فهل يمتلك السعوديون دليلاً على روايتهم؟

صارت قيادة وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان محلَّ تركيزٍ شديد؛ بسبب اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي كان مستشاراً لآل سعود في مرحلةٍ سابقة. بالرغم من أن كثيراً من الصحف الغربية والدوائر السياسية امتدحوا الإصلاحات والبدايات الجريئة التي قام بها وليّ العهد، فإن كثيراً من الشخصيات السعودية البارزة أُسكِتَت بكل بساطة أو أُجبِرَت على الانسحاب من المشهد.

وبينما لا يوجد دليلٌ قاطعٌ حتى الآن يشير إلى أن السعوديين أصدروا أوامر تقضي بإخفاء جمال خاشقجي أو اغتياله المزعوم، تشير جميع أصابع الاتهام إلى الرياض وإلى وليّ العهد نفسه.

أصدر المُحقِّقون الأتراك فيديوهات وصوراً وبيانات وأدلة أخرى تفيد بتورُّط السعوديين.

يقول الأمير خالد بن سلمان، شقيق محمد بن سلمان -الذي يصف نفسه بأنه صديق خاشقجي- إن الادعاءات الصادرة ضد السعودية "خاطئة تماماً، ولا تستند إلى أيِّ أساس".

فلماذا لا يعتزم العالم منح السعوديين ميزة الشكوك؟ يبدو أن الحكم قد صَدَرَ بالفعل؛ وبعيداً عمَّا قالته مصادر أمنية تركية مجهولة، لم يصدر أيُّ استنتاجٍ رسمي أو أدلةٌ تؤدي إلى الزعم القائل بتورُّط السعوديين. بيد أن المشكلة التي تواجهها المملكة السعودية تكمن في أن رصيدها على المسرح الدولي لم يعد كبيراً.

أمير في مواجهة أمير

قبل الخوض في فورية اختفاء جمال خاشقجي، يكمن أحد الأسباب الرئيسة وراء تشكُّك العالم في الاستجابة الأولية لوليّ العهد في سلسلة الاعتقالات والاختفاءات التي تعرَّض لها منافسو محمد بن سلمان على السلطة.

منذ صعود وليّ العهد الحالي إلى هذا المنصب، شهدت المملكة اعتقال عديد من أبناء عائلة آل سعود البارزين، مثل الأمير وليد بن طلال، ووفاةً غامضةً لابن الأمير مقرن، رئيس الاستخبارات السعودية السابق، والإقامة الجبرية للرجل الذي استبدل به محمد سلمان في منصب وليّ العهد، الأمير محمد بن نايف.

استُبدِلَ خصمٌ آخر لمحمد بن سلمان، وهو الأمير متعب بن عبد الله، الذي اعتُبر من الشخصيات المحتملة لقيادة المملكة، وذلك بعد أن أُقيل من رئاسة الحرس الوطني ووُضِعَ ضمن قائمةٍ ضمت شخصيات ذات نفوذٍ اتُهِمَت بالفساد.

لم يكن وجود الفساد بين العائلة محل شك على الإطلاق، ولم يُنظَر كذلك إلى حملة التطهير ضد الفساد على أنها مضرة باستقرار المملكة. وفي واقع الأمر كان الأمر أبعد من هذا؛ إذ إن حملة مكافحة الفساد اعتُبِرَت أمراً ضرورياً. بيد أن الإسراف الفاحش لوليّ العهد نفسه، في الوقت الذي تواجه فيه السعودية حالة تقشُّفٍ، يأتي على عكس الإعلان العام بملاحقة الأمراء الفاسدين.

ليس من المصادفة أن يأتي الاختفاء المفاجئ والاعتقالات المشهودة لثلاثة من أكثر الأمراء نفوذاً في جيلهم على غير صلةٍ بالفساد. وفي الوقت ذاته، أبدى أمراء بارزون في العائلة المالكة، بمن فيهم شقيق الملك الحالي، معارضةً لما يحدث الآن في المملكة، ومدى خطورة تعرُّض العائلة للانقسام بسبب محمد بن سلمان.

في العام الماضي، أعدَّت شبكة BBC البريطانية فيلماً وثائقياً استقصائياً عن حالات اختفاء أمراء سعوديين حاولوا تحدي الأصوات ذات النفوذ في الرياض. وكانت شبكة NBC الأميركية قد أفادت أن وليّ العهد أخضع والدته أيضاً لرقابةٍ مستمرة بعيداً عن والده، حتى لا يتعرَّض عمله لانتقاداتٍ شديدة. وفي ظلِّ كلِّ هذه الاضطرابات وحالات قتل وإخفاء أمراء من بيت آل سعود، لا يتطلَّب الأمر من المؤسسة الحاكمة في الرياض الكثير حتى تتعقَّب أولئك السعوديين الذين لا ينتمون حتى للعائلة الحاكمة.

سحق المعارضة وقضية خاشقجي

بعيداً عن الأمور المُتعلِّقة بعائلة الأمير محمد بن سلمان، فإن سحق وليّ العهد للمعارضة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو دينية، أمرٌ مُوثَّق جيداً.

تعرَّض طيفٌ واسع من السعوديين، خلال العام الماضي وحده، للاعتقال أو الإخفاء، أو أُجبروا على عَكسِ مواقفهم. وهذا ما يجعل العالم يطرح تساؤلاتٍ حول الفجوات الكامنة في الرواية السعودية لما حدث.

تكشف السلطات التركية، تقريباً على مدار الساعة، حقائق جديدة حول مسار خاشقجي وفرقة الاغتيال المزعومة التي دخلت إسطنبول لمدة تقل عن 48 ساعة.

لم يكن خاشقجي معارضاً أو صحفياً عادياً، بل كان رجلاً في القلبِ من شؤون المملكة، على الأقل منذ الثمانينيات. كان في أحيانٍ كثيرة مستشاراً لرئيس جهاز الاستخبارات، وكذلك لسفراءٍ ووزراء إعلام، وعديدٍ من الأمراء المليارديرات الذين طلبوا نصيحته في شؤونٍ دولية.

كان خاشقجي في صدارة السياسة الخارجية السعودية خلال الحرب الباردة والمقاومة الأفغانية المدعومة من المملكة السعودية ضد الاتحاد السوفيتي. ولقد عرف أسرار الدولة ولم يكشف أياً منها ضد حلفائه ومُوظِّفيه السابقين.

لم تكن شكاواه ضد وليّ العهد شخصية، بل جادَلَ بها حول أيِّ اتجاه على المملكة أن تسلكه. لم يكن خاشقجي على خطأ -بالفعل انتقد الأمراء البارزون أنفسهم الطريق المحفوف بالمخاطر الذي يأخذ الأمير محمد بن سلمان المملكة فيه.

الحرب الكارثية في اليمن، والحصار المفروض على قطر، والنزاع غير الدبلوماسي مع ألمانيا وكندا، واختطاف رئيس الوزراء اللبناني -كلُّ ذلك جَعَلَ العالم يتساءل كيف ستُنجِز المملكة الوعود التي لطالما تُروِّج لها بالإصلاح والانفتاح والشفافية.

لا عجب أن العالم لا يُصدِّق الرواية السعودية لما حدث. في الحقيقة، يجب أن يكون من الخطأ أن يُلقَى اللوم على المملكة السعودية نفسها، فلقد عارَضَ الأعضاء البارزون في بيت آل سعود الاعتقالات القسرية وعمليات الإخفاء، أياً كان من يتعرَّض لها.

إذا كانت العائلة الحاكمة نفسها لا تُصدِّق وليّ العهد، ما أمل أن يُصدِّق بقية العالم الرواية القائلة بأن السعوديين قلقون على اختفاء خاشقجي؟

الاتجاه المظلم للمملكة السعودية لا يزال مستمراً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأيكتّابها ولا تعبربالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي