اختتم في العاصمة الألمانية برلين مساء يوم الأحد مؤتمر دولي حول الأزمة الليبي بمشاركة 12 دولة و4 منظمات دولية وإقليمية وذلك لوضع حد للنزاع الدائر في البلاد على إثر العمليات العسكرية التي يشنها حفتر ضد الحكومة الشرعية في العاصمة طرابلس.

رغم الحضور عالي المستوى الذي شهده مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية، إلا أن نتائج هذا المؤتمر كانت متواضعة. فيما لم يستطع الزخم السياسي الذي رافق المؤتمر والتحضيرات التي تجاوزت خمسة أشهر تجاوزَ العقبات الرئيسية أمام إحداث اختراق لبعث الأمل في الحل السياسي للأزمة الليبية، وأهمها استعداد أطراف النزاع، وتحديداً خليفة حفتر وداعميه من خلفه، للقبول بحلٍ سياسي يُمهّد له عبر وقفٍ لإطلاق النار.

جاءت نتائج المؤتمر إشارات عامة تكاد تكون نسخة من نتائج المؤتمرات السابقة في الدعوة لضرورة الالتزام بالحل السياسي، وحظر توريد السلاح، وضرورة تجنب تأجيج النزاع والتدخل في الأزمة الليبية. فيما تم ترحيل الحديث عن وقف إطلاق النار للجنة يتم تشكيلها لاحقاً من عشرة عسكريين، خمسة عن كل طرف. فضلاً عن أن المؤتمر لم يشر إلى ضرورة انسحاب الأطراف المتحاربة (حفتر تحديداً) إلى مواقعه قبل الهجوم الأخير على طرابلس والمستمر منذ أكثر من تسعة أشهر.

ولعل السبب الرئيسي في تواضع نتائج المؤتمر هو أن ما اصطُلح على تسميته "مسار برلين" قام على فرضية خاطئة مفادها أن حفتر وداعميه مستعدون لقبول الحل السياسي بعد أن فشلوا في تطبيق حلهم العسكري ميدانياً. حيث إنه في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، أي بعد خمسة أشهر من انطلاق عملية حفتر العسكرية للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس (في شهر أبريل/نيسان)، قدمت ألمانيا مبادرة بالتوافق مع البعثة الأممية لليبيا لعقد مؤتمر في برلين بهدف إعادة العربة من جديد لسكة الحل السياسي، في الوقت الذي بدا فيه حفتر متعثراً في مسيره نحو طرابلس.

إلا أن هذه الفرضية كانت خاطئة، في ظل إصرار معسكر خليفة حفتر وداعميه على تبنّي حلٍ واحدٍ لا بديل عنه، وهو الحل العسكري، ضاربين بعرض الحائط أي مبادرات للحل السياسي. كما أن هذا المعسكر أثبت أنه مستعد للذهاب لأبعد مدى في محاولة تطبيق هذا "الحل".

فقد استعان حفتر بالمرتزقة التشاديين والسودانيين لتغطية العجز الذي كان يعاني منه في الموارد البشرية كنتيجة لضعف قدراته في الحشد. كما أن ما أعطى دفعة مهمة لحل حفتر العسكري عبر تعزيز ميزان القوى الميدانية لصالحه هو دخول المرتزقة الروس تحت لافتة شركة "فاغنر" للمقاولات العسكرية في منتصف شهر أيلول/سبتمبر على خط المواجهة. حيث لعب مقاتلو فاغنر الذين تجاوز عددهم الألف دوراً مهماً في تقدم مليشيات حفتر في محاور طرابلس.

التصور المبدئي للمؤتمر، الذي أعلن عنه بداية من قبل السفير الألماني في ليبيا في 11 أيلول/سبتمبر 2019، ركز على ضرورة التشديد على "الالتزام بقرار الأمم المتحدة بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا"، والعمل على إعادة إحياء العملية السياسية تحت مظلة الأمم المتحدة. إلا أن كلاً من فرنسا ومصر والإمارات العربية المتحدة دفعوا باتجاه توسعة أجندة المؤتمر، وإضافة نقاط من قبيل إعادة تشكيل مجلس أمناء مصرف ليبيا المركزي. هذا بالتوازي مع تعالي مطالبات مدعومة من مصر تحديداً بضرورة "إعادة توزيع الثروات"، فضلاً عن مطالب تقاسم السلطة.

ورغم العقبات التي بدت أنها تواجه المؤتمر منذ تحضيراته الأولية، إلا أن ألمانيا، التي تسعى للعب دور أكثر فاعلية على الساحة الدولية بذلت جهوداً واضحة للدفع باتجاه إنجاح المؤتمر. فالملف الليبي مثّل فرصة مهمة لألمانيا لإثبات الحضور السياسي، خاصة في ظل محاولة فرنسا احتكار الموقف الأوروبي وتوجيهه بما يتوافق مع مصالحها المتمثلة في دعم خليفة حفتر.

محاولات ألمانيا في تحريك الملف الليبي لقيت دعماً منذ البداية من قبل إيطاليا، التي كانت تقف على النقيض من فرنسا في المسألة الليبية لوقتٍ قريب. المساعي الألمانية لإنجاح هذا المؤتمر جاءت من أعلى المستويات الحكومية. حيث زار وزير الخارجية الألماني هايكو ماس ليبيا في 27 أكتوبر/نوفمبر قادماً من تركيا، في زيارة لم يكن قد أعلن عنها سابقاً. ومن ثم توجه لكلٍّ من تونس والقاهرة لاستكمال الترتيبات للمؤتمر.


وفي السياق ذاته قام السفير الألماني في طرابلس بزيارة مدينة طبرق في الشرق الليبي الخاضعة لسيطرة حفتر. فيما شهدت العاصمة الألمانية برلين العديد من الاجتماعات الدولية حول ليبيا خلال شهري سبتمبر وتشرين الأول في سياق التحضيرات للمؤتمر.

المساعي الألمانية لقيت ترحيباً ودعماً من قبل الطرف التركي، في ظل تعنت من قبل الإمارات العربية المتحدة، التي تحدثت بعض الأوساط الدبلوماسية عن معارضتها للمؤتمر في الفترات التحضيرية الأولى. هذا المسار المتعثر في التحضير للمؤتمر ترافق مع غياب واضح للثقل الأمريكي في الملف الليبي، حتى بُعيد التدخل الروسي. وكذلك في ظل انقسام شديد في المنظومة الأوروبية التي تعاني من غياب السياسة الأمنية الخارجية المشتركة تجاه الأزمة الليبية. الأمر الذي صعّب المهمة على الدبلوماسية الألمانية التي تفتقر لأدوات الضغط والمساومة في الملف الليبي. التعثر الألماني في عقد المؤتمر تجلى في التأجيل المستمر لتاريخ عقد المؤتمر.

إلا أن حدثاً مهماً في الأسابيع الأخيرة حرك المياه الدبلوماسية الراكدة وسلط الأضواء من جديد على المؤتمر وتمثل في التدخل التركي المباشر في الأزمة الليبية. فقد خلط توقيع مذكرتي التفاهم حول ترسيم الحدود البحرية وتعزيز التعاون الأمني بين أنقرة وطرابلس في أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر الأوراق في المسألة الليبية كما في شرق المتوسط. خاصة مع بدء أنقرة بتطبيق استحقاقات مذكرة التفاهم الأمني عبر الحديث عن البدء بإرسال مستشارين ومعدات عسكرية إلى طرابلس ما قد يساهم في تعزيز حكومة طرابلس وتعديل ميزان القوى الميداني على الجبهات.

هذا التحرك التركي المتقدم في الملف الليبي تلاه تقارب تركي-روسي في موسكو لإيجاد صيغة لإدارة الأزمة عبر السعي لإعلان عن وقفٍ لإطلاق النار، في "بروفا" أولية لمؤتمر برلين. كما كان من المفترض أن يُبنى على نتائج موسكو في برلين. إلا أن هذه المساعي اصطدمت بتعنت حفتر والتي بدأت من خلال مغادرة موسكو دون التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار. وهذا ما أثار تساؤلات حول مدى فاعلية التنسيق التركي-الروسي لوضع حد للأزمة الليبية.

تواضع نتائج مؤتمر برلين ربما يعني أن الكلمة من جديد ستعود للميدان، الذي استمرت فيه الاشتباكات متفرقة في الوقت الذي كانت فيه الأطراف الدولية مجتمعةً في برلين. الاحتكام للميدان يعني بالضرورة تقديم الحل العسكري على السياسي، الأمر الذي يفضله حفتر وداعميه في ظل موازين القوى الحالية التي تضمن له اليد العليا.

ما لم يحدث تغير في التوازنات الدولية من خلال دخول الولايات المتحدة الأمريكية على خط الأزمة لموازنة روسيا، الأمر الذي يبدو مستبعداً في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، هذا فضلاً عن دخول قوى إقليمية وازنة مثل الجزائر، فإن الساحة الليبية ستشهد تصعيداً ميدانياً في الفترة القادمة، ما يمثل تحدياً حقيقياً لتركيا التي ربطت استراتيجيتها في شرق المتوسط بمصير حكومة طرابلس. هذا التصعيد الميداني قد يتجلى على شكل حرب استنزاف على أسوار طرابلس وحرب شوارع في أحيائها، ما سيترك جروحاً عميقة وتبعات مجتمعية قد تطال دول الجوار على ضفتي المتوسط.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي