أعلن رئيس الوزراء التونسي المكلف الحبيب الجملي الخميس، عن تشكيلة حكومته التي تضم 28 وزيراً من بينهم أربع نساء. وقد جاءت الحكومة غالباً من الكفاءات. وسيجري التصويت عليها لاحقاً في البرلمان حسب ما ينص عليه الدستور التونسي.

جاءت حكومة رئيس الوزراء المكلف حبيب الجملي مكونة في مجملها من كفاءات تكنوقراط. وهو ما فتح الباب واسعاً على جملة من التساؤلات الجوهرية التي تخفي وراءها الكثير من القلق والتوجس.

هل جاءت الأسماء المكوِّنة للحكومة التونسية الجديدة متّسقة مع انتظارات التونسيين ومستجيبة لأحلامهم المؤجلة في إمكانات الرفاه والتنمية العادلة؟

وهل يمكن أن يباشر هذا الفريق الحكومي العمل بالسرعة والنجاعة اللازمتين من أجل إنجاز ما يمكن إنجازه من ملفات طال انتظارها؟

وكيف ستتعاطى هذه التشكيلة الحكومية التي أصر رئيسها على أنها "خالية من السياسة"، محاولاً تأكيد أنها من الكفاءات المحايدة التي لا انتماءات سياسية لها، مع القضايا الكبرى التي يعيشها هذا البلد ولا يمكن مقاربتها بمنأى عن الفعل السياسي؟

وهل نجح الجملي في أن يجمّع "الكفاءات" التي تحتاج إليها تونس في اللحظة الراهنة؟ ثم لماذا يتنكر للحزب الذي منحه هذه المكانة وكلفه بتشكيل الحكومة؟

وكيف يمكن استجلاء مفهوم الكفاءة المبهم؟ هل هي كفاءة أكاديمية علمية؟ أم مهنية؟ أم مهارات وخبرات في فن الإدارة والتسيير؟

هذه الأسئلة الملحّة مطروحة الآن في تونس وهي تثير سجالاً بدأ ولم ينتهِ وذلك اعتماداً على الانطباعات الأولى التي يتمثّلها المتابع للشأن السياسي بخصوص الفريق الحكومي الجديد.

فمن الملاحظ أنه وتحت ضغط الإكراهات الكبرى انساقت حركة النهضة إلى خيار عُدّ من قبيل "البدعة" كما وصفه بعض الملاحظين والمتابعين للشأن السياسي، وهو القبول على مضض بحكومة كفاءات غير متحزبة، كما أعلن عن ذلك الحبيب الجملي المكلف من قِبل الحركة.

إذن على امتداد أسابيع عاش التونسيون حالة ترقب حذِر وهم ينتظرون بنفاد صبر الإعلان عن الفريق الحكومي الجديد الذي عهد إلى السيد الحبيب الجملي بتشكيله من قِبل الحزب الأول في الانتخابات ونعني حركة النهضة.

فمنذ أن باحت الانتخابات التونسية الرئاسية والتشريعية بأسرارها والمشهد التونسي يعيش مخاضاً عسيراً، تجلى في دينامية لافتة عاش على وقعها التونسيون في ظل توترات اجتماعية واحتقان ومشاكل تنموية وأزمة اقتصادية خانقة طال أمدها.

وإذا كان الحبيب الجملي لم يكلَّف على قاعدة الاستقلالية وهو مرشح حركة النهضة، وجاء على قاعدة تصويت داخلي في مجلس الشوري وهو مكلف من قبل هذه الحركة، فلماذا مع ذلك يصر على الكفاءات المستقلة؟

كانت هذه أولى الملاحظات التي استوقفتنا منذ أن أعلن رئيس الحكومة المكلف عن "هوية" فريقه الحكومي قبل أن يميط اللثام عن التسميات بشكل رسمي مؤخراً. وعلى الرغم من عودة بعض الوزراء الذين برزوا في حكومة الترويكا الأولى على غرار النقل والرياضة والتجارة فإن الحبيب يصر على غياب الانتماءات السياسية لوزرائه.

في هذا الإطار يرى خصوم النهضة وجود مخاتلة ما حدثت. فهم يعتقدون أن هذه التركيبة الحكومية هي بـ"مذاق نهضاوي" وهم يشككون في منطلق هذه الحكومة الجديدة وهويتها السياسية. ويرون وجود أسماء لها ولاء واضح لحركة النهضة، ولائتلاف الكرامة ولقلب تونس.

والآن تجد النهضة نفسها خاضعة مرة أخرى لإكراهات اللحظة السياسية الساخنة للتنسيق مع قلب تونس بدرجة أولى من أجل التصويت على الحكومة لنيل الثقة في البرلمان.

وفي سياق متصل من الواضح أن تبايناً داخل الحزب الأول بشأن هذه الحكومة. ولكن الثابت أن هذه الحكومة تأتي في إطار سياق دولي متوتر وفي ظل ارتباك داخلي لا تخطئه العين، وكان أغلبية الفاعلين السياسيين والنخب وحتى عموم الشعب التونسي يطمحون إلى حكومة سياسية ذات رؤية واضحة.

فتونس تحتاج اليوم وهي تمضي قدماً في ترسيخ تجربتها الديمقراطية إلى حكومة سياسية قوية واضحة التصورات والرؤى ويدعمها حزام سياسي واضح المعالم ولا لبس فيه لتتحمل مسؤوليتها كاملة.

وعلى الرغم من ما تقوله الأحزاب التي اتخذت تموقعها في المعارضة على غرار حركة الشعب والتيار الديمقراطي وتحيا تونس التي تؤكد أن الحكومة الحالية نهضاوية في مجملها مطعمة بقلب تونس وائتلاف الكرامة، فإن هذه الأطراف السياسية لم تعلن حتى اللحظة تأكيداً بهذا الخصوص ولا يزال الجملي يؤكد الاستقلالية والنزاهة والكفاءات غير المتحزبة.

والملاحظ أن العدد الكبير لأعضاء الحكومة وبخاصة كتاب الدولة، وهو ما لا تحتاجه تونس في الوقت الراهن، جاء فقط لمحاولة ترضية أطراف سياسية بعينها.

وقد اعتمد الحبيب الجملي على منطق إداري صرف في اختياره لأغلب الوزراء ولذلك راهن على الإداريين الذين يمكن القول إنه جرت ترقيتهم ليصبحوا وزراء، وهذا يتناقض مع سمة "الإنجاز" التي وسم بها حكومته منذ البداية، بخاصة أن البلاد لم تعد تنتظر ولا تحتمل بيروقراطية إدارية خاصة بشأن الأزمات الخانقة التي يعيشها التونسيون منذ فترة وتحتاج إلى القرارات الجريئة التي لا يقدر على اتخاها إلا السياسيون.

فالاعتماد على كبار الإداريين الذين يمتلكون مهارات لا يمكن إنكارها يمكن أن يثمر في حال وُجدت رؤية واضحة وبرنامج عمل دقيق يحدد لكل منهم دوره على الوجه الأكمل. وهذه المقاربة يحددها فاعل سياسي متمكن وصاحب مقاربة دقيقة للشأن العام. لكن أن يُترك هؤلاء للعمل بفردهم في سياق مرتبك فهم قطعاً لن يحققوا الإنجاز المطلوب.

إذن توجد في تونس اليوم حكومة دونما أحزاب فكيف تُمكن قيادة البلاد في غياب الأحزاب؟ وما الديمقراطية إذا لم تكن توجد أحزاب تتنافس في برامجها ورؤاها وأطروحاتها، ويوجد من يحكم ومن يعارض؟

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي