مع صعود جونسون إلى سدة الحكم في بريطانيا، يبدو أن أوروبا في انتظار أيام صعبة، خصوصاً في ما يتعلق بمسار الخروج البريطاني من الاتحاد.

من كان بوسعه أن يتصوّر شيئاً كهذا قبل سنوات معدودة؟ صار النسخة البريطانية من دونالد ترمب، كما يراه بعضهم، رئيساً للوزراء، بما يكفي لإثارة هواجس أوروبية بشأن وجهة الحكم في لندن خصوصاً ضمن مسار الفكاك البريطاني من الاتحاد الأوروبي تحديداً، تحت قيادة المغامر بوريس جونسون.

يبدو واضحاً أنّ صعود جونسون إلى رئاسة الوزراء يقضي بانهيار الاتفاق الأوروبي المُبرَم مع القيادة البريطانية المتنحِّية.

خرجت تيريزا ماي من المشهد بعد أن أعيَتها الحِيَل في إقناع حزبها وشركاء حكومتها وأحزاب المعارضة بالموافقة على الاتفاق المعدَّل الذي توصّلت إليه بصعوبة بالغة مع الأسرة الأوروبية.

يبدو واضحاً أنّ صعود جونسون إلى رئاسة الوزراء يقضي بانهيار الاتفاق الأوروبي المُبرَم مع القيادة البريطانية المتنحِّية.

حسام شاكر

ثم اختار حزب المحافظين بوريس جونسون خلفاً لها، وهو المعروف بموقفه الصارم من أوروبا ورفض التسويات التوفيقية معها، علاوة على أنه من أبرز وجوه حملة الانفصال عن أوروبا أساساً، التي أدخلت بريطانيا وشركاءها الأوروبيين في مسارات شائكة ومعقدة.

لكنّ صعود بوريس جونسون إلى رئاسة وزراء بريطانيا ليس نزهة بالنسبة إلى هذا السياسي الذي اشتهر برعونته، فهي مغامرة حرجة في ظرف معقَّد للغاية.

يواجه جونسون مهمّة مستعجلة لإخراج لندن من عنق الزجاجة الذي شارك في إدخالها فيه، بصفته من دعاة الانفصال عن أوروبا، وإن خسر التحدي فسيكون ثالث رئيس وزراء يهوي به "البريكست"، وأمّا إن نجح في فرض خيارات متصلِّبة على الأوروبيين فقد تمنحه نشوة الظفر فرصة لكسب تأييد البريطانيين وأصواتهم في جولات اقتراع مقبلة.

تبدو المهمة صعبة حقّاً، فقد أمسك جونسون بدفّة القيادة البريطانية قبل شهور ثلاثة تقريباً من الموعد المبرم لإنجاز الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، بعد أن وقّع تمديد المهلة الممنوحة نصف سنة في أواخر مارس/آذار الماضي لإتاحة هامش زمني إضافي إلى التفاهمات البريطانية الداخلية.

لكنّ تيريزا ماي أخفقت في حشد موافقة، ولو بالحدّ الأدنى، في مجلس العموم على خطة الانفصال المعدّلة، وخابت رهانات اللحظة الأخيرة التي خاضتها على شتى الجبهات الداخلية في إنجاز أي توافق نسبي، وخذلها حزبها المحافظ في جولات التصويت حتى اضطُرّت إلى الاستقالة.

مال المحافظون إلى اختيار بوريس جونسون لرئاسة الحكومة، ما يعني إهالة التراب عمليّاً على اتفاق ماي مع الأوروبيين بشأن مسار "بريكست"، ليصير الانفصال البريطاني عن الاتحاد مرهوناً باحتماليْن: إمّا مفاوضات جديدة مع الأوروبيين بشروط بريطانية من المستبعد أن يقبل بها الاتحاد أساساً، وإما الخروج من أوروبا في الأمد المحدَّد دون اتفاق بكل ما قد يعنيه هذا من مغامرة جسيمة.

على جونسون تحقيق توافقات صعبة داخل حزب المحافظين الذي انتخبه، ومع شركاء الحكومة أيضاً، وأن يتفاهم مع الأحزاب الأخرى لضمان موافقة مجلس العموم على خطة "بريكست" المفترضة.

ثمّ ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يوافق على خطة كهذه أيضاً بعد افتراض استعداده لتعديل الاتفاق الصعب المبرم بين الاتحاد وتيريزا ماي.

هذا ما يُفترَض أن يجري لو أنّ جونسون يراهن حقّاً على مفاوضات مجدية مع الأوروبيين، لكنّ المؤشرات المتاحة تعزِّز فرص الخروج بلا اتفاق، أو "نو ديل بريكست"، أكثر من أي وقت مضى، وهو خيار مُغامِر يقوم على المخاطرة وقد يجرّ تبعات اقتصادية حرجة على بريطانيا قبل شركائها الأوروبيين.

ومنذ أن اختار حزب المحافظين جونسون لخلافة ماي أظهر المتصدِّر الجديد تجاهلاً واضحاً لأوروبا، وشرع في تهيئة الأجواء لخيار الخروج بلا اتفاق.

لا يُبدي جونسون اكتراثاً بشركائه الأوروبيين، فهو منصرف إلى جولاته الداخلية، بدءاً من اسكتلندا وويلز، لأجل تسويق رؤيته في إدارة المنعطف وحشد الجبهة الداخلية لخوض المنعطف الحادّ، كما يعتزم إطلاق حملة إعلامية حكومية غير مسبوقة تقريباً للتأثير على توجُّهات البريطانيين في هذه المرحلة.

منذ أن اختار حزب المحافظين جونسون لخلافة ماي أظهر المتصدِّر الجديد تجاهلاً واضحاً لأوروبا وشرع في تهيئة الأجواء لخيار الخروج بلا اتفاق.

حسام شاكر

من الواضح أنّ إظهار الصرامة على هذا النحو مع أوروبا الموحَّدة يعزِّز رصيد بوريس جونسون لدى أوساط من الجمهور البريطاني، لكنّ رئيس الوزراء يدرك أيضاً أنّ عليه إبرام توافقات داخلية قبل زيارة عواصم أوروبية أو خوض أي محادثات مع الاتحاد.

ثمة معضلة زمنية يواجهها جونسون، تتمثل في فترة الصيف التي يغيب فيها السياسيون عن مواقعهم وتركد فيها الحياة الحزبية، فيما لن يعود مجلس العموم إلى الانعقاد قبل شهر سبتمبر/أيلول المقبل.

يعني هذا أنّ خيارات جونسون لن تتضح إلاّ في الأسابيع الأخيرة التي تسبق نهاية مهلة الانفصال، وقد يواصل حتى حينه تصعيد الضغوط على أوروبا للدفع باتجاه تسوية ما في نهاية الشوط مستنداً إلى جبهة داخلية داعمة له.

أمّا على الجبهة الخارجية فإنّ بوريس جونسون يُدير هذه المرحلة الحرجة مع أوروبا بمزيج من التجاهل والغموض، حتى إشعار آخر.

فهو يحجم عن مبادلة الأوروبيين أي مقترحات تفاوضية، كما لا يُظهِر خيارات تفصيلية محدّدة بشأن وجهته، ويكتفي بإشعار الجميع بأنّ المعضلة قائمة في الضفة الأوروبية أساساً لا البريطانية.

من المرجّح أن تراهن رئاسة الوزراء في لندن على تحميل الأوروبيين المسؤولية عن أي خيار غير مرغوب قد تنزلق إليه مآلات "البريكست"، بما في ذلك احتمال الانفصال دون اتفاق، وسيحتاج جونسون إلى التذرُّع بتصلُّب الأوروبيين في التسويق الداخلي لتبعات الانفصال مع جمهوره.

غنيّ عن القول أنّ الاتحاد الأوروبي يواجه مع عهد بوريس جونسون خيارات حرجة، فإعادة التفاوض بشأن انفصال بريطانيا كانت خياراً مرفوضاً في الأساس من جانب الاتحاد منذ التوصّل إلى آخر اتفاق مع رئيسة الوزراء المستقيلة.

كما أنّ إقناع سبع وعشرين دولة بالتساهل مع اشتراطات جديدة قد تطلبها لندن لا يبدو خياراً ميسّراً، بخاصة مع نزعة التجاهل التي قد تُفهَم على أنها مشبَّعة بالغطرسة، التي يعبِّر عنها رئيس الوزراء الجديد.

مع بوريس جونسون صارت "الظاهرة الترامبية" حاضرة بقوّة في التجاذبات الأوروبية الداخلية علاوة على تأثير الشعبويين الذين يمسكون بمفاتيح الحكم في إيطاليا وعواصم أوروبية وُسطى.

حسام شاكر

ثمّ إنّ المهلة الإضافية الممنوحة في الربيع الماضي لا تحتمل جولات تفاوض مستفيضة، وإن أظهر الاتحاد مرونة مع البريطانيين لتجنُّب خيار الانفصال دون اتفاق، فإنّ هذا السلوك قد يتسبّب في تشجيع القوى الداعية إلى الفكاك من أوروبا الموحدة في الدول الأعضاء على أن تحذو حذو لندن.

على الضفة الأخرى من الأطلسي ثمة رجل يتابع تطوّرات العهد البريطاني الجديد من جوف البيت الأبيض، فصديقه صار رئيساً للوزراء وقد يصدِّع رؤوس القادة الأوروبيين في الشهور المقبلة في اتجاه يتواءم مع التدخلات التي عبّر عنها دونالد ترمب بصراحة خلال مفاوضات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي.

ومع بوريس جونسون صارت "الظاهرة الترامبية" حاضرة بقوّة في التجاذبات الأوروبية الداخلية، علاوة على تأثير الشعبويين الذين يمسكون بمفاتيح الحكم في إيطاليا وعواصم أوروبية وُسطى.

إنّ أولوية المرحلة في لندن هي التحضير للانفصال، الذي ينبغي أن يقع في كل الأحوال، حسب منطق حكومة جونسون، التي باشرت توزيع الأدوار وتشكيل مجموعات عمل للتحضير لانفصال بلا اتفاق.

وإذ تعلو احتمالات الانفصال البريطاني دون اتفاق مع نفاد المهلة المحددة حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، فإنّ التقديرات المتضاربة للخسائر والأضرار والتبعات المترتبة على هذه الخطوة تكفي لوصفها بالمُغامَرة الجسيمة.

يعلو القلق في الأسواق البريطانية والأوروبية من عواقب المجازفة والغموض بشأن ملف الانفصال مع تأثيرات ملحوظة على الجنيه الاستراتيجية.

ولا تخفى المخاوف الاستراتيجية من أن تمسّ الخطوة التماسك البريطاني الداخلي أيضاً في عاجل الأمر أو آجله، كأن تدفع باتجاه تفكّك "المملكة المتحدة" إن لم ترغب أقاليم فيها بالتنازل عن امتيازات الوحدة الأوروبية.

قد يستنتج بعضهم لاحقاً أنّ بوريس جونسون كان الوجه الأمثل لقيادة الاندفاع الأهوج نحو المجهول، أو لخوض مجازفة شاقة للانعتاق من عنق الزجاجة، ومن أوروبا الموحدة أيضاً.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي