تمثل المعركة الدائرة منذ الخميس الماضي في العاصمة السياسية اليمنية المؤقتة عدن، واحدةً من أكثر التكتيكات التي أقدمت عليها دولة الإمارات العربية المتحدة عدائيةً عبر أدواتها المحلية، انكشافاً ووضوحاً في الأهداف والمقاصد والأدوات.

مقدمات ما يجري اليوم في هذه المدينة المنكوبة بالصراعات كانت مكشوفة بالقدر نفسه؛ حيث كانت قد تعرضت لهجومين مزدوجين ومتزامنين في الأول من شهر أغسطس/آب الجاري، تسببا في سقوط العشرات بين قتيل وجريح.

لكن الملابسات التي أحاطت بتفجير معسكر الجلاء تشير بوضوح إلى أن الهجوم كان عبارة عن تصفية مقصودة للعميد أبو اليمامة قائد اللواء الأول في ألوية الدعم والإسناد المعروفة بالحزام الأمني، والذراع الرئيسة للإمارات في معظم العمليات القذرة التي شهدتها عدن طيلة الفترة الماضية؛ حيث عمل تحت إشراف هاني بن بريك نائب ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات كذلك.

إذ لم يعثر على بقايا صاروخ كما أن القذيفة تتبعت هذا القائد المتطرف أثناء تحركه خلف المنصة وأصابته بشكل دقيق، في وقت لم يعثر فيه حتى الآن على بقايا الصاروخ الذي زعم الحوثيون أنهم أطلقوه على المعسكر.

مقدمات المعركة 

صُمم هذان الهجومان لإحداث أكبر قدر من الهيجان الشعبي في الشارع العدني والجنوبي، وجسر الفجوة الهائلة بين المجلس الانتقالي وأدواته العسكرية من جهة، وبين مجتمع مدينة عدن والجنوب المتذمر من سلوك وتأثير هذه الهياكل التي أقامتها الإمارات للعبث بأمن واستقرار المدينة والمحافظات الجنوبية من جهة أخرى.

وكان اللافت أن هاني بن بريك نائب ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تلا بيان المجلس الانتقالي حول الحادثين لم يتطرق إلى الحوثيين ولم يسمهم طرفاً في الهجوم، فيما تمسك إعلام التحالف برواية الحوثيين التي تبنت الهجوم على معسكر الجلاء.

وبدلاً من ذلك تعمد الانتقالي الانفصالي توجيه الأنظار مع قدر هائل من التحريض تجاه الخصوم التقليديين للإمارات: التجمع اليمني للإصلاح، الحزب المشارك في الحكومة الشرعية، والتنظيمات الإرهابية (القاعدة وداعش)، مع ملاحظة أنه يضع الاثنين في سلة واحدة.

كما حرض بشكل متعمد ضد المدنيين المسالمين من أبناء المحافظات الشمالية في عدن وجلهم من محافظة تعز المجاورة، وحمّلهم المسؤولية عن تقديم الدعم اللوجيستي الذي سهل اغتيال أبو اليمامة، ما أفسح المجال لتنفيذ أسوأ عملية تهجير قسري لهؤلاء المدنيين، شملت أيضاً حرق بسطات بيع الخضار والفواكه والمواد الاستهلاكية والمحلات التجارية وإغلاق منافذ المدينة أمام المسافرين.

مجمل هذه الانتهاكات لم يكن لسكان مدينة عدن يد فيها كما كان يتمنى المجلس الانتقالي وأدواته ومن يقف وراءه، بل تورط فيها تحديداً الحزام الأمني الذي ينتمي معظم أفراده لقبائل يافع، فيما أظهر أبناء المدينة غضباً شديداً حيال هذه الممارسات.

وكانت هذه الانتهاكات بمثابة إجراء احتياطي لاعتقاد المجلس الانتقالي أن هؤلاء ربما يتحولون إلى قوات تقاتل إلى جانب الحكومة الشرعية في المعركة التي يُحضِّر لها المجلس، والتي سوغت ترتيب هذه التفجيرات أيضاً حتى يبدو المجلس ومن يقف وراءه أنهم يطهرون مدينة عدن من التنظيمات الإرهابية المتطرفة.

سيناريو الانفصال

كنت واحداً ممن توقع أن الخطوة التالية لهذه التفجيرات ومن بعدها عمليات التهجير، وهي أن الانتقالي وقواته ومن خلفهم الإمارات ينوون استثمار ما حدث للتوجه صوب قصر المعاشيق، حيث مقر الرئاسة والحكومة في عدن، لفرض خيار الانفصال بقوة السلاح، وفرض أمر واقع جديد يشبه تماماً ذلك الذي تحقق في صنعاء بعد 21 سبتمر/أيلول 2014 بفضل الدعم والإسناد الذي قدمته كل من الدولتين (الإمارات والسعودية) للحوثيين وصالح؛ لتنفيذ أجندة الثورة المضادة في اليمن، قبل أن تكتشف الرياض حجم الخطأ الفادح الذي وقعت فيه عندما مكّنت أدوات إيرانية واضحة من دولة لها من الإمكانيات العسكرية الهائلة، ما يجعل إيران أكثر فعالية في إدارة معركة النفوذ الإقليمية الراهنة بأقل الإمكانيات.

وفي إطار السيناريو المفضوح ذاته اختار المجلس الانتقالي ومن ورائه الإمارات، تنظيم جنازة لتشييع قتلى معسكر الجلاء ودفنهم في مقبرة تقع بالقرب من قصر المعاشيق، مضمرين النية لتحويل هذه الجنازة إلى "حصان طروادة" ومن خلالها يمكن استغلال عدد المشيعين وإن كان متواضعاً على عكس ما توقعه المنظمون، في تنفيذ الهجوم على قصر المعاشيق وتوريط قوات الحماية الرئاسية في إراقة دماء "مشيعين غاضبين عزل".

وفي الوقت ذاته سيجري تصوير الحدث على أنه هبة شعبية عفوية، علماً بأن المجلس الانتقالي ذاته كان قد دعا إلى هذه الهبة في ذات يوم التشييع، ولكن المشيعيين انسحبوا وتفرقوا فور بدء المواجهات المسلحة بين عناصر الحزام الأمني وقوات الحماية الرئاسية ما أفقد المخطط أهم شروط نجاحه.

على الفور عقد هاني بن بريك ومعه عدد من أعضاء المجلس الانتقالي مؤتمراً صحفياً أعلن فيه النفير العام لأبناء المحافظات الجنوبية ولما تسمى بقوات المقاومة الجنوبية، للتوجه إلى قصر المعاشيق "لإسقاط مليشيات حزب الإرهاب"، بعد ما وصفه بـ: "الاعتداء على الشعب الأعزل الذي أراد الاعتصام السلمي أمام قصر المعاشيق، بالنيران الحية من مليشيات حزب الإصلاح الإرهابي" على حد قوله.

اندلاع المعركة

بعد هذا النداء بدأ هجوم القوات الانفصالية الممولة من الإمارات على قصر المعاشيق، لكن قوات الحماية الرئاسية وعلى مدى يومين استطاعت أن تصد هذا الهجوم وتطهر محيط القصر ومدينة كريتر، وهي أقدم تجمع سكاني في مدينة عدن، بل واستطاعت السيطرة على مناطق مفصلية في المدينة، إلى حد باتت معه فرص القوات الانفصالية ضعيفة في حسم المعركة وتحقيق أهدافها.

تتعرض الحرب الدائرة في عدن لتغطية إعلامية مشوشة إلى حد كبير، لكن المعلومات الدقيقة التي تصلنا عبر قنوات موثوقة تشير إلى أن القوات الحكومية استطاعت أن تحقق تقدماً نوعياً، فيما يمثل إخفاق المتمردين حتى الآن في تحقيق هدفهم خسارة كبيرة ونكوصاً يعود بالدرجة الأولى إلى افتقادهم للتغطية الجوية التي حصلوا عليها في معركتهم السابقة التي وقعت أواخر يناير/كانون الثاني 2018 ورسخت نفوذهم في مدينة عدن.

السعودية ومأزق عدن

تسجل معركة عدن الحالية نقطة افتراق جوهرية بين المشروعين الإماراتي والسعودي اللذين التقيا حتماً على هدف إضعاف اليمن وتفكيكه، ويعود السبب في ذلك إلى أن الإمارات يبدو أنها اختارت توقيتاً غير مناسب لفرض الانفصال وحصد المكاسب الجيوسياسية التي تتطلع إليها وتتمثل في الهيمة على موانئ الجنوب اليمني واقتضام محافظة أرخبيل سقطرى اليمنية الواقعة على المحيط الهندي.

يأتي ذلك فيما تبدو السعودية في وضع حرج للغاية نتيجة تزايد الضربات الحوثية للعمق السعودي، وزيادة منسوب العمليات النوعية البرية على الحد الجنوبي، على نحو يفقد التدخل العسكري الذي تقوده السعودية مفعوله وأهميته.

وسيكون من الكارثي أن تبارك الرياض مخطط إسقاط الشرعية في عدن وإن كان هدف الانفصاليين المراوغ اليوم يتوقف عند استهداف الحكومة دون منصب الرئيس، وهو التكتيك ذاته الذي اتبعه الانقلابيون الحوثيون عام 2014.

لذا تُظهر السعودية والإعلام التابع لها تعاطفاً مع السلطة الشرعية، رغم أنه لم يترجم بشكل قوي على الأرض، لكنه يبدو كافياً لهد معنويات الانفصاليين المدعومين من الإمارات، الذين يئسوا على ما يبدو من تحليق الأباتشي دعماً لمعركتهم التي قد تكون الأخيرة للاستحواذ على مدينة عدن.

ليس أمام السلطة الشرعية سوى حسم هذه المعركة من أجل استعادة نفوذها في مدينة عدن والذي تسبب غيابه في تشويه كل إنجازاتها طيلة السنوات الاربع الماضية، وساهم في تعثر عملية استعادة الدولة وهدم مبنى ثقة اليمنيين بالشرعية وبالتحالف وبالمستقبل.

اليمنيون يحتاجون، بشكل مُلح، إلى حسم المعركة لصالحهم في عدن التي أغلقت في وجوهمم وصعبت عليهم عمليات الانتقال والاتصال والتواصل، وعطلت خطوط الدعم اللوجيستي بين الجبهات المتباعدة، وأصبحت عدن شراكاً لكل المقاومين للانقلاب والمساندين للسطلة الشرعية، خصوصاً المقاتلين منهم.

أما إذا نجح الانفصاليون في تحقيق أهدافهم فإن ذلك سيربك المشهد اليمني برمته وسيصبح الجميع تقريباً أطرافاً متساوين في معركة عبثية يبدو أقرب المستفيدين منها هم الحوثيون ومن يقف وراءهم والانفصاليون ومن يقفهم وراءهم، علماً بأن الإمارات، التي رضخت لإيران، تساهم كما فعلت قبل ذلك بتسليم مدينة عدن ناجزة للنفوذ الإيراني بالنظر إلى الإرث الراسخ من العلاقات التي أقامتها طهران مع رموز الحركة الانفصالية منذ نحو عقد من الزمان وأكثر.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي